رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر التربوي 23 سبتمبر، 2026 0 تعليق

الأسرة المسلمة 1323

الحجــاب عـبــادة

        قال -تعالى-: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} (النور: 31)، من المهم أن تتعلم الفتاة أن الحجاب امتثال لأمر الله -تعالى- وصيانة لها، وأن تربيها أسرتها عليه بالحكمة والقدوة، مع بيان معناه الشرعي، حتى يرتبط في نفسها بالإيمان لا بمجرد العُرف.

ابنتك أمانة.. فربِّها على الحياء

       البنت أمانة في بيت والديها، ومن أجلِّ ما تربى عليه -منذ نعومة أظفارها- الحياء والعفاف وحسن الخلق؛ فالحياء ليس ضعفًا ولا انطواءً، وإنما خُلُق إيماني يحرس القلب، ويهذب السلوك، ويصون الفتاة في لباسها وكلامها وعلاقاتها، حتى يصبح لها سياجًا يحفظ كرامتها ويقودها إلى كل خير، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الحياء لا يأتي إلا بخير».

       يبدأ غرس الحياء قبل أن تبلغ الفتاة سن التكليف؛ حين ترى في أمها قدوة حية، فتتعلم منها الاحتشام وحفظ اللسان وغض البصر وحسن التعامل وتعظيم حدود الله، فالقيم لا تُغرس بكثرة الأوامر وحدها، وإنما بالقدوة والمصاحبة والحوار، وبناء مراقبة الله في القلب؛ حتى تفعل الفتاة الصواب قناعةً وإيمانًا، لا خوفًا من رقابة الأسرة.

         وفي زمن تتزاحم فيه المؤثرات، وتدخل الأفكار والصور إلى البيوت عبر الشاشات، تزداد مسؤولية الأم في أن تكون أقرب إلى ابنتها: تستمع إليها، وتفهم مشاعرها، وتعينها على اختيار الصحبة الصالحة، وتغرس فيها أن قيمتها ليست في نظرات الآخرين، ولا في تقليد المشاهير، وإنما في إيمانها وعفتها وأخلاقها؛ فاغرسي في ابنتك الحياء صغيرة؛ ليكون لها حصنًا حين تكبر، واربطي قلبها بالله قبل أن تحاصريها بالتوجيهات؛ فما استقر في القلب من إيمان، يكون أقوى من كل رقابة، وأثبتَ أمام الفتن، وأبقى أثرًا في الحياة.

أخطاء تتساهل فيها بعض النساء

       من الأخطاء التي تقع فيها بعض النساء إهمال غض البصر، ظنًا منهن أن الله أمر به الرجل دون النساء، وقد قال -تعالى-: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} (النور:31)، وإطلاق العنان للنظر للأجانب وخصوصًا على شاشات التلفاز وغيرها مما يسبب الفتنة، وكذلك من الأخطاء أن تنظر المرأة إلى المرأة فتصفها لأحد محارمها بغير غرض شرعي كالنكاح، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تباشر المرأة المرأة فتصفها لزوجها كأنه ينظر إليها».

كوني قريبة قبل أن تكوني رقيبة

         تحتاج الفتاة -ولا سيما في مرحلة المراهقة- إلى أمٍّ تكون لها موطن أمان قبل أن تكون عين رقابة؛ تسمعها قبل أن تحكم عليها، وتفهم مشاعرها قبل أن تعاتبها، وتفتح لها باب الحوار قبل أن تبحث عن أخطائها، فإذا كانت كل مصارحة تُقابل بالغضب والتوبيخ، ستضطر الابنة إلى الصمت والإخفاء، وربما بحثت عمن يسمعها بعيدًا عن بيتها، أما حين تجد في أمها صدرًا رحبًا، وأذنًا مصغية، ونصحًا هادئًا، فإنها تلجأ إليها عند الحيرة، وتصارحها عند الخطأ، وتقبل منها التوجيه عند الزلل، والحكمة أن تجمع الأم بين الحنان والحزم، والثقة والمتابعة، والحوار والتوجيه؛ فكلما اقتربتِ من قلب ابنتك، أصبح الطريق إلى تقويم سلوكها أقصر، وكان توجيهك أعمق أثرًا وأبقى.

خطوات عملية لغرس الحياء

  •  كوني قدوة: فما تراه ابنتك في سلوكك أبلغ مما تسمعه من نصائحك.
  •  اقتربي من ابنتك: خصصي وقتًا يوميًا للحوار والاستماع دون توبيخ أو إصدار أحكام سريعة.
  •  اربطي الحياء بالإيمان: بيّني لها أن العفاف والحجاب وحسن الخلق طاعة لله -تعالى-.
  •  تابعي صحبتها: تعرفي إلى صديقاتها، وشجعيها على صحبة من تعينها على الخير والاستقامة.
  •  رافقيها رقميًا: ناقشي معها ما تشاهده وتتابعه، وعلّميها كيف تميز بين النافع والضار.
  •  امدحي أخلاقها: أثني على صدقها وحيائها وأمانتها وحسن تعاملها، حتى تدرك أن جمال الأخلاق أعظم من جمال المظهر.
  •  أكثري من الدعاء لها: فالهداية بيد الله، ومن دعاء عباد الرحمن: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} (الفرقان: 74).

الصاحبة شريكة في التربية

       قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»؛ فالصحبة ليست علاقة عابرة، وإنما باب من أبواب التأثير والتشكيل، ولا سيما في سنوات الدراسة؛ حيث تقضي الفتاة مع صديقاتها وقتًا طويلًا، وتتأثر بأفكارهن وأخلاقهن واهتماماتهن وسلوكهن، وقد تكون الصاحبة الصالحة عونًا لابنتك على الصلاة والحياء والعفاف والاجتهاد، تذكّرها إذا غفلت، وتشجعها إذا ضعفت، وقد تكون الصحبة السيئة بابًا إلى سلوكيات وأفكار لم تعرفها الفتاة في بيتها، ومن هنا، فإن من حسن التربية أن تعرف الأم صديقات ابنتها، وتقترب من عالمها، وتعلمها كيف تختار من تصاحب؛ فتغرس فيها أن الصديقة الحقيقية ليست من توافقها في كل شيء، وإنما من تحفظها في غياب أهلها، وتعينها على الخير، وتأخذ بيدها إلى طريق الصلاح والفلاح.

العفاف يبدأ من القلب

        العفاف منهج حياة يبدأ من القلب وتصدقه الجوارح؛ فهو عِفة في النظر، وطهارة في اللسان، وحياء في التعامل، وانضباط في العلاقات، وبعد عما يخدش القلب أو يضعف صلته بالله. قال -تعالى-: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} (النور: 33)، ومن هنا، فإن تربية الفتاة على العفاف يكون ببناء قلب يعرف الله ويراقبه، ونفس تعتز بطاعته، ووعي يميز بين ما يرفع قدرها وما ينتقص من حيائها؛ فصلاح الظاهر يزداد ثباتًا حين يستند إلى صلاح الباطن، وفي زمن الشاشات والعلاقات المفتوحة، تتأكد الحاجة إلى هذا المعنى؛ فالعفاف الذي نريده لابنتنا هو الذي يصاحبها حين تراها العيون وحين تغيب عنها، في واقعها وعالمها الرقمي؛ لأنها تعلم أن رقابة الله لا تغيب، وأن أجمل ما تتزين به الفتاة حياء يحفظها، وعفاف يصونها، وإيمان يقودها إلى الخير.

إدارة الخلافات داخل البيت

       لا يخلو بيت من اختلاف؛ فالطباع تتفاوت، والآراء تتباين، والضغوط قد تولد التوتر، لكن نجاح الأسرة لا يعني غياب الخلاف، وإنما حسن إدارته ومنع تحوله إلى خصومة تهدم المودة وتجرح النفوس، قال -تعالى-:  {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} (النساء: 128)، فمن الحكمة ألا يُدار الخلاف وقت الغضب، ولا أمام الأبناء، وألا يتحول النقاش حول موقف عابر إلى استدعاء أخطاء الماضي أو تبادل الاتهامات والتجريح، فالكلمة القاسية قد تنتهي في لحظتها، لكن أثرها قد يبقى طويلًا في القلب، وتبدأ الإدارة الواعية للخلاف بحسن الاستماع، وخفض الصوت، وفهم وجهة نظر الطرف الآخر، والبحث عن الحل لا عن المنتصر. كما أن الاعتذار عند الخطأ لا ينتقص من قدر صاحبه، بل يدل على نضجه وحرصه على بقاء المودة؛ فالبيت الآمن ليس بيتًا بلا خلافات، وإنما بيت يعرف أهله كيف يختلفون دون أن يتخاصموا، وكيف يناقشون دون أن يجرحوا، وكيف يجعلون المودة أكبر من الخلاف، والإصلاح غاية كل حوار.

اصنعوا بيئة دراسية آمنة

       نجاح الأبناء لا تصنعه المدرسة وحدها؛ فالبيت شريك أساسي في غرس الجدية والانضباط وبناء عادات التعلم. وتبدأ البيئة الدراسية الجيدة بمكان هادئ للمذاكرة، وتنظيم أوقات النوم والدراسة والراحة، وتقليل المشتتات، مع المحافظة على الصلاة؛ ليتعلم الأبناء التوازن بين واجباتهم الدينية والدراسية، ولا يقل الدعم النفسي أهمية عن تهيئة المكان؛ فالتشجيع، والثناء على الاجتهاد، والمساندة عند التعثر، أكثر أثرًا من كثرة اللوم والمقارنة بالآخرين، فلا تجعلوا البيت امتدادًا لضغوط المدرسة، بل مساحة آمنة للتعلم والمحاولة؛ فالأسرة الناجحة لا تذاكر عن أبنائها، وإنما تهيئ لهم بيئة تعينهم على تحمل المسؤولية وصناعة نجاحهم بأنفسهم.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك