رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي 5 أكتوبر، 2026 0 تعليق

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: غَرْزُ الخَشَب في جِدَار الجَار

  • الجارُ في الإسلامِ حقُّهُ عظيمٌ وقدْ أَوْصى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - به وحثَّ على الرِّفقِ والتَّعاونِ معه
  • المضارّة مبناها على القصد وإرادة إيقاع الضرر بالآخر فمتى قصد الإنسان الإضرار بغيره ولو بطريق غير مباشر أو أوقع به ضررًا من غير حق ولا استحقاق كان ذلك من المضارّة المنهي عنها
 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ؛ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ»، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ واللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ، أخرجه مسلم في المساقاة (3/1230) وبوب عليه بمثل تبويب المنذري، وأخرجه البخاري في المظالم (2463) باب: لا يمنع جارٌ جاره أنْ يغرز خشبة في جداره. في هذا الحديثِ يُخبرُ أبو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يَمنعنَّ أحدُكم جارَه، أنْ يَغرز خَشبةً في جدارِه»، أي: على الرَّجُلِ ألَّا يَمنعَ جارَهُ مِنْ وَضعِ خَشبةٍ فوقَ جِدارِ بيته، وإنْ كانَ الجِدارُ ليسَ منْ مِلك واضعِ الخَشبةِ، ولكنْ من حقِّ الجيرانِ أنْ ينفَعَ بعضُهمْ بَعضاً، دُونَ إِلحاقِ ضَررٍ بأيٍّ من الطَّرَفينِ.

  • قال الحافظ: كذا لأبي ذر بالتنوين على إفْراد الخشبة، ولغيره بصيغة الجَمع، وهو الذي في حديث الباب، قال ابن عبدالبر: روى اللفظان في الموطأ، والمعنى واحد؛ لأنّ المراد بالواحد الجنس. انتهى.
  • وقال الحافظ: قوله: «ولا يمنع بالجزم على أن (لا) ناهية، ولأبي ذر بالرفع على أنه خبر بمعنى النهي، ولأحمد: «لا يَمنعنّ» بزيادة نون التوكيد، وهي تؤيد رواية الجزم، قوله: جار جاره إلخ، استدلّ به على أنّ الجدار إذا كان لواحدٍ وله جار، فأراد أنْ يضع جذعه عليه؛ جاز؛ سواءً أذِن المالك أمْ لا، فإنْ امْتَنعَ أجْبر، وبه قال أحمد وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث، وابن حبيب من المالكية والشافعي في القديم، وعنه في الجديد قولان: أشهرهما اشتراط إذن المالك، فإنْ امْتنع لمْ يُجبر، وهو قول الحنفية، وحملوا الأمر في الحديث على النّدب، والنّهي على التنزيه جمعاً بينه وبين الأحاديث الدّالة على تحريم مالِ المُسلم إلا برضاه، وفيه نظر! وجزم الترمذي وابن عبدالبر عن الشافعي بالقول القديم، وهو نصه في البويطي، قال البيهقي: «لم نجدْ في السُّنن الصَحيحة؛ ما يُعارض هذا الحُكم، إلا عُمُومات لا َيستنكر أنْ نخصَّها، وقد حَمَله الراوي على ظاهره، وهو أعلم بالمُراد بما حدّث به». يشير إلى قول أبي هريرة: «ما لي أراكم عنها معرضين». انتهى. فتح الباري (5/110).

فنَكَس القَومُ

  • قَالَ: «ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ» وفي روايةٍ: «فنَكَس القَومُ»، وفي رواية عند أبي داود: «فنكسوا رؤوسهم»، ولأحمد: فلمّا حَدّثهم أبو هريرة بذلك؛ طأْطؤوا رؤوسهم. أي: خفَضَ القومُ رُؤوسَهم، كأنَّهم غيرُ راضين عن هذا الكلامِ، فقال لهم أبو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: «ما لي أراكم عنها مُعْرِضِينَ؟»، أي: ما لي أراكُمْ غيرَ راضينَ عنْ هذا الحُكمِ، وهذا القَولِ الذي أَمَرَ بهِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -؟ ثمَّ تركتُمْ العَملَ به فيما بَيْنكم.

وَاللهِ لَأرْمِينَّ بها بينَ أكتافِكُمْ

  • ثم قال: «وَاللهِ لَأرْمِينَّ بها بينَ أكتافِكُمْ»، أي: لأَرمِينَّ هذه السُّنَّةَ بين أظهُرِكم، وأرادَ بهذا التغليظَ عليهِمْ، رغمَ إِعراضِهمْ عنِ الأَمرِ، بمعنى: لأجْعَلنَّ هذا الحُكمَ واضحاً أمامَ أعينِكُمْ، حتى وإِنْ كرِهتُموهُ، قال الحافظ: أي: لأشيعنّ هذه المقالة فيكم، ولأقرّعنّكم بها، كما يُضْربُ الإنسان بالشيء بين كتفيه؛ ليستيقظ مِنْ غَفلته، وقوله: بين أكتافكم، قال ابن عبدالبر: رويناه في الموطأ بالمثناة وبالنون، والأكناف بالنون: جمع كنف بفتحها، وهو الجانب. اهـ.
أو المعنى: لئنْ كرِهْتُمْ أنْ يضَعَ الجارُ الخَشبةَ على جِدارِ جارِهِ، فسوفَ أُلْقي هذِهِ الخشبةَ على أكتافِكُمْ لا على الجُدرانِ، وهذا المعنى أَيْضاً للتغليظِ والتَّخويفِ؛ مِن ردِّ أَمرٍ منْ أوامِرِ النبيِّ الكريمِ - صلى الله عليه وسلم -، أو رَفضِه.

لأرمين بها بين أعينكم وإن كرهتم

  • قال الحافظ: وقد وقع عند ابن عبدالبر منْ وجه آخر: لأرمين بها بين أعينكم وإن كرهتم، قال: وقد قوَّى الشافعي في القديم القولَ بالوجوب: بأنّ عمر قضى به، ولمْ يُخالفه أحدٌ مِنْ أهل عصره، فكان اتفاقاً منهم على ذلك؛ انتهى.
  • قال: وأشار الشافعي إلى ما أخرجه مالك ورواه هو عنه بسند صحيح: أن الضحاك بن خليفة سأل محمد بن مسلمة أنْ يسوق خليجاً له، فيمرّ به في أرض محمد بن مسلمة، فامتنع، فكلّمه عُمر في ذلك فأبي، فقال: والله ليمرنَّ به ولو على بطنك، فحملَ عُمر الأمر على ظاهره، وعدّاه إلى كلّ ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به منْ دار جاره وأرضه.
  • قال: وروى ابن إسحاق في مسنده والبيهقي من طريقه: عن يحيى بن جعدة أحد التابعين قال: أراد رجل أن يضع خشبة على جدار صاحبه بغير إذنه فمنعه، فإذا مَنْ شئت من الأنصار يحدّثون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه نهاه أنْ يمنعه، فجبر على ذلك.
  • قال: ومحلّ الوجُوب عند مَنْ قال به: أنْ يحتاجَ إليه الجار، ولا يضع عليه ما يتضرّر به المالك، ولا يُقدّم على حاجةِ المالك، ولا فرقَ بين أنْ يحتاج في وضع الجِذْع إلى نَقب الجدار أو لا؛ لأنّ رأسَ الجِذع يسدّ المنفتح، ويقوي الجدار». انتهى. «الفتح» (5/ 111).

المَنْفعة التي لا قيمةَ لها

  • وقال شيخ الإسلام في الاختيارات: «والمَنْفعة التي لا قيمةَ لها عادة، كالاسْتظلال بجِدَار الغير، والنّظر في سِراجه، لا يصحّ أنْ يَردَ عليها عقدٌ به، أو إجارة اتفاقاً، ولو اتفقا على بناء حائطِ بُستان، فبَنَى أحدُهما، فما تلفَ مِنَ الثّمرة بسبب إهْمال الآخر، ضَمِنَ لشَريكِه نصيبَه، وإذا احتاج المِلْك المشترك إلى عمارةٍ لابدّ منها؛ فعلى أحدِ الشّريكين أنْ يُعمّر مع شريكه، إذا طَلبَ ذلك منه، في أصحّ قولي العلماء.

المضارة مبناها على القصد والإرادة

     قال: والمضارة مبناها على القصد والإرادة، أو على فِعْل ضررٍ عليه، فمتى قصد الإضرار ولو بالمناخ، أو فعل الإضرار منْ غير استحقاق؛ فهو مضار، وأمّا إذا فعلَ الضّرر المُسْتحق للحاجة إليه، والانتفاع به، لا لقَصْد الإضْرار؛ فليس بمضار، ومن ذلك: قول النبّي - صلى الله عليه وسلم - في حديث النّخلة التي كانت تضرّ صاحب الحديقة، لمّا طَلب منْ صاحبها المعاوضة عنها بعدة، فلم يفعل، فقال: «إنّما أنتَ مُضَار»، ثمّ أمَرَ بقلعها، فدلّ على أنّ الضِّرار مُحرّم، لا يجوزُ تمكينُ صاحبه منه. قال: وإذا كان الجدار مختصّاً بشخصٍ؛ لمْ يكنْ له أنْ يمنع جاره مِنَ الانتفاع بما يَحتاجُ إليه الجار، ولا يضرّ بصاحبِ الجِدار، ويجبُ على الجار تمكين جاره منْ إجْراء مائه في أرْضه إذا احتاج إلى ذلك، ولمْ يكنْ على صاحب الأرض ضررٌ، في أصحّ القولين في مذهب أحمد، وحَكَم به عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فالسّاباطُ -أي: الطريق الضيّق المَسقوف- الذي يضرُّ بالمارّة، مثل أنْ يحتاج الرّاكب أنْ يَحْني رأسه إذا مرّ هناك، وإنْ غَفلَ عن نَفسِه؛ رَمَى عمامته، أو شجّ رأسه، ولا يُمكن أنْ يمرّ هناك جَملٌ عال، إلا كُسرت رقبته، والجمل المحمل لا يمرّ هناك، فمثل هذا السّاباط لا يجوزُ إحْداثُه على طريق المارّة باتفاق المسلمين، بل يجبُ على صاحبه إزالته، فإنْ لمْ يَفعل؛ كان على وُلاة الأمُور إلزامه بإزالته، حتّى يزول الضّرر، حتى لو كان الطريق منخفضاً، ثم ارتفع على طور الزمان، وجَب إزالته إذا كان الأمر على ما ذكر». «الاختيارات الفقهية» (1/ 478).

من فوائد الحديث

  • أنّ الجارُ في الإسلامِ حقُّهُ عظيمٌ، وقدْ أَوْصى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم - وحثَّ على الرِّفقِ به والتَّعاونِ معه.
  • وفيه: الحثُّ على التعاوُنِ بين المُسلمين في المنافع بما لا يضُرُّ أحدَ الطرفين.
  • بيانُ ضَرورةِ إظهارِ الحقِّ للناسِ، ولوْ كانَ مُرّاً وصعباً علَيهِم.
 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك