رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 10 أبريل، 2012 0 تعليق

شرح كتاب فضائل القرآن من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري (8) باب: في الماهر بالقرآن والذي يشتد عليه

 

 الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا.  والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا.  والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

2106. عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  : «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ».

 الشرح:

        الباب الحادي عشر من مختصر مسلم للمنذري: باب الماهر بالقرآن والذي يشتد عليه، وأورد فيه الإمام المنذري حديث عائشة رضي الله عنها، وقد أخرجه مسلم في صلاة المسافرين ( 798 ) وبوب عليه النووي: باب فضل الماهر بالقرآن والذي يتتعتع فيه.

-  قولها: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» الماهر هو الحاذق بقراءة القرآن، والكامل الحفظ الذي لا يتوقف عند القراءة، ولا تشق عليه القراءة لجودة حفظه، وإتقانه لكتاب ربه، فهو ماهر في القراءة والتلاوة والأداء وحسن الصوت، ماهر في الحفظ، فهذا هو الماهر بالقرآن، والمهارة لا تكون إلا من دربة وتمرين ومداومة قراءة وإتقان حفظ، فالمهارة لا تأتي إلا بعد بذل الجهد والمداومة والتعاهد، فهذا الماهر يكون مع السفرة الكرام البررة.

- أما معنى قوله: «مع السفرة»، فقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون معنى كونه مع الملائكة: أن له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقا للملائكة السفرة؛ لاتصافه بصفتهم، من حمل كتاب الله تعالى.

قال: ويحتمل أن يراد أنه عاملٌ بعملهم، وسالك مسلكهم. انتهى.

- أي: لكونه حمل كتاب الله عز وجل في الدنيا، فهو يوم القيامة يكون مع الملائكة الذين كان الله سبحانه وتعالى يرسلهم سفراء بينه وبين خلقه، أو لأنه يعمل كعمل الملائكة، ويسلك طريقا كطريقهم، من كونه يحمل كتاب الله سبحانه وتعالى ويقرؤه ويعلمه، فهو كالملائكة السفرة، والسفرة جمع سافر، ككتبة وكاتب، والسافر هو الرسول، والسفرة الرسل، وسمي سافراً لأنه يسفر برسالة الله إلى الناس، يعني يظهر رسالة الله إلى الناس، فأسفر فلان عن كذا: أي أظهر وبيّن، فالرسل من البشر والملائكة سفرة، وأيضا السفرة من السفارة وهي السعي بين القوم، كما قال الله سبحانه {بأيدي سفرة كرام بررة} (عبس: 15-16).

       فهذا ما وصف الله تبارك وتعالى به ملائكته السفراء الكرام، أنهم كرامٌ بررة، وكرام جمع كريم، أي هم كرام على ربهم، وبررة جمع بر، أي أتقياء مطيعون لله، صادقون في إيمانهم.

- قوله: «والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق له أجران» وأما الذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، والتعتعة فيه لأن القراءة عليه شاقة وصعبة، إما لكونه في بداية التعلم والحفظ، أو لاختلاف لغته عن اللغة العربية لكونه أعجميا مثلاً، ولمّا كانت القراءة عليه شاقة، فله أجران: أجر بالقراءة، وأجر التعتعة في التلاوة والمشقة في القراءة، أو التعتعة بسبب بثقل اللسان خلقة وطبيعة.

- وقيل: الذي يتتعتع هو الذي يتردد في التلاوة لضعف حفظه وإتقانه؟! لكن - والله تعالى أعلم - الأول هو الأصح والأقوى؛ لأنّ الإنسان إذا قصّر في الحفظ والمراجعة، وحصل له تردد في التلاوة والقراءة، فإن هذا لا يكون له فيه مزية أو فضل؛ لأنه أهمل المراجعة والحفظ.

وكون الذي يتتعتع له أجران، لا يدل على أنه أفضل درجة من الماهر، فقد يكون للماهر أجور أكثر منه، وذلك لمهارته.

- وأيضا: فإن مجرد كثرة الأجر، لا تدل على ارتفاع الدرجة عند الله تعالى، فحال الماهر أفضل وأرفع درجة، بدليل أنه مع الملائكة السفرة، الذين لهم منازل عالية.

      ولم يذكر الرسول  صلى الله عليه وسلم  كم للماهر من الأجر، وإنما قال: «هو مع السفرة الكرام البررة» وهي بشارة عظيمة بلا شك لكل من اعتنى بكتاب الله وحفظه وأتقنه، وأكمل قراءته وأتمه، فإنه يكون مع ملائكة الرحمن السفرة الكرام البررة.

 والله تعالى أعلم.

باب: تنزل السكينة لقراءة القرآن

 2107. عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدُورُ وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم  فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ».

 الشرح:

       الباب الثاني عشر في كتاب فضائل القرآن، قال الإمام المنذري في مختصره: باب تنزل السكينة لقراءة القرآن، وقد أخرجه الإمام مسلم في صلاة المسافرين (795) من صحيحه، وبوب عليه النووي: باب نزول السكينة لقراءة القرآن.

       وأورد فيه حديث البراء، وهو ابن عازب الأنصاري رضي الله عنه، الأوسي، صحابي ابن صحابي، استُصغر يوم بدر، نزل الكوفة، ومات سنة اثنتين وسبعين، روى له الستة.

- يقول البراء: «كان رجل يقرأ سورة الكهف» وفي رواية لمسلم أيضا: «يقرأ سورة البقرة» وفي الرواية الأخرى لمسلم: «أن أُسيد بن حضير بينما هو يقرأ في مِربده – وهو الموضع الذي ييبس فيه التمر – إذْ جَالتْ فرسه – أي وَثَبت – فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضا، قال أسيد: فخشيت أن تطأ يحيى، فقمت إليها فإذا مثل الظُّلة فوق رأسي، فيها أمثال السُّرُج، عَرَجتْ في الجوّ حتى ما أَراها».

- قال: «وعنده فرسٌ مربوط بشطنين» شطنين تثنية شطن والشطن هو الحبل الطويل.

- قال «فتغشته سحابه فجعلت تدور وتدنو» تغشته أي: غطته، والغشاء هو الغطاء، أي: جعلت تعلوه سحابه وتدور هذه السحابة وتدنو منه.

 - وفي رواية لمسلم: «فنظر فإذا ضبابةٌ أو سحابة قد غشيته».

- قال: «وجعل فرسه ينفر منها» لفظة «ينفر» ورد فيها ثلاث روايات، الأولى: ينفر، والثانية: تنفر، والرواية الثالثة: تنقز، بالزاي، وهذا كما قال أهل اللغة لأن الفرس يذكر ويؤنث، أي إن كلمة «الفرس» تطلق على الذكر والأنثى، وإن كانت على الأنثى أشهر.

- ولذلك يجوز أن يقول: فرسه تنفر، أو فرسه ينفر، بالتذكير والتأنيث، أما رواية: تنقز، فتعني: تقفز، أي: إنها خافت واضطربت من السحابة التي تدور فوقها، وفي الرواية الأخرى: «إذْ جَالتْ فرسه» أي: وَثَبت، وهنا أنّث الفرس أيضا.

- قال: «فلما أصبح أتى النبي  صلى الله عليه وسلم  فذكر ذلك له» وهذا يدل على أنه كان يقرأ من الليل؛ لأنه قال: فلما أصبح، والصحابة رضي الله عنه كانوا يقطعون الليل بقراءة القرآن، وبالصلاة، حتى إن النبي  صلى الله عليه وسلم  ورد عنه أنه كان يمر على بيوت أصحابه بالليل ويستمع إلى قراءتهم للقرآن، ويقول: «إني لأعرفُ أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن، حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنتُ لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار» رواه مسلم في فضائل الصحابة (2499).

- فلما ذكر ذلك للنبي  صلى الله عليه وسلم  قال له: «تلك السكينة تنزلت للقرآن» والسكينة هي الطمأنينة والراحة التي يجدها الإنسان في نفسه، وانشراح الصدر، وتنزل السكينة يكون مع الملائكة، التي تتنزل عند الرحمة وعند الطمأنينة وتكون في مجالس الذكر وقراءة القرآن التي هي مجالس يحبها الله سبحانه وتعالى.

- وقال بعض أهل العلم: السكينة شيء من مخلوقات الله عز وجل فيها طمأنينة ورحمة، ومعها الملائكة! لكن هذا القول ليس عليه دليل! والراجح هو الأول: أن السكينة هي الطمأنينة والراحة التي يجدها الإنسان في نفسه، وتكون معها الملائكة عادة، فوجود الملائكة في المكان، يعطي الشعور بالسكينة وبالراحة النفسية، وذلك؛ لأنها مخلوقات نورانية كثيرة الطاعة لرب العالمين، والذكر والصلاة والعبادة، كما قال الله عنها: {وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} (الصافات: 160-166). وقال: {يُسبّحون الليل والنهار لا يفترون} (الأنبياء: 20). وقال عنهم أنهم: {ويستغفرون للذين آمنوا ربّنا وسعتَ كل شيء رحمةً وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدنٍ التي وعدتهم ومنْ صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات} (غافر: 7-9).

وجاء في بعض الأحاديث أنها «تحفّهم» يعني أنها تلاصق أجساد الذاكرين لله تعالى، وتقترب منهم، وتلتصق بهم.

      وفي هذا الحديث دليل على جواز رؤية المؤمنين وغيرهم الملائكة أحيانا، كما في قصة لوط عليه السلام وقومه، أن الملائكة تبدّت لهم في صورة شباب حسان امتحاناً لهم واختبارا، لتقوم الحجة عليهم، ثم أخذهم الله سبحانه أخذ عزيز مقتدر.

      وقد وقعت الرؤية لبعض الصحابة رضي الله عنهم، ولهم قصص كثيرة في هذا الباب، فتارة يرونها كما في هذا الحديث: على شكل سحاب أو غمام، أو على شكل أنوار ومصابيح، كما في الرواية السابقة لمسلم: «فإذا مثلُ الظُّلة فوق رأسي، فيها أمثالُ السُّرُج، عرجتْ في الجو حتى ما أراها، فقال  صلى الله عليه وسلم  : «تلك الملائكةُ كانت تستمعُ لك، ولو قرأتَ لأصبحتْ يراها الناس ما تَستتر منهم».

      وتارة يرونها بصور الرجال، فقد كان جبريل عليه السلام يأتي النبي  صلى الله عليه وسلم  أحيانا في صورة دحية الكلبي رضي الله عنه ، وهو رجل جميل من الصحابة.

- وكما في حديث جبريل عليه السلام المشهور في الإيمان: لما جاء إلى الرسول  صلى الله عليه وسلم  بصورة رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، لا ُيرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد، وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان.

- وأيضا: حديث أنس رضي الله عنه قال: رأيت يوم أحد عن يمين النبي  صلى الله عليه وسلم  وعن شماله رجلين يقاتلان عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد. قال: هما جبرائيل وميكائيل.

رواه البخاري وغيره.

وإن كان الأصل أننا لا نرى الملائكة؛ لاجتنانها عن النظر، لكن قد تتبدى الملائكة أحيانا لبعض الناس لحكمة يريدها الله تعالى.

- وفي هذا الحديث أيضا: فضيلة قراءة القرآن، ومجالس القراءة والاستماع للقرآن، وأنها مواضع لنزول الرحمة والسكينة في المكان وعلى أصحابه وحضور الملائكة، وطريق لتحصيل ذلك.

- وأيضا: فيه أن الفضيلة للقارئ للقرآن والمستمع أيضا، فهذا المجلس الذي يقرأ فيه القرآن، أو يتذاكر فيه القرآن ويسمع تلاوته فيه، له فضلٌ عظيم عند الله، وهو سبب لنزول الرحمة فيه والسكينة وحضور الملائكة، وإن أعرض عنه أهل الدنيا والشهوات وأهل الغفلة.

- وورد في الحديث الصحيح: «إن لله ملائكة سياحين، يطوفون في الطرق، يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا مجلساً من المجالس يذكر فيه الله عز وجل، أو قوما يذكرون الله، تنادوا: هلمُوا إلى حاجاتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء، فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ فيقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك..» متفق عليه.

وهذا يدخل فيه أيضا قراءة القرآن من باب أولى؛ لأنه أفضل الذكر.

ويؤخذ أيضا من الحديث: فضل سورة الكهف، وأنها سورة عظيمة وفيها بركة وسبب لتنزل الملائكة والسكينة.

وفي الرواية الأخرى: «أنها سورة البقرة» وهذا أيضا في فضل سورة البقرة وأن قراءتها سببٌ لتنزل الرحمة والبركة وحضور الملائكة. وهذا الفضل يشمل على الصحيح جميع سور القرآن، فقراءة القرآن سبب لنزول الرحمة وحضور الملائكة وتنزل السكينة.  والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسول محمد.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك