الأسرة المسلمة 1325
كيف ندير خلافاتنا الزوجية؟
الخلاف بين الزوجين أمر وارد، ونجاح الحياة الزوجية ليس في غيابه، بل في حسن إدارته بما يحفظ المودة والرحمة؛ قال -تعالى-: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم: 21).- لا تجعلوا الخلاف معركة: من أكبر الأخطاء أن يتحول النقاش إلى صراع لإثبات من المنتصر ومن المخطئ. فالزوجان ليسا خصمين، ونجاح أحدهما في كسر الآخر خسارة للأسرة كلها، قال -تعالى-: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} (النساء: 128)،؛ لذلك ينبغي أن يكون السؤال عند الخلاف: كيف نحل المشكلة؟ لا: كيف أثبت أنني على حق؟
- ناقش المشكلة ولا تجرح صاحبها: ركز على الموقف الذي أزعجك، وتجنب التعميم والتجريح واستحضار العيوب؛ فهناك فرق بين أن تقول: «هذا التصرف أزعجني»، وبين أن تجعل الخطأ حكمًا على شخصية الطرف الآخر، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء».
- اختاروا الوقت المناسب للحوار: ليس كل خلاف يجب أن يُحسم لحظة وقوعه؛ فالغضب قد يجعل الإنسان يقول ما يندم عليه. وقد أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم - رجلًا بقوله: «لا تغضب !» وكررها مرارًا، فإذا اشتد الغضب، فقد يكون تأجيل الحوار حتى تهدأ النفوس حكمة، لا هروبًا من المشكلة.
- لا تستدعوا الماضي في كل خلاف: من أكثر ما يرهق العلاقة أن تتحول الأخطاء القديمة إلى ملفات تُفتح عند كل مشكلة. فإذا نوقش الخطأ، وقُبل الاعتذار، وتم الإصلاح، فمن حسن العشرة ألا يتحول الماضي إلى سلاح دائم. قال -تعالى-: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} (النور: 22).
انظروا إلى جوانب الخير
الحياة الزوجية لا تستقيم بتتبع الأخطاء وتضخيمها، بل بالتوازن في النظر إلى المحاسن والعيوب، وتذكّر ما في الطرف الآخر من خير وفضل؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَفْرك مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر».أكرم ضيفك بلا تكلّف
إكرام الضيف من كريم الأخلاق التي حث عليها الإسلام؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»، والإكرام لا يعني الإسراف والمبالغة، بل يتحقق بحسن الاستقبال، وبشاشة الوجه، وطيب الحديث، وتقديم ما تيسر؛ فالمقصود أن يشعر الضيف بالمحبة والترحيب، لا أن تتحول الضيافة إلى عبء وتكلّف ومنافسة في المظاهر، قال -تعالى-: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأعراف: 31).القيم تُرى قبل أن تُلقَّن
تربية الأبناء على القيم لا تتحقق بكثرة النصائح وحدها، وإنما تبدأ من القدوة التي يرونها كل يوم؛ فالطفل يتعلم بأعينه قبل أذنيه، ويراقب تصرفات والديه أكثر مما يحفظ كلماتهم، فلا يكفي أن نحدث أبناءنا عن الصدق، ثم يسمعون منا كذبًا ولو في موقف نراه بسيطًا، ولا أن نطالبهم باحترام الآخرين وهم يشاهدون السخرية منهم أو الإساءة إليهم، ولا أن نعلمهم الوفاء بالوعد ثم نكثر من الوعود التي لا نفي بها، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصف: 2-3).اختاروا الوقت المناسب للحوار
إن اختيار الوقت المناسب من أهم أسباب نجاح الحوار بين الزوجين، فحين يشتد الغضب، تقل القدرة على الإنصاف وحسن الاستماع، وقد تخرج كلمات جارحة أو قرارات متسرعة يعقبها الندم، ولهذا أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلًا فقال: «لا تغضب» وكررها مرارًا، وفي مثل هذه اللحظات يكون تهدئة النفس وتأخير النقاش لبعض الوقت أقرب إلى الحكمة، وليس تأجيل الحوار تجاهلًا للمشكلة أو هروبًا منها؛ فبعض الخلافات لا تحتاج إلى حل فوري، وإنما تحتاج إلى فرصة تهدأ فيها النفوس، ويستعيد كل طرف قدرته على التفكير بعيدًا عن الانفعال. ومن حسن إدارة الحوار ألا تُناقش القضايا المهمة أمام الأبناء، أو وقت الإرهاق والانشغال، أو عند الاستعداد للخروج، بل يُختار لها وقت هادئ يسمح بالإنصات والفهم دون استعجال؛ قال -تعالى-: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} (البقرة: 83)، كما أن بداية الحوار تصنع فارقًا كبيرًا؛ فبدل الاتهام والتجريح، يمكن وصف المشكلة بهدوء، والتعبير عما يزعج كل طرف، وإتاحة الفرصة للآخر حتى يتحدث ويُفهم.
اجتماع أفراد الأسرة على الطاعات
حين يجتمع أفراد الأسرة على صلاة، أو تلاوة قرآن، أو صدقة، أو ذكر ودعاء، فإنهم لا يؤدون عبادة فحسب، بل يبنون في البيت أجواءً إيمانية تبقى آثارها في نفوس الأبناء، وهذه المواقف البسيطة تربط الطاعة بالألفة والمحبة، وتجعل الإيمان حاضرًا في تفاصيل الحياة؛ قال -تعالى-: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} (طه: 132).الشكر يحفظ المودة
من كثرة الاعتياد قد يتوقف أفراد الأسرة عن شكر بعضهم؛ فالزوج يرى خدمة زوجته أمرًا معتادًا، والزوجة ترى جهد زوجها واجبًا، والوالدان يتعاملان مع مساعدة الأبناء كأمر طبيعي. لكن كلمة «شكرًا» تحفظ المعروف وتزيد المودة؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس».علِّموهم الاعتذار
لا يكفي أن نطالب أبناءنا بالاعتذار عند الخطأ، بل ينبغي أن يروا ذلك فينا؛ فاعتذار الأب أو الأم لا ينتقص من الهيبة، بل يعلّم الأبناء الشجاعة في الاعتراف بالخطأ، واحترام حقوق الآخرين، والسعي إلى إصلاح ما أفسدوه، وكلمة صادقة مثل: «أخطأت في حقك، سامحني» قد تكون درسًا عمليًا أبلغ من كثير من المواعظ؛ قال -تعالى-: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} (البقرة: 83).لأهل بيتك حقوق أيضًا
قد يكون الإنسان بشوشًا حسن الخلق مع أصدقائه وزملائه، ثم يعود إلى بيته قليل الصبر، سريع الغضب، شديد الكلام، مع أن أهل البيت أولى الناس بحسن صحبته ولين جانبه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، فالكلمة الطيبة، والإنصات، والشكر، والتجاوز عن الزلات، والمشاركة في مسؤوليات البيت، كلها من حسن العشرة، والخلق الحقيقي لا يظهر مع الغرباء فقط، بل يُختبر أولًا مع أقرب الناس إليك.لا تجعلوا أسراركم حديث الآخرين
من أخطاء الحياة الزوجية نقل الخلافات وتفاصيل البيت إلى الأقارب والأصدقاء؛ فالمشكلة التي تبدأ بين اثنين قد تتسع بتدخل الآخرين، وربما يتصالح الزوجان وتبقى آثار ما نُقل عنهما في النفوس، وقد وصف الله العلاقة الزوجية بقوله: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} (البقرة: 187)، ومن معاني اللباس الستر، وحفظ أسرار البيت لا يعني الامتناع عن طلب النصيحة عند الحاجة، وإنما يكون ذلك بقدر الحاجة، ومن شخص حكيم موثوق؛ فهناك فرق بين طلب المشورة ونشر الخصوصيات؛ لذلك اجعلوا الأصل أن تُحل الخلافات داخل البيت، ولا تُخرجوا منها إلا ما تدعو الحاجة إلى إخراجه؛ فكلما ضاقت دائرة الخلاف كان احتواؤه وإصلاحه أيسر.
لاتوجد تعليقات