رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: أ.د. علي بن إبراهيم النملة 2 أبريل، 2017 0 تعليق

الدعوة الإسلامية تدخل السجون في أمريكا!

ينشط المسلمون المقيمون في أمريكا نشاطًا واضحًا؛ بحيث تصل دعوتهم إلى السجون؛ لأن بعضًا ممن دخلوا الإسلام حديثًا قد طرق قضبان السجون في فترة من فترات الضياع التي عاشها، فينقل لإخوته الجدد الجو الذي عاشه ويعيشه أبناء قومه، فيذهب فريق من المسلمين الجدد إلى المسؤولين عن أحد السجون فيعرضون عليهم فكرتهم وعواقبها العملية النافعة.

مأمورو السجون

     ويحدث أن يكون أحد مأموري السجن ممن عانَوْا من أحد أعضاء هذا الفريق، فيسلِّم عليه العضو، ويعتذر له عن تلك الفترة المظلمة من حياته، ويرى فيه مأمور السجن رجلًا آخر، فيدرك أنه قد تغير بالإسلام، فيوافق مسؤولو السجن على أن يقوم هذا الفريق من المسلمين بعقد (ندوات) للمسجونين تكون دورية، ويكون هدفها الإصلاح، فيبدأ هذا الفريق بيوم الجمعة؛ حيث يجمع مجموعة من المسلمين ويهيئ لهم السجن موقعًا خاصًّا يلقون فيه خطبة الجمعة والصلاة، ومن هنا تكون الانطلاقة، فغير المسلمين في السجن إنما حضروا للاستماع، مدفوعين بذلك من قِبَل مأموري السجن، وتكون النتيجة أن يسمعوا كلامًا له صدى عجيب ووقع على الأذهان والعقول غريب، فيواصلون التجمع حول أبناء قومهم ذوي الاتجاهات الجديدة، ويحضر هؤلاء معهم مجموعة من الكتب يزودون بها مكتبة السجن، فيها تعريف بالإسلام وترجمة لمعاني القرآن الكريم.

تغيرات في السجون

     ومنذ بداية هذه الندواتِ والسجنُ يشهد تغيرًا تدريجيًّا يميل إلى الهدوء والطمأنينة، فيرتاح مأموروه أكثر فأكثر، ويطالبون الدعاة بتكثيف نشاطهم، فيعمِد هؤلاء إلى إقحام المسلمين الآخرين من عرب وهنود وباكستانيين وأمريكيين بيض؛ فتبرز للجميع عالمية هذا الدين، ويبدأ الدخول في الإسلام شيئًا فشيئًا، وترفع التقارير عن حالة المسجونين وتغير كثير منهم، فتدعو السجون الأخرى المراكز الإسلامية والمساجد هناك إلى المساهمة في تهدئة السجون، وإخراج جيل صالح من المسجونين إلى المجتمع يحقق النظريات التي جاء بها المنظرون، ولكن بأسلوب عملي هادف بنَّاء، فتصبح ظاهرة (أسلمة) السجون أمرًا مسلَّمًا به، ويصبح المسلمون الذين جرت بهم ظروفهم قبل إسلامهم إلى السجون يضربون المثل في الإيجابية والهدوء والتعاون مع مأموري السجن على تهدئة الوضع كلما طارت شرارة معلنة قيام شغب في أحد هذه السجون.

الظاهرة الجديدة

     وتبرز في الأفق ظاهرة جديدة، هي ظاهرة الدعوة في السجون، فتصبح ظاهرة ذات طابع مميز، تختار لها مقومات خاصة، وينتخب لها أشخاص ذوو كفاءات دعوية منتقاة؛ لأن هذه الرقعة التي تضم فئة من الناس تعيش ظروفًا قد تختلف عن ظروف غيرهم، وتحتاج إلى مراعاة ما هم فيه وما هم عليه.

     ويتناقل الناس هذه الظاهرة، وتكتب عنها بعض الصحف المحلية والنشرات التي تصدرها المجموعات الإسلامية ترصد فيها الإحصائيات، وتسترشد بآراء القائمين على السجون حول تأثير هذه الظاهرة الجديدة على سير أعمالهم، ويتطور الأمر إلى أن يصل إلى الدراسة الأكاديمية العلمية؛ حيث حُضِّرت في هذه الظاهرة الرسائل، وتبرز النتائج الإيجابية التي توصي في نهايتها بتكثيف هذا النشاط وتعميمه على الجميع.

دراسات اجتماعية

     ولم تتوقف الدراسات الاجتماعية عند حدود السجن، ولكنها تابعت أولئكم الذين خرجوا من السجون بروح جديدة، بدا عليهم أنهم لن يعودوا إليه كما جرت عادة أترابهم الذين لا يلبثون أن يعودوا إلى السجون بعد فترة قصيرة من خروجهم منها، معلنين بذلك فشل النظريات في إصلاح ما أفسدته تلكم المجتمعات من أبنائها. مثل هذه الدراسة أثبتت أن الذين اعتنقوا الإسلام في السجون خرجوا منها ليضموا إليهم مجموعات كانت «ضائعة» تبحث عمن يتبناها ويعطيها شيئًا من الاهتمام، ويملي عليها قيمتها الإنسانية وإمكانية مساهمتها الفاعلة في بناء المجتمع، وكانت هذه العبارات تكرر لهم في السجون أكثر من مرة، ولكنهم لم يلمسوه إلا عندما رأوا أن هذه القيمة يمنحها رب العباد لمن يريد أن يصل إليها، وليس هناك من يستطيع الوقوف في طريق من يريدون الوصول إليها، فأقبل على هذا الدين أناس كثيرون إذا جالستهم وسردوا لك حياتهم قبل الإسلام لا تكاد تصدق أن يصدر عنهم ما صدر عنهم؛ إذ إنك تجد نفسك مع شخصيات مغايرة تمامًا لما يصورونه لك.

     ولم تقف الدراسات الاجتماعية على تتبع الأشخاص فقط، بل عمدت إلى دراسة الأحياء التي يغلب عليها طابع الفقر، وتكثر فيها من أجل ذلك المشكلات، وقد صدرت دراسة أجريت على مجموعة من أحياء شيكاغو العريقة المعروفة بطابعها المميز، خرجت هذه الدراسة بنتيجة أن الأحياء التي يغلب عليها الطابع الديني هي أقلُّ أحياءِ مدينة شيكاغو من ناحية المشكلات، وأقربها إلى الاعتدال والإيجابية، وفي مدينة شيكاغو مجموعات كبيرة من المسلمين، ولعلها تعد المركز الرئيسي لانطلاقة المسلمين المقيمين الذين يتسمون بأمة الإسلام.

الظاهرة العجيبة

     هذه الظاهرة العجيبة لا تتوقف عند حدود مدينة واحدة أو ولاية، بل لعلها تشمل جل الولايات المتحدة الأمريكية، ودول أوروبا الغربية التي تعيش فيها أقليات تعيش الظروف التي تعيشها الأقليات الأمريكية ذاتها، والذي أعلمه أن (اتحاد مسلمي شمال أمريكا) يولِي هذه الظاهرة اهتمامًا خاصًّا، يعين بذلك المساجد والمراكز المحلية بتزويدها بالمطبوعات والدراسات، ويعقد لذلك الندوات، ويشترك فيها ويساهم بجهد علمي ملحوظ، ولاسيما أنه اتحاد يجمع المسلمين في أمريكا على مختلف مستوياتهم العلمية والاقتصادية، ويقف شامخًا يؤدي دوره على وجه يستحق عليه الإعجاب، ولا يقف عند التنظير والإشراف، ولكنه يخصص لهذه الظاهرة مجموعة من الخبراء الذين مروا بظروف يمر بها اليوم نزلاء السجون، فيستفيدون من هذه الخبرة ويكون القبول منهم أكثر من القبول من غيرهم، وذلكم أسلوب تتطلبه مجالات الدعوة، فكان الله في عون الدعوة، وكان الله في عون الجميع.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك