رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر التربوي 30 يونيو، 2026 0 تعليق

المرأة المسلمة 1312

ليس المقصود من الراحة ترك الواجبات أو الانشغال بالمباحات، بل تحقيق التوازن؛ فالإسلام دين الوسطية، يمنح النفس حقها من الراحة، والروح حقها من العبادة، والأسرة حقها من الرعاية.  

الصيف موسم للإنجاز

تمثل الإجازة الصيفية محطة مهمة في حياة الأسرة المسلمة، وفرصة ثمينة لإعادة ترتيب الأولويات واستثمار الأوقات فيما يعود بالنفع على الدين والدنيا، والمؤمنة الواعية لا تنظر إلى الصيف على أنه فترة للراحة المجردة أو الانشغال بما لا فائدة فيه، بل تراه موسمًا للتزود من الطاعات، وتنمية المهارات، وتقوية الروابط الأسرية، وتحقيق التوازن بين متطلبات الروح والجسد.

        وقد حث الإسلام على اغتنام الأوقات قبل فواتها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، والفراغ نعمة عظيمة قد تكون سببًا في رفعة الإنسان إذا أحسن استثمارها، وقد تكون سببًا للندم إذا أضاعها فيما لا ينفع. ومن أجمل ما تستثمر به المرأة المسلمة إجازتها أن تجعل لها نصيبًا من القرآن الكريم تلاوةً وحفظًا وتدبرًا، وأن تحرص على حضور الدروس العلمية أو متابعتها، وأن تغرس في أبنائها حب القراءة والاطلاع، وتشجعهم على اكتساب المهارات النافعة والعادات الإيجابية. كما أن الإجازة فرصة لتعزيز صلة الرحم، وزيارة الأقارب، والمشاركة في الأعمال التطوعية والخيرية، وغرس معاني البذل والإحسان في نفوس الأبناء، حتى ينشؤوا على الشعور بالمسؤولية تجاه مجتمعهم. إن الصيف الناجح ليس بكثرة الرحلات أو ساعات الترفيه فحسب؛ وإنما بما يتركه من أثر طيب في النفس والأسرة؛ فالسعيدة من جعلت من أيام إجازتها رصيدًا من العلم النافع والعمل الصالح والذكريات الجميلة، لتخرج منها وقد ازدادت قربًا من الله، ونفعًا لنفسها وأسرتها ومجتمعها.  

من فقه الإجازة

       الإجازة فرصة للراحة وتجديد النشاط، لكنها لا تعني تعطيل الواجبات أو إهدار الأوقات، فالمسلم يوازن بين الترفيه المباح والعبادة والعمل النافع، وفق منهج الإسلام القائم على الوسطية والاعتدال، ومن حسن استثمار الإجازة أن يأخذ الإنسان نصيبه من الراحة دون تفريط في حقوق ربه أو أسرته أو نفسه، لتكون أيامه أكثر بركةً ونفعًا وأثرًا.  

مع القرآن في الإجازة

        تُعد الإجازة الصيفية فرصة ثمينة لتوثيق الصلة بكتاب الله -تعالى- بعيدًا عن مشاغل الدراسة والعمل، ومن أجمل ما تستثمر به المرأة المسلمة وقتها أن تجعل لها وردًا يوميا من القرآن الكريم تلاوةً وحفظًا وتدبرًا، فتغتنم سعة الوقت فيما يزكي النفس ويقربها من ربها؛ فالقرآن مصدر الهداية والطمأنينة، ومن جعل له نصيبًا ثابتًا منه وجد أثره في سكينته وأخلاقه وبركة وقته. كما أن الإجازة فرصة مناسبة لتشجيع الأبناء على حفظ القرآن ومراجعته، وإحياء المجالس الأسرية التي تُتلى فيها آيات الله وتُتدارس معانيها، وما أجمل أن ينقضي الصيف وقد ازداد المرء قربًا من القرآن، تلاوةً وفهمًا وعملً!، ليكون ذلك من أعظم المكاسب التي تبقى آثارها بعد انتهاء الإجازة.

من أعمال الصيف المباركة

الإجازة الصيفية فرصة عظيمة للتزود من الأعمال النافعة التي تجمع بين الأجر والفائدة، ومن ذلك:
  • المحافظة على وِرد يومي من القرآن الكريم تلاوةً وحفظًا وتدبرًا.
  • حفظ الأذكار والأحاديث النبوية المختصرة.
  • حضور الدورات الشرعية والتربوية النافعة.
  • استثمار الوقت في قراءة الكتب النافعة.
  • تعليم الأبناء المهارات المفيدة.
  • المشاركة في الأعمال التطوعية والخيرية التي تغرس معاني البذل والعطاء.
  • صِلة الأرحام وزيارة الأقارب والسؤال عنهم.
  • ممارسة الرياضة المباحة والنشاطات البدنية النافعة.
 

أخطاء تقع في الإجازات الصيفية

  • غياب التخطيط للأوقات: فبعض الأسر تستقبل الإجازة دون أهداف أو برامج واضحة، فتضيع الأيام بين النوم الطويل والفراغ والأنشطة العشوائية، دون تحقيق فائدة تُذكر.
  • إهمال الجانب الإيماني: فقد تمر الإجازة دون برنامج قرآني أو تربوي أو علمي، مع أن الفراغ من أفضل الأوقات لغرس العبادات والعادات الصالحة في نفوس الأبناء.
  • الإفراط في استخدام الأجهزة الذكية: من الأخطاء الشائعة ترك الأبناء لساعات طويلة أمام الهواتف والألعاب ومواقع التواصل، ما يؤدي إلى إهدار الوقت وضعف التواصل الأسري والتأثر بالمحتويات غير المناسبة.
  • الانشغال بالترفيه فقط: الترفيه المباح مطلوب، لكن الخطأ أن تتحول الإجازة كلها إلى رحلات ونزهات وتسوق دون الاهتمام بالعلم والعبادة وتنمية المهارات.
  • السهر المفرط والنوم عن الصلوات: ومن آثار ذلك ضياع صلاة الفجر وتأخير الصلوات وإفساد نظام الحياة اليومية، ما ينعكس سلبًا على صحة الأبناء ونشاطهم.
  • ترك الأبناء دون متابعة: بعض الآباء والأمهات يتركون أبناءهم يقضون أوقاتهم كيفما شاؤوا دون توجيه أو رقابة، ما قد يعرضهم لاكتساب عادات أو أفكار غير مناسبة.
  • الإسراف في المصروفات؛ حيث تتحول الإجازة عند بعض الأسر إلى موسم للاستهلاك المبالغ فيه، بعيدًا عن قيم الاعتدال والاقتصاد التي دعا إليها الإسلام.
 

صناعة الذكريات الإيمانية

       لا يقتصر بناء الأبناء على توفير احتياجاتهم المادية، بل يحتاجون إلى ذكريات إيمانية جميلة تبقى في نفوسهم طويلًا، فاجعلي من الإجازة فرصة لصلاة الجماعة، وحلقات القرآن الأسرية، والرحلات الهادفة، وزيارة الأقارب، وتعويد الأبناء على أعمال البر والإحسان.  

أمٌّ تصنع جيلا

         تمثل الإجازة الصيفية فرصة تربوية ثمينة بين يدي الأم الواعية، فقد تكون سببًا في حفظ ابنها لسورة من القرآن، أو اكتسابه خلقًا حسنًا، أو تعلمه مهارة نافعة، أو اعتياده عادةً تبقى معه سنوات طويلة. فالأبناء في هذه المرحلة أكثر استعدادًا للتوجيه والتأثر، وأقرب إلى اكتساب القيم والسلوكيات الجديدة، ولذلك لا تنظر الأم المسلمة إلى الصيف على أنه وقت للترفيه فحسب، بل تراه موسمًا للبناء والتربية، فتوازن بين المتعة والفائدة، وتحرص على ملء أوقات أبنائها بما ينمي إيمانهم وأخلاقهم وقدراتهم، وما يُغرس في نفوس الأبناء اليوم قد يكون أساسًا لصلاحهم وتميزهم في المستقبل، فكم من عادة حسنة بدأت في إجازة صيفية ثم أثمرت نجاحًا واستقامة طوال العمر!  

اجعلي للصيف أثرًا يبقى

       تمضي الإجازة الصيفية سريعًا كما مضت إجازات كثيرة قبلها، ولا يبقى منها إلا ما زرعناه فيها من خير وعلم وعمل صالح وذكريات نافعة، فالمرأة السعيدة من جعلت هذا الموسم فرصة للتقرب إلى الله، وبناء نفسها وأبنائها، وغرس القيم والعادات الحسنة التي تدوم آثارها بعد انتهاء الإجازة، فحددي لنفسك ولأسرتك أهدافًا واضحة، واجعلي لكل يوم نصيبًا من القرآن والعلم والعبادة وصلة الرحم، حتى يكون الصيف محطةً للارتقاء الإيماني والتربوي، وبدايةً لمرحلة أكثر قربًا من الله، وأعظم نفعًا للأسرة والمجتمع.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك