من أرشيف الشيخ عبدالله السبت .. الكذب مصدر الخطايا
- وقف الإسلام من ظاهرة الكذب موقفاً فاصلاً إذ عَدَّ من اتصف بهذه الخصلة ليس مسلماً كاملاً
- على المسلم أن يعلم أنه يحرم عليه نقل أي خبر إلا بعد التأكد منه والتدقيق فيه وإلا آل عليه إثمه وتحمل مسؤوليته
نستعيد في هذه السلسلة نماذج من مقالات الشيخ عبدالله السبت؛ توثيقًا لمسيرته الدعوية، وإطلالة على أبرز القضايا التي تناولها بقلمه، واليوم مع مقال: الكذب مصدر الخطايا، وقد نشر في مجلة المجتمع عدد: «257» بتاريخ: 8/7/1975م.
تكلم الناس عن الصدق والكذب وكتبوا فيهما، فما الصدق؟ وما الكذب؟ الصدق قول الحق والكذب خلافه؛ فالصدق ظاهرة تعني وجود الثقة في الأمة، والكذب دال على خلافه، ومن أول مظاهر التدني والانحدار في الأمة انتشار ظاهرة الكذب واختفاء ظاهرة الصدق، والإسلام بوصفه دينا أنزله الله -سبحانه وتعالى- ليكون في التمسك به والعمل بأحكامه سعادة الدنيا وعمارتها، وكذلك الآخرة.موقف فاصل
وقد وقف الإسلام من هذه الظاهرة - أي: الكذب - موقفاً فاصلاً؛ إذ عدَّ من تحلّى بهذه الخصلة ليس مسلماً كاملاً؛ إذ المسلم كما عرفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه من سلم المسلمون من لسانه ويده والكاذب لم يسلم المسلمون منه؛ ولذلك جعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - من زمرة المنافقين؛ لأنهم يقولون ما لا يبطنون فنص بحديث البخاري: «أربع من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا ائتمن، خان وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فَجَر».الكذب مصدر الشرور
فما من شر إلا والكذب مصدره ومعين عليه؛ ولذلك جعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - هادياً إلى الفجور، ففي الحديث الصحيح الذي قال فيه: «إياك والكذب! فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً»، ومن هذا الحديث نستطيع أن نفهم:- أن الكذب هادٍ إلى الفجور، وهو أول خطوات النار، أعاذنا الله منها.
- أن الرجل عندما يكذب مرة وأخرى؛ فإنه يستمرئ الكذب ويصبح عادة له وديدناً.
- أنه يصبح بعد ذلك صفة لازمة لا تنفك عنه، وعند ذلك يفقد الشخص وضعه في المجتمع السليم وعندما يكثر هذا الصنف تنعدم الثقة وهي أساس البناء، فيتفكك المجتمع ويزول.
مما عمت به البلوى
ومما عمت به البلوى أنْ تَفَشّى بين المسلمين نوع من الكذب أخطره وأشده فتكاً، وهو الكذب على الله ورسوله، لقد نشأ بين المسلمين أقوام من المتسوفة والوعاظ المنحرفين الدجالين أرادوا أكل أموال الناس بالباطل فقاموا بوضع أحاديث على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؛ وذلك - بزعمهم الباطل - ليحببوا الناس في الدين، ولقد شاهدنا كثيراً ممن يتسمون بـ«الشيخ» يقف في المسجد واعظا ناهيا عن الكذب ومحذراً الناس منه، وهو أثناء نهيه يكذب في الحديث، وإلى هؤلاء نسوق قوله -صلى الله عليه وسلم -: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»، وقوله-صلى الله عليه وسلم -: «من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين»، وكل بلية جاءت على المسلمين أصلها الكذب، ولقد دخلت الأحاديث المكذوبة والضعيفة كتب الفقهاء، والتخلص منها وإظهار السليم إلى الناس عبء على الأمة وواجب. والأخبار - سواء منها ما كان عن رسول الله أو عن غيره - احتمال تطرق الكذب إليها وارد، ولذلك يقول ابن خلدون: والكذب متطرق للخبر بطبيعته، وله أسباب تقتضيه، ومن هذه الأسباب التعصب للآراء والمذاهب؛ فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى نتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تعصب لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتعصب غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله.الأسباب المقتضية للكذب
من الأسباب المقتضية للكذب الثقة بالناقلين، ومنها توهم الصدق وهو كثير، وإنما يجيء في الأكثر من جهة الثقة بالناقلين، وكثير من الناس لا يتصور أن يقدم الرجل الثقة بزعمهم على الكذب، وكم كذب ممن تظنهم الناس ثقات، والذي أوقع الناس في هذا أن التوثيق أصبح الآن لا يُعتد به، وذلك أن كثيراً من الموثقين لا يعرفون من يوثقون إلا مجرد لقاء عابر فتجده يكيل له الثناء والتوثيق، ومن هنا فلابد من التدقيق في التوثيق، فليس كل موثق يقبل توثيقه، وهذه قاعدة ثابتة عند أهل الحديث، وعلى المسلم أن يعلم أنه يحرم عليه نقل أي خبر إلا بعد التأكد منه والتدقيق فيه، وإلا آل عليه إثمه وتحمل مسؤوليته، وبذلك يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «كفى بالمر كذباً أن يحدث بكل ما سمع». فاحفظ هذا؛ فإنه لك نافع؛ فقد تقع في غيبة إنسان والكذب عليه دون علم، واعلم - رحمنا الله وإياك - أن نقلك للخبر الذي يوافق هواك قد يكون كذبًا، وتذكر قوله: «هل يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم»، وتذكر قوله -تعالى-: { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ}.أنواع معاصرة للكذب
- الكذب عبر وسائل التواصل: بنشر الأخبار والمعلومات دون تثبت، أو إعادة إرسال الشائعات والمقاطع المضللة؛ وقد قال -تعالى-: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (الحجرات: 6)، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» رواه مسلم.
- تزييف الصورة الشخصية: بأن يصنع الإنسان لنفسه في العالم الرقمي صورة لا تمثل واقعه، فيدعي إنجازات أو مكانة أو حياة لا يملكها، طلبا للإعجاب أو الشهرة. وليس المقصود مجرد إظهار الإنسان جوانب جميلة من حياته، وإنما تعمد صناعة صورة كاذبة وخداع الآخرين بها.
- الكذب في الإعلانات والتجارة: بالمبالغة في مزايا السلعة، أو إخفاء عيوبها، أو تقديم تقييمات وتجارب غير حقيقية للتأثير في المشتري. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «من غشنا فليس منا» رواه مسلم، وقال في المتبايعين: «فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» متفق عليه.
- الكذب في السيرة الذاتية والشهادات: بإضافة خبرات أو مؤهلات غير حقيقية، أو تزوير شهادات ومستندات للحصول على وظيفة أو منفعة؛ وهذا يجمع بين الكذب والغش وأكل الحقوق بغير حق.
- الكذب بالأعذار والمسوغات: كاختلاق أعذار غير صحيحة لتسويغ التأخر أو التقصير أو الغياب، حتى يصبح الكذب وسيلة سهلة للهروب من المسؤولية بدلا من الاعتراف بالخطأ وتصحيحه.
- الكذب في المحتوى المصطنع: ومن صوره الحديثة استخدام التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في تركيب الصور أو الأصوات أو المقاطع ونسبتها إلى أشخاص لم يقولوها أو يفعلوها، ثم تداولها على أنها حقيقة؛ وهو أشد خطرا حين يؤدي إلى تشويه السمعة أو إثارة الفتن أو تضليل الناس.
لاتوجد تعليقات