رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 30 أبريل، 2012 0 تعليق

الإسلاميون في مصر وأزمة اختيار رئيس الجمهورية

 

هل فشل الإسلاميون في مصر في إدارة أزمة اختيار رئيس الجمهورية؟ سؤال يطرح نفسه بقوة خلال هذه الأيام، ولاسيما بعد أن أعلنت الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح يوم الأربعاء الماضي عن تأييدها الكامل لمرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي لرئاسة الجمهورية، في خطوة لم يجد لها الكثيرون تسويفاً أو سببًا واضحًا دعا الهيئة إلى المسارعة في اتخاذ هذا القرار، في الوقت الذي كانت جميع الفصائل الإسلامية وعلى رأسها الدعوة السلفية قد دعت إلى ضرورة التوافق على مرشح إسلامي واحد حتى لا يتم تفتيت أصوات الإسلاميين مما قد يضيع عليهم الفرصة للفوز بهذه الانتخابات.

       وقد وضع هذا القرار باقي الفصائل الإسلامية في حرج شديد وصل ببعضهم إلى التشكيك في نزاهة القرار ومصداقيته، وأبدت مصادر إسلامية رفيعة استياءها الشديد من هذه الخطوة المتعجلة التي قطعت الطريق على جهود بذلت على مدار الأسابيع الماضية لتوحيد الصف الإسلامي والبحث عن مرشح يتوافق عليه الجميع.

       وشككت المصادر ذاتها في نزاهة وشفافية ما أعلنه أمين عام الجبهة الدكتور محمد يسري من أن ثلثي أعضاء الهيئة صوتوا لصالح مرشح الإخوان، معتبرة ذلك تدليسًا يرقى إلى مستوى التزوير، وأكدت أن غالبية رموز الهيئة رفضت المشاركة في تلك العملية وذلك التصويت، بمن فيهم أحزاب النور، والبناء والتنمية، والأصالة، والفضيلة، والدعوة السلفية، ورموز إسلامية وسلفية عديدة، وطالبت المصادر أمين عام الهيئة بالكشف عن أسماء من شاركوا في تلك العملية وعددهم بدلا من الهروب من ذلك بالحديث عن ثلث وثلثين، حسب قولهم.

حزب النور يستنكر بشدة

       من جانبه قال الدكتور محمد نور المتحدث الإعلامي باسم حزب النور إن الدعوة السلفية أو حزب النور لا يلزمهما هذا التوجه الذي أعلنه أمين عام الهيئة، وأكد أن قرار الهيئة الذي جاء بهذا الشكل يعتبر خروجًا واضحًا على مبادرة التوافق الذي دعت إليها الدعوة السلفية ودعمها حزب النور، وأن ما حدث هو محاولة لقطع الطريق على الجهود التي تبذلها الأطراف المشاركة فيها من أجل الاتفاق على مرشح واحد.

       واستنكر نور محاولة الزج باسم الدعوة السلفية أو دعاتها فيما حدث، معتبرًا أن ترديد الحديث بأن هناك عدداً من مشايخ الدعوة السلفية شاركوا في رأي الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح لدعم مرشح الإخوان تجاوزا وافتراء.

تسرع في القرار

       من جانبه قال المحامي ممدوح إسماعيل معلقًا على القرار: لقد قلت للهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح: إن عرض مميزات د/ مرسي على الجمعية العمومية اليوم دون عرض مميزات أبو الفتوح فيه عدم حيدة، ومع احترامي بل وتقديري للدكتور محمد مرسي والدكتور أبو الفتوح فإني أرى الهيئة قد تسرعت في الاعلان عن هذا القرار.

بداية الأزمة

       بداية الأزمة الحقيقية بين القوى الإسلامية للتوافق على مرشح رئاسي جاءت بعد قرار جماعة الإخوان المسلمين الدفع بمرشح للرئاسة وهو المهندس خيرت الشاطر، بعد أن صرحت من قبل أنها لن تقوم بهذه الخطوة.

       وقد عبر عن ذلك الكاتب جمال سلطان قائلا: «كان بديهيًا أن الدفع بمرشح رابع للرئاسة ويمثل جماعة كبيرة كالإخوان، يعني تفتيتا حتميا للصوت الإسلامي في الانتخابات، وإعادة جهود التوحد إلى نقطة الصفر، وبعد أن كانت الجهود أسهل نسبيًا زادت تعقيدًا، ومسوغ الإخوان موقفهم من أن رئيس الجمهورية لا بد أن يحمله حزب قوي ليطبق مشروعه، ويضربون المثل بأمريكا، وأمريكا ليس فيها جماعة وتنظيم وبيعة لمرشد وحزب يمثل «ذراعا» للمرشد والجماعة، كما أنه من الاستخفاف بالمنطق أن تقارن مصر في لحظة التحول «الرخوة» ببلد تجذرت الديمقراطية فيه عبر مئتي عام».

استبعاد المرشحين الإسلاميين

       ازدادت الأزمة اشتعالاً بعد قرار اللجنة العليا للانتخابات باستبعاد 10 من المرشحين للرئاسة بينهم اثنان من أقوى المرشحين الإسلاميين وهما (حازم صلاح أبو إسماعيل، وخيرت الشاطر)، وفسر كثير من المراقبين استبعاد المرشحين الإسلاميين بأنه قرار سياسي وليس قانونيا كما تقول لجنة الانتخابات.

خارطة المرشحين الإسلاميين

       بعد خروج الشاطر وأبو إسماعيل لم يتبق سوى أربعة إسلاميين هم: الدكتور محمد مرسي (مرشح جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة)، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح (مرشح مستقل)، والدكتور محمد سليم العوا (مرشح مستقل)، والدكتور عبدالله الأشعل (مرشح حزب الأصالة السلفي).

       ويذكر الكاتب صلاح الطنبولي في مقال له بجريدة «المصريون» توصيف هؤلاء المرشحين فيقول: «أما الدكتور محمد مرسي مع احترامنا الشديد لشخصه، فالواضح أنه لا يحمل كل تلك المزايا الموجودة في المستبعدَيْن – الشاطر وأبو إسماعيل، ولا كذلك الموجودة في «أبو الفتوح»، وترشحه المتأخر - والذي كما يتضح لم يكن في الحسبان – قد يؤثر عليه كثيرًا في تسويقه لدى عموم الناس.

       وبصفة شخصية لا أعدّ «أبو الفتوح» و«العوا» مشروعين إسلاميين، فالأول لا يبدو من طرحه أنه يحمل مشروعا إسلاميا نقيا وغايته في حملته إرضاء المخالفين من جميع الأطياف وخطابه لهم، ولا يهتم كثيرا بأن يتبناه الإسلاميون - وإن كان يريد ذلك ويرجوه - وإلا أسقط نفسه أمام ما يعتقد أنهم القطاع العريض في مصر ولاسيما بعدما يثار بشأن انخفاض شعبية الاخوان.

       أما العوا فالرجل وإن كان يصرح بأنه يحمل مشروعًا إسلاميًا إلا أن أفكاره وضوابطه للأمور تحتاج إلى نظر وتأمل ولاسيما في استخفافه وعدم تقديره للمشروع الصفوي الإيراني بالرغم من وضوحه لدى العامة والخاصة، وهذا يضع عليه علامات استفهامية كبيرة، ولاسيما بعد أحداث سوريا وموقف الشعوبية في إيران والعراق ولبنان واصطفافهم جميعًا لوأد ثورة أهل السنة على طغيان حكام سوريا.

       ولا أدري كيف يغفل الناس ولاسيما الإسلاميين عن رجل بحجم الدكتور عبدالله الأشعل، فالرجل يحمل مؤهلات جيدة لحمل تلك الرسالة العظيمة، وهو وإن كان لا يحسبه كثير من الإسلاميين ضمن مرشحيهم، إلا أنه يحمل حسًا إسلاميًا عاليًا، ويتبنى الهوية العربية الإسلامية بوضوح، وهو من المطبخ الدبلوماسي ويعرف أسرار الكواليس السياسية داخليًا وخارجيًا، وليس له عداء مع الدعوة الإسلامية، ولا يتبنى مشروعًا تغريبيًا يظن أن فيه نهضة مصر كغيره ممن له أفكار بعيدة عن آمال وطموحات الأمة، غير أن الرجل هادئ جدا في طرحه، وليس له الكاريزما التي يستطيع بها تسويق نفسه، ولا الإمكانيات المادية اللازمة، وكذلك ليس لديه مناصرون كُثر يحملون عنه ذلك في الدعاية والإعلان، فلو كان له رجال لقد كان من الممكن أن يكون الأوفر حظًا، بل لا أبالغ إن قلت: والأكفأ لإدارة دفة مصر في تلك المرحلة، فهل ينتبه الإسلاميون له أم يصرون على تفتيت الأصوات، بل إنني أحث جميع القوى بالساحة على جعله رئيسًا توافقيا بينهم». انتهى كلامه.

ضرورة التنازل

       وعن رأي العلماء والمختصين في هذه المسألة يرى الأستاذ الدكتور «محمود مزروعة» رئيس قسم العقيدة بالأزهر قسم السنة النبوية وعلومها، أنه لا جدال في أن تنازل بعضهم للآخر أو تفاهموا فيما بينهم، أمر مطلوب بالضرورة الشرعية، فعلينا أن نُرجح مصالح الإسلام والمسلمين ثم مصالح هذا البلد على أية مصلحة شخصية، وهذا يقتضي منا بالضرورة الشرعية –مرة أخرى- والعقلية أن نتفاهم فيما بيننا، وأن يتنازل بعضنا للآخرين، فيكون هناك على الأكثر اثنان، هذا إذا لم يكن هناك واحد يتنازل له الجميع حتى لا تتفتت الأصوات فيما بينهم، فتضيع فرصة -انتظرناها طويلا وجاهدنا في سبيلها كثيرا – ولن تضيع الفرصة عليهم جميعا فقط، وإنما على الأمة كلها.

التوافق أولى

       بينما يرى الأستاذ الدكتور مختار محمد غباشي، أستاذ القانون بجامعة القاهرة، ونائب مدير المركز العربي للدراسات السياسية والإستراتيجية التابع لجامعة الدول العربية أن الحنكة السياسية تحتم أن يكون هناك نوع من التنظيم السياسي فيما بين المرشحين أنفسهم، يعني إذا كان هناك توافق على رؤية إسلامية واحدة وتوجه إسلامي واحد، فمن الواجب أن يدخل على الأكثر اثنان منهم، ولا مانع أبدًا أن يكون الاتفاق بينهم: أن هذا رئيس، وهذا نائب للرئيس، وهكذا، فيدخلوا المنافسة بالتبيان والإيضاح؛ مما قد يساعد فعليًا على نجاح مشروعهم بصورة أكيدة.

الحل في التوافق على مرشح واحد

       ويقوم الشيخ «هشام عقدة» الداعية الإسلامي، بعرض حل بسيط في هذا الأمر؛ شريطة أن نشعر بالمسؤولية تجاه هذا الدين: وهو توحيد المرشح؛ لأنه لا يجوز أبدًا إضعاف المرشح الإسلامي بسبب تعدد الأصوات وتفتيتها، وعليه فإنه يترتب وجوب الانسحاب على المرشحين الإسلاميين الآخرين للأصلح منهم، وخيرهما من يفعل، ويبوء الآخر إما بإثم العناد أو التسبب في وصول غير الكفء، أو التعريض المسلمين لمخاطر عظيمة في حالة وصول شخص لا يعمل على إحياء المشروع الإسلامي في البلاد.

أيهما أفضل للإسلام ومصر؟

       ويجيب الدكتور ناجح إبراهيم، عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية، ومفكر الجماعة ومنظرها، على تساؤل: أيهما أفضل للإسلام ومصر، أن يتنافس المرشحون الإسلاميون للرئاسة، ويدخلوا جميعًا حلبة الصراع السياسي، أم إن هذا سيعمل على تفتيت أصوات الناخبين مما قد يضيع الفرصة على الجميع؟ فيؤكد الدكتور إبراهيم على أن التنافس أصل في الديمقراطية عامة، وأن يكون الرأي الفصل في الأمر هو للشعب، ولذلك لابد في الديمقراطية من تنافس، ومادام هناك أحزاب إسلامية كثيرة، فلا مانع من التنافس بينها بالضوابط الشرعية المعروفة.

تأصيل شرعي

       ويؤصل للمسألة شرعياً الأستاذ الدكتور «عطية عدلان»، أستاذ الفقه وأصوله بجامعة الأزهر، وجامعة المدينة، وعضو الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح والمتخصص في الفقه السياسي، ورئيس حزب الإصلاح السلفي، فيقول: المسألة هنا تدور في فلك المصالح والمفاسد، إذا رأى المتقدمون للرئاسة أنه من المصلحة أن يتنازلوا لواحد منهم وجب عليهم هذا؛ درءاً لمفسدة تشتيت الأصوات، ومفسدة أن يذهب بها أحد ممن لا تتوافر فيه الشروط والمواصفات.

       وإذا علم المرشحون للرئاسة أنهم إذا تعددوا تفرقت كلمتهم وذهب بالمشروع الإسلامي غير المسلمين، فإنه يجب عليهم أن يجتمعوا وأن يتنازلوا لواحد منهم، فإذا اجتمعوا ولم يتنازلوا وجب على أهل الحل والعقد الكبار في الأمة أن يختاروا واحداً وأن يدعوا الأمة إلى اختياره؛ لأنه هنا ستترتب على عدم اجتماعهم مفسدة كبيرة وهي تفتيت أصوات الناخبين، فالمسألة من وجهها الشرعي تدور في فلك المصالح والمفاسد.

       ختامًا: فالحاصل أنه لو لم يكون لدى الإسلاميين القدرة على إدارة هذه الأزمة باقتدار، ويغلبوا المصلحة العامة، ويتوافقوا على رجل واحد ولو كان به بعض العوار، فنستطيع بكل وضوح أن نهنئ أحدًا غيرهم برئاسة مصر وقد يكون هذا الواحد إما عمرو موسى أو أحمد شفيق الذين تربوا في أحضان النظام السابق ورضعوا من لبانه ونبتت منه أجسادهم، والذين لن يترددوا في إنقاذ رموزه القابعين خلف الأسوار وإعاد إنتاج النظام من جديد ووقتها لن ينفع الندم.

 

 

 

 

 

 

 

عودة شفيق والكيل بمكيالين

       لا شك أن ما حدث من خروج الفريق أحمد شفيق ومن ثم عودته مرة أخرى، بحكم قضائي يعد مسرحية هزلية كان الغرض منها التهدئة والمراوغة وكسب الوقت من قبل المجلس العسكري الذي يعد شفيق أحد الأوراق الأساسية التي يلعب بها المجلس فضلاً عن ورقة عمرو موسى.

       وهذا مؤشر خطير على مؤامرة ناعمة يقودها المجلس العسكري لمنع المرشحين الإسلاميين من الترشح، وقد أشار إلى ذلك موقع «واللا» الإسرائيلي الإخباري بقوله: إن عودة الفريق «أحمد شفيق» لسباق الرئاسة هي مؤامرة على مجلس الشعب المصري الذي قرر عزل فلول «مبارك» وحرمانهم من المنافسة بالانتخابات الرئاسية، مؤكداً أن قرار لجنة الانتخابات بالموافقة على ترشح «أحمد شفيق» يمثل صفعة على وجه البرلمان المصري الذي أقر قانون عزل الفلول.

 

العلاقات المصرية السعودية على المحك

       أعلن مصدر سعودي مسؤول، أمس السبت، أن حكومة بلاده قررت إغلاق سفارتها وقنصلياتها بمصر واستدعاء سفيرها للتشاور، نتيجة ما أسماه: «المظاهرات والاحتجاجات غير المسوّغة التي حدثت أمام بعثات المملكة في جمهورية مصر العربية».

       وقالت وكاله الأنباء السعودية (واس)، نقلاً عن المسؤول: «جاءت نلك الخطوة نتيجة محاولات اقتحامها وتهديد أمن وسلامة العاملين بها من الجنسيتين السعودية والمصرية، بما في ذلك رفع الشعارات المعادية وانتهاك حرمة وسيادة البعثات الدبلوماسية وبشكل مناف لكل الأعراف والقوانين الدولية». وأضافت الوكالة: «حاولت المظاهرات تعطيل عمل السفارة والقنصلية عن القيام بواجباتها الدبلوماسية والقنصلية ومن بينها تسهيل سفر العمالة المصرية والمعتمرين والزائرين إلى المملكة؛ لذا قررت حكومة المملكة العربية السعودية استدعاء سفيرها للتشاور وإغلاق سفارتها في القاهرة وقنصلياتها في كل من الإسكندرية والسويس».

       والسؤال الذي يطرح نفسه هل ينذر ذلك الإجراء بتوتر العلاقة بين البلدين، ومن المتسبب في ذلك؟  ومن المستفيد من ذلك في هذا الوقت الحرج والعصيب الذي تمر به الأمة ؟

       من هنا ومن منبر مجلة الفرقان نناشد كلا البلدين الكبيرين تغليب جانب العقل وعدم إعطاء فرصة لأعداء الأمة أن يستفيدوا من هذه الأزمة، فالمتربصون بالأمة كثر والله المستعان، وقى الله بلاد الامسلمين شرور الفتن ما ظهر منها وما بطن وجمع المسلمين على كلمة سواء.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك