الوفاء.. حين يصون الإنسان المعروف والود (1-2)
- من أعظم أنواع الوفاء أن يحفظ الإنسان ما ائتمنه عليه صاحبه من أسرار سواء أكانت أسرارا شخصية أم أسرارا عائلية
- تتعدد صور الوفاء بتعدد العلاقات والمواقف لكنها تجتمع في معنى واحد: ألا تنسى فضلًا، ولا تجحد معروفًا ولا تهدر ودًّا حفظته الأيام
- من أنواع الوفاء أن يعترف الإنسان بفضل من أحسن إليه وألا ينسب الفضل إلى نفسه أو يتعامل مع المعروف وكأنه حق واجب على الآخرين
الوفاء خُلُق رفيع، ودليل على أصالة النفس ونبل الطبع وصدق الإيمان، ويظهر معدنه في أوقات التحول والاختلاف؛ حين تتغير الظروف، وتتباعد المصالح، ويصبح الإنسان في غنى عمّن وقفوا إلى جانبه يومًا، فالنفوس الكريمة لا تنكر معروفًا، ولا تجحد فضلًا، ولا تجعل تقلبات الحياة سببًا لنسيان من أحسن إليها، بل تظل وفية لأهل الفضل، حافظة للود، راعية لحقوق الأخوة، وليس الوفاء مجرد ردٍّ للجميل، بل هو حفظ لمكانة من أحسن إلينا، وصيانة للود الذي جمع القلوب، وأداء لأمانة الثقة التي جعلت الإنسان يفتح قلبه لأخيه، ويطلعه على شيء من شؤونه وأحواله.
وقد حثَّ الإسلام على الإحسان وحفظ المعروف والاعتراف بالفضل، فقال -تعالى-: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} (الرحمن: 60)، وقال -سبحانه-: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة: 195)، والإحسان لا يقتصر على المال، بل يشمل الكلمة الطيبة، والنصيحة، والمواساة، والوقوف إلى جانب الإنسان وقت حاجته ماديًا أو معنويًا. ومن المروءة والوفاء أن يُحفظ لأهل المعروف فضلهم، وأن يُقابل إحسانهم بالشكر والدعاء وحفظ الجميل، وألا تكون تقلبات الأحوال سببًا في الجحود أو نسيان الفضل.الوفاء في القرآن الكريم
جاءت الأوامر القرآنية بالوفاء شاملةً للعهود والعقود والأمانات والحقوق؛ لما لهذا الخلق من أثر في حفظ الحقوق واستقامة حياة الناس، ومن ذلك الوفاء في المعاملات، قال -تعالى-: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} (الأنعام: 152)، وقال -سبحانه-: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} (الإسراء: 35)، وقد كان نقص الكيل والميزان من أبرز أنواع الفساد التي واجهها شعيب -عليه السلام- في قومه، فقال لهم: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} (الأعراف: 85)؛ تأكيدًا أن حفظ حقوق الناس والعدل في معاملاتهم من مقتضيات الإيمان. كما أمر الله بالوفاء بالعقود فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (المائدة: 1)، ومدح أهل الوفاء ووصفهم بأولي الألباب، فقال: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ} (الرعد: 20)، وجعل الوفاء بالعهد من صفات أهل البر والصدق والتقوى: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا... أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (البقرة: 177).أروع نماذج الوفاء
ومن أروع نماذج الوفاء إبراهيم -عليه السلام-؛ إذ امتثل لأمر الله في ابتلائه العظيم بابنه، حتى قال الله له: {يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (الصافات: 104-105)، وهكذا يظهر الوفاء في القرآن خلقًا جامعًا بين صدق الإيمان، وحفظ العهود، وأداء الحقوق، والعدل مع الناس؛ ولذلك كان أهله أهل صدق وتقوى وإحسان.الوفاء في السُنَّة النبويَّة
بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغاية التي لا تُدرك في الوفاء؛ فكان وفيًّا في عهده، أمينًا في وعده، حافظًا للجميل، لا تغيّره الأيام، ولا تبدّل أخلاقه الخصومة والاختلاف، وشهد له بذلك أعداؤه قبل أصحابه؛ فهذا أبو سفيان - رضي الله عنه -، قبل إسلامه، حين سأله هرقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لم يستطع - مع عداوته له يومئذ - أن ينسب إليه غدرًا أو خيانة، فقال هرقل بعدما سمع منه: «سألتك هل يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون»، وقال عن أخلاقه وما يأمر به: «وهذه صفة نبي»، وكان - صلى الله عليه وسلم - يعلن هذا المبدأ صريحًا فيقول: «إني لا أخيس بالعهد»؛ أي لا أنقضه، وكان يستعيذ بالله من الخيانة فيقول: «وأعوذ بك من الخيانة؛ فإنها بئست البطانة».مبدأ ثابت
ولم يكن الوفاء عنده - صلى الله عليه وسلم - خُلُقًا تحكمه المصلحة أو يتغير باختلاف الناس؛ بل كان مبدأً ثابتًا حتى مع المخالف، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «من أمَّن رجلًا على دمه فقتله، فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافرًا»، وحذّر من الغدر وعاقبته فقال: «لكل غادر لواء يوم القيامة يُعرف به»، هكذا كان وفاؤه - صلى الله عليه وسلم -: خُلُقًا لا يتبدل، وعهدًا لا يُنقض، وأمانةً لا تخونها الخصومة؛ لأن الوفاء عنده دينٌ ومبدأ، قبل أن يكون مكافأةً أو موقفًا.من أنواع الوفاء
تتعدد أنواع الوفاء بتعدد العلاقات والمواقف، لكنها تجتمع في معنى واحد: ألا تنسى فضلًا، ولا تجحد معروفًا، ولا تهدر ودًّا حفظته الأيام.شكر الناس من شكر الله.
من أنواع الوفاء أن يعترف الإنسان بفضل من أحسن إليه، وألا ينسب الفضل كله إلى نفسه، أو يتعامل مع المعروف وكأنه حق واجب على الآخرين، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «مَن صَنَعَ إليكم معروفًا فكافِئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه». وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»، فشكر الناس على إحسانهم من مكارم الأخلاق، وهو لا يعني أن يعيش الإنسان أسيرا لمن أحسن إليه، أو أن يقبل الظلم منه، وإنما يعني أن ينزل المعروف منزلته، وأن يعترف بالفضل لأهله، وأن يحفظ الود ما دام قائما على الخير والحق.الأسرار أمانة
من أعظم أنواع الوفاء أن يحفظ الإنسان ما ائتمنه عليه صاحبه من أسرار، سواء أكانت أسرارا شخصية، أم أسرارا عائلية، أم معلومات اطلع عليها في أوقات الثقة والمودة، أم شؤونا خاصة عرفها بحكم القرب والصحبة، قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الأنفال: 27). وقال -سبحانه-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (النساء: 58)، والسر أمانة؛ لأن صاحبه لم يطلع الآخرين عليه إلا لثقته بهم، أو لحاجته إلى مشورتهم، أو لكونهم موضع اطمئنانه. فإذا كشف الإنسان ما استودعه غيره من أسرار بقصد الإضرار أو التشهير أو الضغط أو الانتقام، فقد خان الثقة، وأفسد الود، وارتكب خلقا ذميما ينافي المروءة والتقوى، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا حدَّث الرجلُ بالحديث ثم التفت فهي أمانة»، ومعنى الحديث أن من علامات إرادة المتحدث كتمان حديثه أن يلتفت خشية أن يسمعه أحد، فيكون ما قاله أمانة عند من سمعه. وهذا يدل على عناية الشريعة بحفظ خصوصيات الناس، وعدم التوسع في نقل ما لا يرغبون في ظهوره، وقد شدد النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأن إفشاء الأسرار الزوجية، فقال: «إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها»، فإذا كان إفشاء الأسرار بين الزوجين من أعظم الخيانة، فإن إفشاء أسرار الأصدقاء والزملاء ومن وثقوا بالإنسان، لا سيما إذا قصد به الإضرار، من الأعمال التي يجب على المسلم أن يحذرها.الأسرار في بيئة العمل
ولا تقف الأمانة عند حدود العلاقات الشخصية، بل تمتد إلى بيئة العمل، فالموظف قد يطلع بحكم وظيفته على معلومات تتعلق بالمؤسسة، أو العاملين فيها، أو العملاء والمراجعين، أو الخطط والمشروعات، أو المراسلات والقرارات الداخلية. وهذه المعلومات ليست مباحة لكل أحد، بل يحكمها ما تقتضيه طبيعة العمل، والأنظمة المعمول بها، وحقوق أصحابها. قال الله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (النساء: 58). وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، ومن مقتضى الأمانة الوظيفية ألا يستعمل الإنسان ما عرفه في عمله للإضرار بزملائه، أو التشهير بهم، أو الضغط عليهم، أو تحقيق مكاسب شخصية غير مشروعة، كما لا يجوز له أن ينقل المعلومات التي اؤتمن عليها إلى غير أهلها، أو أن يكشف ما يترتب على كشفه ضرر أو خيانة للثقة. وإذا وقع خلاف في العمل، فليس من حق أحد أن يحول المعلومات السرية إلى وسيلة تهديد أو ابتزاز، ولا أن يجعل ما عرفه في أوقات الصفاء وسيلة للانتقام في أوقات الخصومة؛ فالخلاف لا يبيح الخيانة، والعداوة لا تسقط الأمانة، والحقوق لا تسترد بارتكاب محرمات أخرى.صيانة الود عند الاختلاف
قد تجمع الحياة بين الناس في صداقة أو عمل أو تعاون، ثم تتغير الظروف وتتباين وجهات النظر؛ وليس العيب في الاختلاف، وإنما في أن يتحول إلى إساءة وخصومة، وأن يمحو موقف عابر تاريخًا من الود والمعروف، ومن الوفاء أن تحفظ للآخر حقه وفضله وإن اختلفت معه، وأن تفرق بين حقك في الاعتراض أو إنهاء العلاقة، وبين حقه في الكرامة والعدل. قال -تعالى-: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة: 8)؛ فالمؤمن لا يجعل الخلاف مسوغا للجحود، ولا الخصومة سببًا لنسيان الجميل؛ بل يختلف بإنصاف، ويفارق بإحسان، ويحفظ للود القديم حرمته.
لاتوجد تعليقات