غدًا سأبدأ
- في نهاية يوم طويل، يضع الإنسان هاتفه جانبًا، وينظر إلى الساعة، لقد مرّ اليوم سريعًا! يتذكر بعض ما فعل، وكثيرًا مما لم يفعل، ثم يقول لنفسه: «غدًا سأبدأ»، وغدًا يأتي، ثم يمضي مثل سابقه، حتى تتوالى الأيام وتتراكم وتصبح سنوات.
- لكن السؤال الذي قلما نطرحه على أنفسنا هو: كم بقي من العمر؟ لا أحد يعرف الإجابة! وهذه الحقيقة وحدها كافية لكي تجعلنا أكثر حرصًا على كل يوم نعيشه؛ لقد أقسم الله -تعالى- بالزمن فقال: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (العصر: 1-2). وكأن كلمات هذه السورة القصيرة تضع أمام الإنسان ميزان حياته: الوقت يمضي، والإنسان في خسارة مستمرة، إلا من استثمر عمره في الإيمان والعمل الصالح، وتواصي مع إخوانه بالحق والصبر؛ قال - تعالى- : {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (العصر: 3).
- ففي هذه السورة، أقسم الله - تعالى- بالعصر، أن كل إنسان خاسر، إلا من اتصف بأربع صفات: الإيمان بالله، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر؛ فبالأمرين الأولين، يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة، يكون الإنسان قد سلم من الخسارة، وفاز بالربح العظيم.
- وفي حديث بليغ يقول - صلى الله عليه وسلم -: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» رواه البخاري. والغبن هنا أن يمتلك الإنسان فرصة، ثم لا يعرف قيمتها إلا بعد زوالها! فكم من شخص كان لديه وقت فلم يستثمره، وصحة فلم يغتنمها، ثم تمنى أن تعود إليه تلك الأيام!
- بل إن الأمر يتجاوز مجرد النصيحة بحسن تنظيم الوقت؛ فالعمر أمانة ومسؤولية؛ يقول - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يومَ القيامةِ، حتَّى يُسأَلَ عن عُمُرِه، فيمَ أفناه؟ وعن عِلْمِه، فيم فعَلَ فيه؟ وعن مالِه، من أين اكتسَبَه؟ وفيم أنفَقَه؟ وعن جِسمِه، فيمَ أبلاه»؟.
- وليس الإسلام دينًا يدعو إلى أن تتحول حياة الإنسان إلى جدول أعمال لا يتوقف؛ فالراحة المباحة، والجلوس مع الأسرة، وصلة الأرحام، والترفيه المباح، كلها من حاجات الإنسان، وهذه الأمور كلها من المباحات التي قد يؤجر عليها بالنية الصالحة، لكن الفارق أن يعيش المسلم هذه الأوقات بوعي، وألا يسمح للفراغ بأن يبتلع عمره فيما لا ينفع.
- وفي عصرنا، أصبحت الدقائق تتسرب بسهولة! دقيقة وراء دقيقة، ثم نكتشف أن ساعة أو ساعتين قد مضتا دون أن نشعر، وربما الأيام والأشهر والسنوات، وكأنما غاب الوعي بقيمة الوقت؛ لذلك، ربما كان أجمل ما نفعله في نهاية كل يوم، أن نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا: ماذا بقي من هذا اليوم بعد أن مضى؟ الحقيقة أننا لا نستطيع زيادة أعمارنا، لكننا نستطيع أن نزيد قيمتها.
- فكل يوم يشرق علينا ليس مجرد تاريخ جديد في التقويم، بل جزء من أعمارنا قد أعطاه الله لنا مرة واحدة ولن يعود؛ فاحرص أن تكون الأيام التي تنقص من عمرك، تزيد في رصيدك عند الله.
5/10/2026م
لاتوجد تعليقات