الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي(8) حصانة مقرّ البعثة الدبلوماسية
- تُعد حصانة مقر البعثة من أهم الضمانات القانونية التي تكفل للبعثات الدبلوماسية أداء وظائفها بِحُريَّة واستقلال بعيدًا عن تدخل الدولة المعتمد لديها
- تقوم رؤية الفقه الإسلامي في هذا المجال على أصل شرعي عام وهو حرمة المساكن والأماكن الخاصة وعدم جواز انتهاكها بغير حق
- الراجح فقهيًا وقانونيًا إقرار حصانة مقر البعثة الدبلوماسية مع عدم السماح باستغلالها في أعمال تضر بأمن الدولة أو تخالف الأنظمة والقوانين المشروعة
ما زلنا في استعراض البحث الموجز في أحكام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي، الذي تناول فيه مؤلفه الشيخ: د. وليد خالد الربيع (أستاذ الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة جامعة الكويت أهم ملامح هذا الجانب المهم من الدبلوماسية والعلاقات الدولية، مبيّنًا مواضع التلاقي والافتراق بينهما، ونتحدث في هذه الحلقة عن حصانة مقر البعثة الدبلوماسية.
أولاً: المقصود بمقر البعثة الدبلوماسية
يقصد بمقر البعثة الدبلوماسية جميع الأماكن التي تشغلها البعثة أو تستخدمها لأداء مهامها، سواء كانت مملوكة للدولة المرسلة أو مستأجرة في الدولة المعتمد لديها، ويشمل ذلك السفارة والقنصلية والملحقية ومنزل السفير ومساكن أعضاء البعثة، وما يتبعها من أراضٍ وحدائق ومواقف للمركبات. كما تشمل الحصانة محتويات هذه المقار من وثائق ومحفوظات ومراسلات وأثاث وأموال ووسائل نقل تابعة للبعثة، فجميعها تتمتع بالحماية المقررة لمقر البعثة الدبلوماسية.ثانياً: حصانة مقر البعثة الدبلوماسية
تقتضي طبيعة العمل الدبلوماسي أن تتمتع البعثات الدبلوماسية بمقار خاصة، تمارس من خلالها وظائفها بحرية واستقلال، بعيداً عن أي تأثير أو تدخل من الدولة المعتمد لديها. وقد أصبحت حصانة البعثة في القانون الدولي الحديث تستمد من حصانة الدولة التي تمثلها، لا من الحصانة الشخصية لرئيس البعثة أو أعضائها كما كان سائداً في الماضي. وقد نظمت المادة (22) من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية هذه الحصانة، فنصت على حرمة دار البعثة وعدم جواز دخول سلطات الدولة المعتمد لديها إليها إلا بموافقة رئيس البعثة، كما ألزمت تلك الدولة باتخاذ جميع التدابير المناسبة لحماية المقر من أي اقتحام أو ضرر أو إخلال بأمن البعثة أو مساس بكرامتها، وأعفت دار البعثة وأموالها وأثاثها ووسائل نقلها من إجراءات التفتيش أو الحجز أو التنفيذ. ومن ثم تلتزم الدولة المعتمد لديها بالتزامين رئيسين:- الأول: التزام إيجابي يتمثل في توفير الحماية اللازمة لمقر البعثة ضد أي اعتداء أو تخريب أو اقتحام، واتخاذ ما يلزم للمحافظة على أمنها وسلامتها، بما في ذلك حمايتها من المظاهرات وأعمال الشغب التي قد تهدد أمنها أو تعطل أداء وظائفها.
- الثاني: التزام سلبي يتمثل في الامتناع عن دخول مقر البعثة أو اتخاذ أي إجراء رسمي داخله دون موافقة رئيس البعثة، احتراماً لحرمة البعثة واستقلالها.
ثالثاً: موقف الفقه الإسلامي من حصانة مقر البعثة الدبلوماسية
لم يتناول الفقهاء المتقدمون هذه المسألة بطريقة مستقلة؛ ويرجع ذلك إلى أن نظام البعثات الدبلوماسية الدائمة لم يكن معروفاً في عصرهم؛ إذ كانت السفارات مؤقتة بطبيعتها. ومع ذلك كانت الدولة الإسلامية تخصص للوفود والرسل أماكن مناسبة للإقامة والضيافة، كما عُرفت في بعض العصور دور خاصة لاستقبال السفراء والوفود الأجنبية.حرمة المساكن والأماكن الخاصة
كما إن الشريعة الإسلامية قررت مبدأ عاماً يتمثل في حرمة البيوت والمساكن والأماكن الخاصة، وهو ما يغني عن النص على حصانة مقار البعثات بصفة مستقلة. ومن أبرز الأدلة على ذلك قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا}. وقد اختلف الباحثون المعاصرون في هذه المسألة؛ فذهب بعضهم إلى أن الإسلام لا يقر حرماً آمناً إلا ما وردت به النصوص الشرعية، كالحرمين الشريفين، ومن ثم لا يثبت لمقار البعثات ما يحد من سيادة الدولة الإسلامية. بينما ذهب جمهور الباحثين المعاصرين إلى أن الفقه الإسلامي يقر حصانة مقر البعثة الدبلوماسية ما دامت لا تستعمل فيما يضر بالدولة الإسلامية أو أمنها، كالتجسس أو إيواء المجرمين أو ممارسة الأعمال العدائية. واستند هذا الاتجاه إلى أدلة عدة، منها: عموم النصوص الدالة على حرمة المساكن، وأن الأصل في المعاملات والعلاقات الدولية الإباحة وتحقيق المصالح المعتبرة، إضافة إلى ما يترتب على منح الحصانة من مصالح راجحة للدولة الإسلامية وفق مبدأ المعاملة بالمثل؛ حيث ينعكس ذلك على حماية بعثاتها وممثليها في الدول الأخرى. كما إن الفقه الإسلامي قد أقر الحصانة الشخصية للمبعوث الدبلوماسي، فمن باب أولى إقرار حصانة مقر البعثة الذي يباشر منه أعماله ومهامه.مشروعية حصانة مقر البعثة الدبلوماسية
وعليه، فإن القول بمشروعية حصانة مقر البعثة الدبلوماسية هو الأقرب إلى مقاصد الشريعة وأصولها العامة، لما يحققه من مصالح معتبرة، ولانسجامه مع مقتضيات العلاقات الدولية المعاصرة، مع بقاء حق الدولة في اتخاذ ما يلزم إذا استُغلت هذه الحصانة في الإضرار بأمنها أو مصالحها، وهذا الاختصار يحافظ على نحو 75-80% من المادة الأصلية، مع حذف التكرار والتفصيلات التاريخية المطولة دون الإخلال بالمضمون العلمي.
لاتوجد تعليقات