الأوقاف المقدسية حول العالم .. آفاق تنمية الأوقاف المقدسية ودورها في دعم مدينة القدس
- تعدّ الأوقاف المقدسية مؤسسة وقفية متكاملة في المجتمعات الإسلامية وهذا يعطيها حركة أفضل في المجتمع
- إذا تم التعامل مع الأوقاف بطريقة الاستثمار السليم يمكن أن تشكل استدامة مالية في دعم المصرف المقدسي
- أقام صلاح الدين مدارس وقفية ومستشفيات وقفية وغيرها لغرض استدامة التنمية داخل مدينة القدس التي استمرت لقرون عدة
ذكرنا في الحلقة الماضية أنَّ الأوقاف المقدسية قد تنامت في العالم، إلا أنَّ هذا التنامي كان يصاحبه -أحيانًا- معوقات وصعوبات تحد من قدرة الأوقاف المقدسية على مضاعفة الريع المخصص لمدينة القدس أو المسجد الأقصى، وقد تكون تلك المعوقات أو الصعوبات ذكرنا أنها قد تكون ذاتية من داخل الوقف نفسه، أو خارجية تؤثر سلبًا على تطور هذه الأوقاف، وعلى الرغم من المعوقات والصعوبات التي تم التعرض لها، إلا إننا نجد أن هناك آفاقا وطموحات يمكن أن يتم الاعتناء بها والبناء عليها، ونذكر في هذا المقال تلك الآفاق والطموحات.
(1) التحبيس لصالح المسجد الأقصى
وذلك من خلال الاستفادة من الاهتمام المتزايد لدى المسلمين تجاه بيت المقدس ومدينة القدس؛ بسبب الانتماء الديني تجاه المقدسات عمومًا، والمسجد الأقصى خصوصًا، ولا سيما في ظل الثورة والحركة الوقفية المتصاعدة في العالم الإسلامي خلال العقدين الماضيين؛ ما شجع القائمين على المشاريع الخيرية أن يخصّصوا أصولاً وقفية في الدول والمجتمعات الإسلامية، بحيث تسهم في دعم المدينة المقدسة باستمرار. وإن كانت الحكومة الأردنية تملك الوصاية على المسجد الأقصى، وتهتم بشؤون رعايته ماليا، وتصرف ما يفوق (15) مليون دولار سنويا للصرف عليه وعلى موظفي الأوقاف الذين يقارب عددهم (800) موظف، يعملون في مدينة القدس، إلا إننا نرى أنه يجب على باقي المسلمين المساهمة في احتياجات المسجد الأقصى، وتقديم وقفيات تدعم تطور واقع المسجد دائما.(2) الوقف أفضل نظام للتنمية المستدامة
تعزيز جانب التنمية المستدامة من خلال مشاريع الأوقاف في ظل العوز المالي الذي تعانيه المؤسسات الداعمة لمدينة القدس؛ إذ تبين لنا بالقطع أن الوقف ما هو إلا نظام استدامة مالية بالتحقيق، وأن الأوقاف إذا تم التعامل معها بطريقة الاستثمار السليم يمكن أن تشكل استدامة مالية في دعم المصرف المقدسي، وهذا ما فعله -بالدقة- الفاتح صلاح الدين الأيوبي؛ إذ اعتمد على إنشاء أصول وقفية مؤسسية، تغطي الاحتياجات الرئيسية للسكان، -ولا سيما بعد انتهاء الحرب-؛ حيث أقام مدارس وقفية، ومستشفيات وقفية، وربط وقفية، وغيرها لغرض استدامة التنمية داخل المدينة، التي استمرت لقرون عدة.(3) الاستفادة من وفرة العقارات الوقفية
بحيث تشكل مواقع يمكن من خلالها إطلاق مشاريع وقفية استثمارية تنموية، يمكن أن تدعم صمود أهل القدس، ويمكن أن يتم عمل شراكة ما بين الأوقاف الحكومية والمؤسسات الخيرية أو الوقفية الخاصة أو رجال الأعمال؛ لغرض استغلال هذه العقارات الوقفية لصالح مشاريع وقفية تدر ريعاً على مدينة القدس، ومثال على ذلك، ولاية (سلانغور) في ماليزيا؛ حيث تشكل العقارات الوقفية غير المستغلة ما قيمته 95% من إجمالي العقارات الوقفية في الولاية؛ ما يجعل إمكانية تشجيع المتبرعين أو المستثمرين على الاستفادة من هذه العقارات بالشراكة مع ولاية (سلانغور).إصدار صكوك وقفية استثمارية
إن العمل على استقطاب أوقاف عقارية من دول العالم الإسلامي، يمكن أن يكون ممهدًا لإنشاء صكوك وقفية استثمارية وتصديرها لصالح المسجد الأقصى، وذلك من خلال اعتبار هذه العقارات الوقفية ذات قيمة سوقية معتبرة، وهذا لا يتم إلا من خلال مؤسسة مالية ذات مصداقية في العالم الإسلامي، ويمكن أن يكون هذا النموذج مناسبًا لعمل البنك الإسلامي للتنمية بجدة في إصدار صكوك وقفية لصالح المسجد الأقصى أو مدينة القدس، ولا سيما أنها تدير صندوق الأقصى المخصص لهذا الغرض. وكي يتم إصدار الصكوك الاستثمارية لصالح المشاريع الوقفية في الدول التي فيها أوقاف مقدسية، كما يجب تحديد المشروع الاستثماري ومصرفه المحدد في دولة ما، ومن ثم إصدار صكوك استثمارية من داخل هذه الدولة أو خارجها، بناء على ضمان الأصول العقارية للأوقاف المقدسية القائمة في الدول التي تقدر بصورة أولية بــ 184 مليون دولار أمريكي، ومن ثم يتم تجزئة التمويل لهذا المشروع- من خلال:- العقار الوقفي القائم: فهذا يمثل أصلا ماليًا قائمًا وله قيمة سوقية يمكن اعتبارها في هذا المشروع.
- القرض من أي مصرف إسلامي: علمًا أن بعض الأوقاف المقدسية مسجلة ومدرجة في حسابات بعض البنوك الربوية، وهذا لا يصح شرعًا؛ لأن الوقف بمجمله عبادة شرعية.
- المستثمرون الراغبون في الدخول في مشاريع وقفية استثمارية ثم ينسحبون برأس المال مع أرباح صافية لهم.
- المتبرعون بأموالهم النقدية، (الوقف النقدي): وهذا النوع يسمح لمجموع المسلمين بالمشاركة في أي مشروع وقفي، ضمن ما أبيح في مجمع الفقه الإسلامي بــ» الوقف الجماعي»، وهو ما يعبر عنه في العمل الوقفي المؤسسي بـ «الأسهم الوقفية».
- رصد الاهتمام المؤسسي بالأوقاف المقدسية: المشاركة الفعالة لدى الجهات الواقفة في مؤتمرات وندوات تختص بالأوقاف المقدسية؛ حيث أقيمت العديد من الملتقيات الدولية المتخصصة عن الأوقاف المقدسية، وتم من خلاله رصد العديد من هذه الأوقاف، والتوجه الواضح لدى المسلمين في التحبيس تجاه مدينة القدس في دولهم ومجتمعاتهم، وما تواجهه هذه الأوقاف من معوقات من خلال ورش العمل، وقد تبين لنا أن هناك اهتمامًا مؤسسيًا من الدول الإسلامية وأماكن وجود الأقليات المسلمة في دول العالم نحو تحبيس أصول لصالح المدينة المقدسة، ولكن تحتاج هذه الجهود إلى توجيه مؤسسي دولي.
(4) ديناميكية الوقف المقدسي من خلال عمله المؤسسي
ولا شك أن الأوقاف المقدسية تتحرك بطريقة أفقية ورأسية في آن واحد، فهي تعزز واقع الوقف وتنميه، وتمارس أيضًا عمليات جمع التبرعات النقدية أو الوقف النقدي من خلال مشاريع خيرية متجددة، وبذلك تكون الأوقاف المقدسية عبارة عن مؤسسة وقفية متكاملة في المجتمعات الإسلامية، وهذا يعطيها ديناميكية أكثر وحركة أفضل في المجتمع، وهذه الديناميكية تعني أيضاً أهمية ابتكار أدوات وأساليب جديدة في تمويل مشاريع الأوقاف، واستقطاب التبرعات والصدقات على شكل (وقف نقدي)؛ كي يتم تمويل الأوقاف ذاتياً، ومن خلال عولمة المصرف الوقفي المخصص للقدس، والاستفادة من التطور التكنولوجي المتقدم، كالتبرعات عبر شبكة المعلومات، وبطاقة الفيزا، وغيرها من الأساليب الحديثة.
لاتوجد تعليقات