رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: مركز سلف للبحوث والدراسات 17 يناير، 2024 0 تعليق

أخلاق الإسلام في الحرب (٢) الوفاء بالعهود والمواثيق

 

  •  شدّد الإسلام في الوفاء بالعهود وأغلظ الوعيد في نقضها وهذا شامل للعهود والمواثيق مع المسلمين وغير المسلمين
  • محبة هداية الخلق مع بقاء ملكهم على ما في أيديهم مقدّم على قتالهم وغنيمة أموالهم أو الانتقام منهم على ما سلف منهم قبل إسلامهم
 

من أعظم ما تتميز به شريعة الإسلام أنها شريعة أخلاقية، تلتزم بالأخلاق والقيم، وتسعى لتحقيقها وتكميلها في كل ظروفها وأحوالها، ولا سيما في أوقات الحروب التي تختبر فيها حقيقة هذه المبادئ، وتزول الأقنعة المزيفة التي تتجمل بها الأمم جميعها في أوقات الرخاء والسلم، وهذه من أهم جوانب التفوق الحضاري للإسلام على ما سواه من الشرائع والنظم الدينية والوضعية؛ فالأديان السماوية التي عبثت بها أيدي البشر، تأمر في نصوصها صراحة بقتل الأبرياء ومن لا ذنب لهم والإفساد في الأرض.

        وقد تكلمنا في الحلقة الماضية عن عظمة مبادئ الإسلام وأحكامه، وذكرنا من ذلك الأمر بالعدل مع الخلق جميعهم، وأهداف الحرب في الإسلام، وذكرنا أنها أهداف أخلاقية، واليوم نكمل الحديث عن هذه العظمة وهي التزام العهود والمواثيق، ووجوب الدعوة قبل القتال.

ثالثًا: التزام العهود والمواثيق

       شدّد الإسلام في الوفاء بالعهود، وأغلظ الوعيد في نقضها، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (المائدة: 1)، وهذا شامل للعهود والمواثيق مع غير المسلمين، وقال -تعالى-: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (النحل: 91، 92). قال ابن كثير -رحمه الله-: «هذا مما يأمر الله -تعالى- به، وهو الوفاء بالعهود والمواثيق والمحافظة على الأيمان المؤكدة»، قال ابن عباس: {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} أي: أكثر، وقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز، فَنُهوا عن ذلك، فانظر كيف أمرهم بالحفاظ على العهد، وإن كان مخالفًا للمصلحة في ظنهم.

أهمية الوفاء بالعهود

         ومن أعظم ما يبين أهمية الوفاء بالعهود قوله -تعالى-: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ} (الأنفال: 72)، قال القرطبي -رحمه الله-: «يريد: إن دعوا هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم، فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم، إلا أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق، فلا تنصروهم عليهم، ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدته».  

تطبيق الوفاء في صلح الحديبية

        وهذا الأمر قد طبقه النبي -صلى الله عليه وسلم - في صلح الحديبية، وكان من بنودها ما طلبه سهيل بن عمرو: علَى أنَّه لا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وإنْ كانَ علَى دِينِكَ إلَّا رَدَدْتَهُ إلَيْنَا، قالَ المُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! كيفَ يُرَدُّ إلى المُشْرِكِينَ وقدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟! فَبيْنَما هُمْ كَذلكَ إذْ دَخَلَ أبو جَنْدَلِ بنُ سُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ في قُيُودِهِ، وقدْ خَرَجَ مِن أسْفَلِ مَكَّةَ حتَّى رَمَى بنَفْسِهِ بيْنَ أظْهُرِ المُسْلِمِينَ، فَقالَ سُهَيْلٌ: هذا -يا مُحَمَّدُ- أوَّلُ ما أُقَاضِيكَ عليه أنْ تَرُدَّهُ إلَيَّ، فَقالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَ بَعْدُ»، قالَ: فَوَاللَّهِ إذًا لَمْ أُصَالِحْكَ علَى شَيءٍ أبَدًا، قالَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم -: «فأَجِزْهُ لِي»، قالَ: ما أنَا بمُجِيزِهِ لَكَ، قالَ: «بَلَى فَافْعَلْ»، قالَ: ما أنَا بفَاعِلٍ، قالَ مِكْرَزٌ: بَلْ قدْ أجَزْنَاهُ لَكَ، قالَ أبو جَنْدَلٍ: أيْ مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إلى المُشْرِكِينَ وقدْ جِئْتُ مُسْلِمًا! ألَا تَرَوْنَ ما قدْ لَقِيتُ؟! وكانَ قدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا في اللَّه. وفي رواية أبي داود: فَردَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أبا جَندَلٍ بنِ سُهَيلٍ يَومَئذٍ إلى أبيهِ سُهَيلٍ بنِ عَمرٍو، ولَم يَأتِ رَسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أحَدٌ مِن الرِّجالِ، إلَّا ردَّهُ في تِلكَ المدَّةِ، فالتزم النبي -صلى الله عليه وسلم - بالعهد المبرم، الذي كان يحقق مصلحة المسلمين في الجملة وفي المآل، وإن حصل بسببه بعض الضرر لبعضهم في الحال. وقال -تعالى-: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} (الأنفال: 58)، قال ابن كثير -رحمه الله-: «يقول -تعالى- لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ} قد عاهدتهم ‌{خِيَانَة} أي: نقضا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود، {فَانبِذْ إِلَيْهِم} أي: عهدهم { عَلَى سَوَاءٍ} أي: أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم، حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم، وهم حرب لك، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء، أي: تستوي أنت وهم في ذلك... {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} أي: حتى ولو في حق الكفار لا يحبها أيضا».

الوفاء في حروب المسلمين وجهادهم

        وهذه الأمور طبقها المسلمون في حروبهم وجهادهم، فعَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كَانَ مُعَاوِيَةُ يَسِيرُ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ أَمَدٌ، فَأَرَادَ أَنْ يَدْنُوَ مِنْهُمْ، فَإِذَا انْقَضَى الْأَمَدُ غَزَاهُمْ، فَإِذَا شَيْخٌ عَلَى دَابَّةٍ يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحِلَّنَّ عُقْدَةً وَلَا يَشُدَّهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ أَمَدُهَا، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ»، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَرَجَعَ، وَإِذَا الشَّيْخُ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ، قال الشوكاني -رحمه الله-: «وفي الحديث دليل على أنه لا يجوز المسير إلى العدو في آخر مدة الصلح بغتة، بل الواجب الانتظار حتى تنقضي المدة أو النبذ إليهم على سواء». قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «ومعلوم أنه إنما نهى عن ذلك لئلا يكون فيه خديعة بالمعاهدين، إن لم يكن في ذلك مخالفة لما اقتضاه لفظ العهد، فعلم أن مخالفة ما يدل عليه العقد لفظًا أو عرفًا خديعةٌ، وأنه حرام».

تأكيد السنة على الوفاء

         وأكدت السنة على هذا الأصل المهم: فعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رضي الله عنهما-، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَح رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: «‌مَنْ ‌قَتَلَ ‌مُعَاهَدًا لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ فَلَا يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ عَامًا. والمعاهد هنا يشمل أنواع المعاهدين كلهم، وهم:
  • أصحاب العهد المؤبد: وهم أهل الذمة الذين يدفعون الجزية للمسلمين.
  • أصحاب العهد المؤقت: الذين لهم عهد مؤقت بمدة، كما في صلح الحديبية.
  • أصحاب العهد المطلق: الذين صالحناهم دون تحديد مدة معينة، كما عاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر دون تحديد مدة، وكما عاهد النبي -صلى الله عليه وسلم - يهود المدينة في أول الهجرة دون تحديد مدة، وهذا ليس منسوخًا بمعنى أنه زال العمل به بالكلية، بل يعمل به عند الحاجة إليه، وبسط ذلك وبيان أحكام العهود بالتفصيل يخرج بنا عن المقصود.

رابعا: وجوب الدعوة قبل القتال

        فلا يجوز القتال قبل الدعوة للإسلام، وتخييرهم بين الإسلام أو الجزية، فلما أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب الراية يوم خيبر قال له علي: نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: «عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ‌ثُمَّ ‌ادْعُهُمْ ‌إِلَى ‌الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَوَاللهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ»، فحثه على دعوتهم، وألا يستعجل الفتح والغنائم، وأن هداية واحد منهم فقط خير من كل الغنائم. وفي حديث بريدة مرفوعا: «وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ‌ثُمَّ ‌ادْعُهُمْ ‌إِلَى ‌الْإِسْلَامِ»، وهذا يبين أهمية الجانب الأخلاقي، وأن محبة هداية الخلق مع بقاء ملكهم على ما في أيديهم، وهدم الإسلام لما قبله، مقدّم على قتالهم وغنيمة أموالهم، أو الانتقام منهم على ما سلف منهم قبل إسلامهم. وهذه الدعوة قبل القتال تكون واجبة إذا لم تبلغهم الدعوة، وأما إذا بلغتهم من قبل فيستحب تجديدها، كما في حديث علي يوم خيبر، ولكن لا يجب ذلك، لأن النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ‌أَغَارَ ‌عَلَى ‌بَنِي ‌الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ، أي: وهم غافلون، قال النووي -رحمه الله-: «وفي هذا الحديث: جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم الدعوة من غير إنذار بالإغارة». في هذه المسألة ثلاثة مذاهب، حكاها المازري والقاضي:
  • أحدها: يجب الإنذار مطلقا، قاله مالك وغيره وهذا ضعيف.
  • والثاني: لا يجب مطلقا، وهذا أضعف منه أو باطل.
  • والثالث: يجب إن لم تبلغهم الدعوة ولا يجب إن بلغتهم لكن يستحب، وهذا هو الصحيح، وهو قول أكثر أهل العلم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه.

من عجيب القصص

        ومن عجيب القصص في ذلك ما أورده الطبري في تاريخه: أن أهل سمرقند قد شكوا إلى عمر بن عبد العزيز ظلما أصابهم وتحاملا من قتيبة بن مسلم، فأمر عمر نائبه بتعيين قاض ينظر في أمرهم وقال له: «إذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي، فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرجهم إلى معسكرهم (يعني المسلمين الغزاة) كما كانوا وكنتم، قبل أن يظهر عليهم قتيبة». فقضى القاضي بأن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء، فيكون صلحا جديدا أو ظفرا عنوة، فقال أهل سمرقند: بل نرضى بما كان، ولا نجدد حربا، وتراضوا بذلك.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك