إشكالية الغلو في الجِهاد المعاصِر (3)
من الشُّبهات التي تُثار في أوساط الشَّباب قولُ بعضهم: إنَّ قادة الكتائب الجهاديَّة تحُلُّ محلَّ الإمام في استنفار المسلمين للجهاد
إنَّ مِن أصول أهل السُّنَّة والجماعة اعتقادَهم بفرضيَّة الجهاد وبقائِه إلى قيام السَّاعة؛ طلبًا ودفعًا، وهو من أفضلِ القُرُبات، ومن أعظم الطَّاعات، والآياتُ والأحاديث في فضلِ الجهاد والمجاهدين بالمال والنَّفس، والتحذيرِ من تركه، والإعراضِ عنه، أكثرُ من أن تُحصر، وأشهر من أن تُذكر، لكن مِن المؤسف أنَّ بعضَ من اشتغل بالجهاد صار عنده غُلوٌّ وتجاوز، فكمْ نصَح لهم الناصحون، وتكلَّم المشفِقون، وحذَّر المحذِّرون، لكن ما من مستجيب! وما زال بعضهم يتَّهمون مخالفيهم، بل ناصحيهم، بالجهل والتضليل تارةً، وبالعمالة تارةً أخرى، في سلسلةٍ طويلةٍ من الاتهامات تنبئ عن عدم قَبول النُّصح، الأمر الذي جعَل بعض المناصرين لشعيرة الجهاد يُحجمون عن الردِّ، فتفاقمَ الأمرُ حتى بات السُّكوتُ عن ذلك خيانةً للأمانة التي حمَّلها الله أهلَ العلم؛ {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} (آل عمران: 187).
ونستكمل في هذا العدد إشارات ووقفات لبعض الشُّبهات والأطروحات على السَّاحة الجهاديَّة؛ موجَّهة بالدَّرجة الأولى إلى الشَّباب المتحمِّس للجهاد؛ لعلَّ الله أن ينفع بها، وليس الهدفُ منها ذِكرَ مثالب الجهاد والمجاهدين، فباطن الأرضِ خيرٌ من ظاهرها لمَن سوَّلت له نفْسُه ذلك، ولكنَّه النُّصح المحض لهم وللأمَّة، والله على ما أقولُ شهيد.
الوقفة السادسة: الخطأ في معنى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}
كثيرًا ما يُردِّدون قولَ الحقِّ سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (العنكبوت: 69)، مستشهدين به على أنَّ الله قد تكفَّل بهداية المجاهدين للحقِّ والصَّواب؛ وعليه: فالحقُّ ما قالوه، والباطل ما رَفضوه، وإنْ خالفوا بذلك كِبارَ أهل العلم.
وهذا الفَهم للآية غيرُ صحيح؛ فالآية ذات شِقَّين: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا}، {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}؛ فما معنى الجهاد في الله، وما معنى الهداية إلى سُبلِه؟
والكلام عن الشِّق الأوَّل منها بما يأتي:
- أولًا: ليعلم أنَّ هذه الآية مكيَّة، نزلت قبل فرْض الجهاد.
- وثانيًا: الجهاد المقصود هنا هو مجاهدةُ النَّفس، وهو أعمُّ من القِتال، والقتال بلا شكٍّ داخلٌ فيه دخولًا أوليًّا؛ قال البغويُّ في تفسيره: «الذين جاهدوا المشركِين لنُصرة دِيننا».
وقال ابن القيِّم في (الفوائد) (ص: 59): «قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا} علَّق -سبحانه- الهدايةَ بالجهاد، فأكْملُ الناس هدايةً أعظمُهم جهادًا، وأفرضُ الجهاد جهادُ النَّفْس، وجهادُ الهوى، وجهادُ الشَّيطان، وجهادُ الدُّنيا؛ فمَن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سُبُل رِضاه الموصلة إلى جنَّته، ومَن ترَك الجهاد، فاتَه من الهُدى بحسَب ما عطَّل من الجهاد، قال الجُنيد: والذين جاهدوا أهواءَهم فينا بالتوبة، لنهدينهم سُبُلَ الإخلاص. ولا يتمكَّن من جهاد عدوِّه في الظاهر إلَّا مَن جاهَد هذه الأعداءَ باطنًا، فمَن نُصِر عليها، نُصِر على عدوِّه، ومَن نُصِرت عليه، نُصِر عليه عدوُّه». وقال ابنُ عطيَّة في تفسيره: «هي قبل الجهاد العُرفي، وإنَّما هو جهادٌ عامٌّ في دِين الله وطلبِ مرضاته».
وقال: «قال أبو سُليمان الدارانيُّ: ليس الجهادُ في هذه الآية قتالَ العدوِّ فقط، بل هو نصرُ الدِّين، والردُّ على المبطِلين، وقمْعُ الظالمين، وأعظمُه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر، ومنه مجاهدة النُّفوس في طاعة الله عزَّ وجلَّ».
أمَّا الشِّق الثاني من الآية: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، فلا علاقةَ له بالحقِّ والصَّواب في مسائل الدِّين؛ من حيثُ العلمُ الشرعيُّ، ولم يقُل أحدٌ من المفسِّرين ذلك؛ فقد يكون المجاهدُ جاهلًا بالدِّين، لكن وقَع في قلْبه من حبِّ الله ورسولِه والجهادِ في سبيله ما جعَلَه يُضحِّي بنفْسه من أجْل دِينه، وهذا مُجمَلُ أقوال كبار المفسرِّين للآية:
قال الطبريُّ في تفسيره: «لنوفِّقنهم لإصابة الطَّريق المستقيمة، وذلك إصابةُ دِين الله الذي هو الإسلام، الذي بَعث اللهُ به محمَّدًا صلى الله عليه وسلم ».
وقال البغويُّ في تفسيره: «لنثبتنَّهم على ما قاتلوا عليه» وقال: «قيل: المجاهدةُ هي الصَّبر على الطاعات؛ قال الحسن: أفضلُ الجِهاد مخالفةُ الهوى. وقال الفُضيل بن عِياض: والذين جاهدوا في طلَب العلم، لنهدينَّهم سُبُلَ العمل به. وقال سَهل بن عبد الله: والذين جاهدوا في إقامة السُّنَّة، لنهدينَّهم سُبُلَ الجَنَّة. ورُوي عن ابن عبَّاس: والذين جاهدوا في طاعتِنا، لنهدينَّهم سُبُلَ ثوابنا».
وقال ابن تيميَّة في (جامع الرسائل والمسائل) (6/82): «{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} قال معاذ بن جبل: والبحثُ في العِلم جهاد».
وقال ابن كثير في تفسيره: (لنبصِّرنهم سُبُلنا، أي: طُرُقنا في الدُّنيا والآخرة).
وقال السعديُّ في تفسيره: (أي: الطُّرق الموصلة إلينا).
وقال الشنقيطيُّ في تفسيره: (يَهديهم إلى سُبل الخير والرَّشاد).
فليس في الآية أنَّ أهلَ الجهاد إذا اختلفوا مع غيرِهم من العلماء، فالحقُّ والصواب معهم، وأنَّ الجهاد سببٌ للبصيرة في العِلم، ومعرفة الراجِح من المرجوح. وليس كونُ المرء مجاهدًا بحجَّةٍ على المخالِف لا في باب الجهاد ولا في غيره من مسائل العِلم؛ كما هو مقتضى كلامِ أكابر المفسِّرين؛ فمسائلُ الجهاد بابٌ من أبواب الفقه الشرعيِّ، الذي مردُّه ومرجعه العلماء.
والخلاصة: أنَّ الله وعد المجاهدين بالهداية لسبيلِه، غير أنَّ الهدايةَ لا تستلزم الصوابَ في كلِّ مسألة، ولا العصمةَ من الخطأ؛ وممَّا يلحق بهذه الوقفة:
الوقفةُ السَّابعة: مقولة: «إذا اختلف الناسُ فاسألوا أهل الثَّغر»
كثيرٌ منهم إذا قيل له: إنَّ العلماء اختلفوا في هذه المسألة أو النازلة، أتَوْك بمقولة ينسبونها للإمام أحمد وابن المبارك أنَّهما قالا: «إذا اختلف الناسُ، فانظروا ما عليه أهلُ الثَّغر - أو فاسألوا أهل الثَّغر - فإنَّ الله يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}» (العنكبوت: 69)، وتارةً ينسبونه لسُفيانَ بن عُيينةَ بلفظ: «إذا رأيتَ الناس قد اختلفوا، فعليك بالمجاهدين وأهل الثُّغور».
والردُّ على ذلك من وجوه:
- الأوَّل: أنَّ هذا الأثَر لم يثبُت عن أحدٍ منهم بإسنادٍ صحيح، بل ليس هو من مقولة الإمام أحمد، أو ابن المبارك، وإنَّما نقلَتْه بعضُ كتُب التفسير وغيرها منسوبًا لسفيانَ بن عُيَينةَ بإسنادٍ ضعيف، بل إنَّ الإمام أحمدَ نقَل عنه تلميذُه أبو داود تعجُّبَه من أحكام أصدَرها بعضُ أهل الثغور في زمانه، فقال: قلت لأحمد: السَّبي يموتون في بلادِ الروم، قال: معهم آباؤهم؟ قلت: لا، قال: يُصلَّى عليهم؟ قلت: لم يقسموا ونحن في السريَّة؟ قال: إذا صاروا إلى المسلمين، وليس معهم آباؤُهم، فإنْ ماتوا يُصلَّى عليهم، وهم مسلمون، فقلتُ: وإن كان معهم آباؤهم؟ فقال: لا.
قال: قلت لأحمد: إنَّ أهل الثغر يُجبرونهم على الإسلام، وإنْ كان معهم آباؤهم. قال: لا أدْري.
وقال: سمعتُ أحمد مرَّةً أخرى وسُئل عن هذه المسألة، أو ذكرها، فقال: أهل الثَّغر يَصنعون في ذلك أشياءَ ما أدري ما هي! انظر: (مسائل الإمام أحمد) لأبي داود (ص246)، و(أحكام أهل الذمَّة) لابن القيم (2/931).
- ثانيًا: إنَّنا نقول: إنْ كان الإمامُ سفيان بن عُيينةَ أو غيره يقولون: (فاسألوا أهلَ الثغر)، فإنَّ الله تعالى يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} (النحل: 43).
- ثالثًا: إنْ قال قائل: نعني العلماءَ وأهلَ الحَلِّ والعَقد منهم، فالجواب: إذًا بطل الاستدلال؛ لأنَّ النَّص ورد في أهل الثَّغر، وبعض من يَتلقَّى منهم أهلُ الثغور الآن والشباب المتحمِّس للجهاد ليسوا من أهل الثَّغر، وما عرَفوا ساحاتِ القتال، ولم يُشاركوا فيها، ثم يقال لهم: سلَّمنا أنَّ المراد علماء الجهاد، لكن مَن نتَّبع حالةَ اختلافهم؟ فإنْ عيَّنتم فصيلًا بعينه، قلنا: هذا يعني إبطالَ دَلالة النصِّ؛ لأنَّها في أهل الثغور عامَّة، لا في فصيلٍ بعينه.
ثم إنَّه كم من طالبِ علمٍ مغمورٍ متوسِّط العلم في بلده أصبح عالـمًا وعضوًا في هيئة شرعيَّة، بل قاضيًا في مجلس قضائيٍّ بعد وصوله ساحات الجِهاد! والمشكلة ليستْ هنا، فقد يكون أعلمَهم، وهذا شأنهم، لكن المشكلة هي أنَّ هذه الهيئاتِ تُطلق أحكامًا شرعيَّة يتهيَّب منها كبارُ علماء الأمَّة، ولو حدَثَت في عهد عمر، لجَمَع لها أهلَ بدر؛ فبعضها له عَلاقة بالتَّكفير، ومنها ما يتَّعلق بالدِّماء! فإذا أردتَ أن تنصح، قالوا لك: يقول ابنُ المبارك: «إذا اختَلف الناسُ، فاسألوا أهلَ الثُّغور»!
فهل أمثال هؤلاء من طلَّاب العِلم الذين كانوا في رُتبةٍ نازلة في العِلم والعمل وهم في بلدانهم؛ أصبح لهم من المَلَكة والفِقه ما يُصدِّرهم على الأمَّة بعد أشهر معدودة من التِحاقهم بالجهاد؟! فما الذي زاد عندَهم من العِلم؟! وكيف بلَغوا في أشهر معدودة ما لم يبلغوه قبلُ في السِّنين المتطاولة؟!
فإنْ قال قائل: نحن نعني ما يتعلَّق بالجهاد من حيثُ حاجةُ المجاهدين لسلاح أو رجال؛ فهُم المرجع في ذلك.
قلنا: أمَّا هذا فصحيح؛ فهُم أعرفُ بحالهم، لكن لا يُنصِّبون أنفسهم مُفتِين، ويزعُمون أنَّ الحقَّ والصوابَ معهم؛ لأنَّهم من أهل الثغور.
- رابعًا: لو سلَّمنا جدلًا بصحَّة نِسبة هذا القول لسفيان رحمه الله، فهذا اجتهادُ منه في فَهم معنى الآية، وغيرُه من السَّلف فسَّرها بغير ذلك؛ كما تقدَّم.
- خامسًا: لو سلَّمنا أنَّ تفسيرَه للآية أحدُ أوجه التفسير الصَّحيحة، فيقال: الأصل عند التنازُع هو الردُّ إلى الكتاب والسُّنة، والرُّجوع إلى العلماء الربَّانيين الراسخين في العِلم؛ {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء: 59)، {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} (النساء:83)، أمَّا أثَر سفيان رحمه الله، فهو خاصٌّ لا نعمِّمه، فربَّما في زمانه كان أهلُ الثغور يغلِب فيهم أهلُ العِلم والبصيرة بالكتاب والسُّنة، ولا يلزم أن يكون هذا في كلِّ عصر، وهذا شبيهٌ بإرجاع الإمامِ مالك بن أنس الناسَ إلى عمَل أهل المدينة، وقوله لليث بن سعد: (فإنَّما الناس تبَعٌ لأهل المدينة).
الوقفة الثَّامنة: هل قادةُ الجهاد يَحُلُّون مَحلَّ الإمام في استنفار المسلمين للجهاد؟
من الشُّبهات التي تُثار في أوساط الشَّباب قولُ بعضهم: إنَّ قادة الكتائب الجهاديَّة تحُلُّ محلَّ الإمام في استنفار المسلمين للجهاد.
لكن أيُّ قادة يَعنُون؟ هل هم قادةُ الجهاد في أفغانستان؟ أم الصومال؟ أم سوريا؟ وهل يصحُّ التفريق بينهم؟ ولو أردنا تحديدَ بلد بعينه كسوريا مثلًا، فقادَةُ مَن مِن الكتائب الجهاديَّة هناك التي تحلُّ محلَّ الإمام؟ وهل يلزم إجماعُهم، أم يكفي قولُ بعضهم؟ ومَن قال ذلك من العلماء؟ كلُّ هذه الأسئلة لن تجِدَ لها جوابًا عندهم!
ولو أجمع قادَةُ الجهاد في سوريا عن بَكرة أبيهم على عدَم حاجتهم للرِّجال إلَّا فصيلًا واحدًا، لأوجبه قادتُهم، ولعدُّوا أنفسَهم هم الذين يحلُّون محلَّ الإمام!
لاتوجد تعليقات