رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 13 مايو، 2024 0 تعليق

خطبة المسجد النبوي – حال المسلم بين كمال العبودية وكمال المحبة

  • إنَّ مُراد العبد المؤمن من أعماله تحقيق عبودية خالقه وامتثال أمره وبلوغ رضوانه
  • إن العبد المؤمن يحيا حياته كلها لله فإذا أحبَّ أحب لله وإذا أبغَض أبغَض لله وإذا أعطى أعطى لله وإذا منَع منَع لله فكانت له نية صالحة في كل فعل أو ترك فحينئذ يستكمل الإيمان
  • إن حُسْن الخُلُق مع الخَلْق وأداء حقوقهم والإحسان إليهم من أجَلِّ صور العبادات وأعظم شعب الطاعات
  • إنَّ المحبة حين تنقدح جذوتها في القلب وتشتعل نارها يتطاير إلى الجوارح أُوارُها وتظهر على الْمُحِبِّ آثارُها
 

جاءت خطبة المسجد النبوي بتاريخ: 24 شوال 1445 هـ، الموافق 3 مايو 2024 م، بعنوان (حال المسلم بين كمال العبودية وكمال المحبة) التي ألقاها فضيلة الشيخ: علي عبدالرحمن الحذيفي (إمام وخطيب المسجد النبوي)، وقد ذكر -في بداية خطبته- حِكمةَ اللهِ -سبحانه وتعالى- البالغةَ وتشريعَه البديعَ الذي اقتضى أن يُعقِب شهرَ رمضانَ بأشهُر الحجِّ.

علاقة المسلم بخالقه دائمة

       إن حِكمةَ اللهِ -سبحانه وتعالى- البالغةَ وتشريعَه البديعَ الذي اقتضى أن يُعقِب شهرَ رمضانَ بأشهُر الحجِّ؛ لينتقل المسلم من موسم إيمانيّ إلى مِثلِه، ومن مرتع روحانيّ إلى آخَرَ، يتنقل بين أفياء إيمانيَّة وظلال ربانية، فتبقى جذوة الإيمان في قلبه مشتعلة، ومشاعرها في نفسه ثائرة، فلا يكون اتصالُه بربِّه وعَلاقته بخالقه مرتبطة بمناسبات الزمان والمكان، بل ببقاء جذوة الإيمان في قلبه، على تغاير الأحوال وتقلبات الزمان. إنها الحكمة الربانية في التشريع، والإحكام الإلهي من الخالق البديع، فسبحان مَنْ شرَع فأحكَم ما شرَع، وخلَق فأبدَع ما صَنَعَ، إنَّ ذلك يلفتنا إلى أن حياة المسلم كلها لله، كما قال -جلَّ شأنُه-: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}(الْأَنْعَامِ: 162-163).

مفهوم العبادة والعبودية من السنة النبوية

       وقد كان - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة قال: «وجهتُ وجهي للذي فطَر السماوات والأرضَ حنيفًا وما أنا من المشركين، إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين، لا شريكَ له، وبذلك أُمرتُ وأنا مِنَ المسلمينَ، اللهُمَّ أنتَ الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمتُ نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لَبَّيْكَ وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك». إنه يلفتنا إلى المفهوم الأرحب للعبادة والعبودية لله، وأنها ليست منحصرة في رسوم العبادات، ولا مقتصرة على شعائر الطاعات، ولا محدودة بحدود الزمان والمكان؛ فالمسلم يسير في حدود دائرة العبودية، يرتع في مراتعها ويقيم بين مرابعها، فلا يأنس إلا بها، ولا يأوي إلا إليها، ولا يحوم طائره إلا عليها.

مراد المؤمن من أعماله تحقيق عبودية خالقه

        إن العبد المؤمن يحيا حياته كلها لله، فإذا أحبَّ أحب لله، وإذا أبغَض أبغَض لله، وإذا أعطى أعطى لله، وإذا منَع منَع لله، فكانت له نية صالحة في كل فعل أو ترك، فحينئذ يستكمل الإيمان، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ ‌أَحَبَّ ‌لِلَّهِ، ‌وَأَبْغَضَ ‌لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ». إن مراد العبد المؤمن من أعماله تحقيق عبودية خالقه، وامتثال أمره، وبلوغ رضوانه وتحقيق رضوانه، إنها منزلة من الإيمان عَلِيَّة، ودرجة من العبودية سَنِيَّة؛ حين يكون الله -تعالى- هو قُرَّة عين العبد، وسُلوان قلبه، ثم يكون هو مطمح نظره، ومنتهى آماله، ومقصود أعماله؛ وذلك حين تعظم في القلب محبته، وتستحكم عروتها.

جَرَى حُبُّهُ مَجْرَى دَمِي في مَفَاصِلِي

                                                فَأصْبَحَ لي عَنْ كُلِّ شُغْلٍ بِهِ شُغْلُ

ظهور علامات المحبة على الجوارح

        ولا غروَ فإنَّ المحبة حين تنقدح جذوتها في القلب وتشتعل نارها، يتطاير إلى الجوارح أُوارُها، وتظهر على الْمُحِبِّ آثارُها، وإنكَ لَتجِدُ في أخبار مَنْ غلب عليه الهوى، وأسرف في سبيله من ذلك ما لا ينقضي منه العجب؛ ذلك وهو حب هوى من مخلوق لمخلوق، فكيف يكون حب العبودية الصادق من المخلوق للخالق، فالله -تعالى- يقول عن أهل الإيمان: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}(الْبَقَرَةِ: 165)، إنه -سبحانه- أحقُّ من خفقت القلوب بمحبته، وأَوْلَى مَنْ تحرَّكَتِ الجوارحُ في طاعته، وكفى بمحبة الله حاديًا لنفس المؤمن إلى مرضاة محبوبه -تعالى-؛ كأن لديها سائقًا يستحثها كفى سائقًا بالشوق بين الأضالع.

حسن الخلق

       وحين نتأمل دعاءه - صلى الله عليه وسلم - المذكور آنِفًا في استفتاح الصلاة: «‌اللَّهُمَّ ‌أَنْتَ ‌الْمَلِكُ ‌لَا ‌إِلَهَ ‌إِلَّا ‌أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ»، نجد أنَّه أعقَب تلك المناجاةَ والثناءَ على الله والدعاء بالمغفرة الدعاء بالهداية لأحسن الأخلاق؛ وفيه إشارة إلى ما تقدَّم، من أن عبودية الله يتَّسع مداها ويمتدّ إلى ما يتجاوز رسومَ العبادات وشعائرَ الطاعات؛ حتى يشمل عَلاقة العبد بالخَلْق؛ فإن حُسْن الخُلُق مع الخَلْق، وأداء حقوقهم والإحسان إليهم من أجَلِّ صور العبادات وأعظم شعب الطاعات.

التقوى أعظم الزاد

       إنَّ اللهَ -سبحانه وتعالى- حين ندَبَنا إلى التزوُّد لمنسكِ الحجِّ في مَعرض بيان زمانه وأشهره التي تَعقُب شهرَ الصيام لَفَتَنا إلى أعظمِ زادٍ، فقال -جلَّ شأنُه في مُحكَم الكتابِ-: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}(الْبَقَرَةِ: 197)، وحين شرع الصيام قبل ذلك قال -سبحانه-: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(الْبَقَرَةِ: 183)، إشارة إلى أن التقوى مبتدأ المسير وخاتمته، ومطية المؤمن وراحلته، زودني الله وإيَّاكم التقوى ووفقنا لما يحب ويرضى.

الحرم الزماني للمناسك

        ثم بين فضيلته أن مِنَ الحِكَم التي تلوح للمتأمِّل مِنْ تشريعِ أشهُرِ الحجِّ ما يُوقِع ذلك في النفوس من تعظيم شعائره وتهيُّب مناسكِه، فكما جعَل الشارعُ -سبحانه- للمناسك حَرَمًا مكانيًّا، جعَل لها حَرَمًا زمانيًّا، تعظيمًا لشعيرة الحج في القلوب، وترسيخًا لحرمتها في النفوس؛ ولذلك كانت بعض أشهر الحج من الأشهر الحرم؛ وذلك شهر ذي القعدة كله، وشهر ذي الحجة كله، أو عشر منه أو ثلاثة عشر على اختلاف أهل العلم، فهي من أشهُر الحَج ومن الأشهُر الحُرُم معًا، وما ذلك إلا لمزيد تعظيم هذه الشعيرة الجليلة، وزرع هيبتها في القلوب، فلا تتجاسَرْ على إحداث ما يمسّ حرمتَها أو ينال من قدسيتها.

نصيحة

       ثم قدم فضيلة الشيخ نصيحة عظيمة حين قال: إنَّكم في أيام عظيمة، وموسم جليل من مواسم الطاعات تَنهلُون من مَعِين فُراته، وفي بلد مبارَك تتفيؤون ظلالَه وتنعمون بخيراته، فأجِملوا في حمد الله وشكره، وتعظيم شعائره واتِّباع أمرِه، وعظِّمُوا لهذه الأيامِ حُرمتَها، واعرفوا لهذه البلاد المبارَكة قدسيتها. عبادَ اللهِ: استديموا فضل ربكم بشكره، واحفظوا نعمتَه باتباع أمره، والهَجُوا بدعائه وذِكْره.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك