رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر التربوي 3 نوفمبر، 2026 0 تعليق

شباب تحت العشرين 1329

فقه الأولويات:

ماذا تقدم في حياتك؟

من علامات نضج الشاب وحسن فهمه لدينه أن يعرف ما ينبغي أن يقدمه في حياته، وأن يميز بين المهم والأهم، وبين الواجب والمستحب، فلا ينشغل بأعمال أقل أهمية على حساب واجبات أعظم وأولى بالعناية،

       فقد تجد شابًا ينشغل بنقاشات طويلة حول مسائل فرعية، بينما يقصر في أداء الصلاة، أو يسيء إلى والديه، أو يهمل دراسته ومسؤولياته، وربما يحرص على بعض النوافل، لكنه يتساهل في حقوق واجبة عليه، وهذا خلل في ترتيب الأولويات وفهم مراتب الأعمال. والإسلام يربي المسلم على تقديم الأهم فالمهم، والواجب على المستحب، وإعطاء كل ذي حق حقه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه -عزوجل-: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»، لذلك من فقه الأولويات أن تبدأ بتصحيح عقيدتك، والمحافظة على صلاتك، وبر والديك، وتهذيب أخلاقك، وأن تحرص على تعلم ما تحتاج إليه من أحكام دينك، مع الاجتهاد في دراستك، والوفاء بمسؤولياتك، واستثمار وقتك فيما ينفعك. ولا يعني ترتيب الأولويات إهمال الأعمال الصالحة الأخرى، وإنما يعني وضع كل عمل في مرتبته المناسبة، حتى لا يكون انشغالك بخير سببًا في تضييع خير أعظم منه، فتعلم أن تسأل نفسك دائمًا: ما العمل الذي ينبغي أن أقدمه الآن؟ وما الواجب الذي لا يجوز لي تأخيره؟ وتذكر أن النجاح الحقيقي لا يقاس بكثرة ما تفعله من أعمال فحسب، بل بحسن اختيارها وترتيبها وإتقان أدائها؛ فالشاب الواعي ليس من يفعل كل شيء، وإنما من يعرف ما ينبغي أن يبدأ به، وما يستحق أن يمنحه وقته وجهده.  

التوكل على الله لا يعني ترك العمل

       التوكل الصحيح لا يعني ترك العمل وانتظار النتائج، بل يعني الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب وبذل الجهد؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»، فالمسلم يجمع بين الدعاء والعمل، وبين الثقة بالله والاجتهاد في تحقيق أهدافه، ويعلم أن الله أمره بالسعي، وأن النتائج بيده سبحانه، فإذا أردت النجاح فاجتهد في دراستك، ونظم وقتك، وخطط لمستقبلك، ولا تستسلم للصعوبات، وتعلم من أخطائك، واستعن بالله في جميع أمورك، وتذكر أن التوكل الحقيقي ليس أن تنتظر النجاح دون جهد، وإنما أن تبذل ما تستطيع، وتستعين بالله، ثم ترضى بما يقدره لك؛ فلا تجعل التوكل عذرًا للكسل، ولا الإيمان بالقدر مبررًا للتقصير.  

لا تتخذ قراراك وأنت غاضب!

       قد يدفعك الغضب أحيانًا إلى قول كلمات تندم عليها، أو إنهاء صداقة عزيزة، أو اتخاذ قرار متسرع يصعب عليك إصلاح آثاره فيما بعد؛ لأن الإنسان حين يغضب قد يفقد القدرة على التفكير بهدوء وتقدير نتائج تصرفاته، ولهذا حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من الاستسلام للغضب، فعندما طلب منه رجل أن يوصيه، قال له: «لا تغضب»، فردد مرارًا، قال: «لا تغضب»، وليس المطلوب ألا تشعر بالغضب، فهو شعور طبيعي، وإنما المطلوب أن تتحكم في تصرفاتك عند الغضب، وألا تسمح له بأن يقود قراراتك أو يفسد علاقاتك بالآخرين، فإذا شعرت بالغضب، فاستعذ بالله من الشيطان، وتوقف عن الجدال، ولا تتعجل في الرد أو اتخاذ القرارات المهمة، وانتظر حتى تهدأ وتستطيع التفكير بصورة أفضل.

لا تصدق كل ما تسمع!

        من الأخطاء التي يقع فيها بعض الشباب الاعتقاد بأن كل ما يسمعونه أو يقتنعون به صحيح، أو أن انتشار فكرة بين الناس دليل على صحتها، مع أن كثرة المؤيدين لا تعني بالضرورة أن الفكرة صحيحة، وإنما تُعرف صحة الأفكار بالأدلة الواضحة، ولهذا ينبغي للشاب ألا يتسرع في تصديق المعلومات أو إصدار الأحكام، وأن يتأكد مما يسمع ويقرأ، ويستمع إلى آراء الآخرين، ويفكر فيها بعقل وهدوء، دون تعصب لرأيه أو تأثر بمشاعره، وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى أهمية الدليل، فقال -تعالى-: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة: 111)، ومن الأخطاء أيضًا أن تقبل فكرة لمجرد إعجابك بمن قالها، أو ترفض كلامًا صحيحًا لأنك لا تحب صاحبه، أو تصر على رأيك رغم ظهور خطئه، فتعلم أيها الشاب أن تبحث عن الحقيقة، وتتأكد من صحة المعلومات، وألا تتردد في تغيير رأيك إذا تبين لك خطؤه؛ فالرجوع إلى الحق دليل على قوة الشخصية وحسن التفكير، وليس علامة ضعف.  

خمسة أمور تعينك على الابتعاد عن المعاصي

قال الشيخ عبدالرزاق عبدالمحسن البدر: مما يعين العبد على تعظيم المناهي والسلامة منها ذكر ابن القيم -رحمه الله- خمسة أمور تساعد المسلم على تعظيم ما نهى الله عنه، والابتعاد عن المعاصي والوقوع فيها، وهي:
  • الحرص على الابتعاد من مظانها، وأسبابها وكلِّ ما يدعو إليها.
  • مجانبة كلِّ وسيلة تقرب منها كاجتناب الأماكن التي تقع بها الفتنة خشية الافتتان بها .
  • ترك مالا بأس به حذرًا مما به بأس.
  • مجانبة الفضول من المباحات خشية الوقوع في المكروهات.
  • مجانبة من يجاهر بارتكابها ويحسنها ويدعو إليها ويتهاون بها ولا يبالي ما ارتكب منها
وتذكر أن الابتعاد عن المعصية يبدأ بالابتعاد عن أسبابها وطرقها، وأن حماية نفسك من الفتن أسهل من مقاومتها بعد الوقوع فيها.  

القوة الحقيقية

       تذكر أيها الشاب أن القوة الحقيقية ليست في سرعة الرد أو الانتصار في كل خلاف، وإنما في قدرتك على ضبط نفسك، والتصرف بحكمة، وتجنب ما قد تندم عليه؛ فليس كل موقف يستحق الغضب، ولا كل خلاف يحتاج إلى رد فوري.  

تعرف على أسماء الله وصفاته

       ليست العقيدة الصحيحة معلومات تحفظها للاختبار، ولا مصطلحات ترددها دون فهم، وإنما هي معرفة بالله -تعالى-، وأسمائه وصفاته، وحقوقه على عباده، تثمر محبته وتعظيمه وخشيته والتوكل عليه، فحين تعلم أن الله سميع بصير، تستحيي أن يراك على معصية، وحين تؤمن بأنه الرزاق، لا تطلب الرزق بطريق محرم، وحين تستحضر رحمته، لا تيأس من مغفرته، قال -تعالى-: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} (محمد: 19)، فاجعل معرفة الله أصلًا في بناء شخصيتك، لا مجرد موضوع تدرسه ثم تنساه.  

أنت مسؤول وإن كنت صغير السن

         الإسلام يربي المسلم على تحمل المسؤولية منذ الصغر، ويعلمه أن لأفعاله آثارًا، وأن عليه واجبات تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، فابدأ بمسؤولياتك اليومية: حافظ على صلاتك، وأتقن دراستك، واحترم وقتك، وأحسن التعامل مع أسرتك، وشارك فيما ينفع مجتمعك.    

رسالة إلى الشباب

أيها الشاب، لا تجعل رضا الآخرين مقياسًا لاختياراتك، ولا تتبع كل ما ينتشر حولك؛ كن صاحب مبدأ، وفكر بوعي، وتمسك بقيمك، فالشخصية القوية تُبنى على الإيمان والبصيرة، لا التقليد الأعمى.  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك