دراسة شرعية ميدانية.. تداعيات قطع الأرحام والتباعد الأسري
إعداد: سالم الناشي - وائل سلامة
- الشيخ ناظم المسباح: من أسباب قطيعة الرحم الجهل بالحكم الشرعي المتعلق بصلة الأرحام
- الشيخ محمد الحمود : أظهرت إجابات المشاركين إدراكًا واضحًا بأهمية صلة الرحم ومعرفةً بوجوبها وعظيم فضلها
- صِلة الأرحام فريضة شرعية عظيمة وقطيعتــها محــرمـــة وقد تواترت نصوص القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية في الحث على صلتها والترغيب فيها والتحذير الشديد من التفريط في حقوقها أو قطعها
- يُعد الجهل بفضل صِلة الأرحام وخطورة قطيعتها من أبرز أسباب التقصير في أداء حقوق الأقارب وضعف التواصل بينهم
- تُعد صِلة الأرحام من أجلِّ العبادات التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى وليست مجرد عادة اجتماعية أو تقليد أسري متوارث
- تتجلى حقيقة صِلة الأرحام عند الجفاء والقطيعة فالواصل ليس من يكافئ الإحسان بمثله وإنما من يصل أقاربه ابتغاء مرضاة الله تعالى ولو قابلوه بالهجر أو الإساءة
- تُسهم صِلة الأرحام في تعزيز تماسك الأسرة واستقرار المجتمع وترسيخ قيم المحبة والتكافل والتراحم بين الأقارب ما ينعكس إيجابًا على قوة المجتمع وترابطه
- تبرز أهمية دور العلماء والخطباء والدعاة ووسائل الإعلام في نشر الوعي بأهمية صِلة الأرحام والتحذير من آثار القطيعة السلبية على الفرد والأسرة والمجتمع
- تُعد النزاعات المالية والخلافات على الميراث والشراكات غير المنضبطة بين الأقارب من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى قطع الأرحام واستمرار الخلافات الأسرية
- يمثل سوء الخلق أحد أهم أسباب تفكك العلاقات الأسرية؛ فالكِبر وسوء المعاملة وغياب الاحترام وكثرة اللوم والعتاب كلها عوامل تؤدي إلى النفور والتباعد بين الأقارب
- يسهم تعويد الأبناء على التواصل مع الأقارب وصلة أرحامهم منذ الصغر في ترسيخ هذه القيمة الإسلامية وتعزيز استمراريتها عبر الأجيال
- يعد الشح والبخل من أسباب القطيعة وكذلك النزاع على الأموال والميراث والانشغال المفرط بأمور الدنيا على حساب العلاقات الأسرية
- صلة الأرحام من أعظم أسباب تماسك الأسر واستقرار المجتمعات وانتشار روح المحبة والتكافل بين الناس
- يُعد التسامح والعفو من أهم الوسائل المحافظة على الروابط الأسرية فالأقارب غير معصومين من الخطأ واستمرار العلاقات الناجحة يتطلب التغافل عن الزلات وقبول الأعذار ومقابلة الإساءة بالإحسان
تعريف صِلة الرحم
صلة الأرحام: هي الإحسان إلى الأقارب والقيام بحقوقهم، وإظهار المودة لهم، وتقديمهم في البرّ والإحسان والهدية والصدقة وسائر وجوه المعروف؛ لما بينهم من روابط القرابة التي أمر الشرع برعايتها وتعظيم شأنها، ويتأكد هذا المعنى مع القريب الذي يُظهر الجفاء أو الإساءة؛ إذ إن من كمال الصلة الإحسان إلى المسيء، رجاء تأليف قلبه وإزالة ما في نفسه من بغضاء أو نفور. والمعنى الجامع لصِلة الأرحام هو: إيصال ما أمكن من الخير إلى الأقارب، ودفع ما أمكن من الشر عنهم، وقيل: إن صِلة الرّحم هي ضد القطيعة، فما عُدَّ في العُرف صِلة كان صلة، وما عُدَّ قطيعةً كان قطيعة.تعريف الواصل
الواصل حقيقةً ليس من يصل أقاربه مكافأةً لهم على إحسانهم إليه، وإنما هو الذي يصلهم ابتغاء مرضاة الله -تعالى-، سواء وصلوه أم هجروه، وأحسن إليهم سواء أحسنوا إليه أم أساؤوا؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها».حكم صِلة الأرحام
صلة الأرحام واجبة شرعًا، وقطيعتها محرمة، وقد جاءت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة بالأمر بها والترغيب فيها، والتحذير من قطعها والتفريط في حقوقها؛ قال تعالى:{وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ}، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه»، غير إن الهجر قد يُشرع في بعض الأحوال الاستثنائية إذا وجدت مصلحة شرعية راجحة، كأن يكون القريب صاحب بدعة أو معصية ظاهرة، وكان في هجره زجر له أو حماية لدين الهاجر، أو دفع لمفسدة متوقعة، وفي هذه الحال لا يُعد الهجر المحقق للمصلحة الشرعية من القطيعة المحرمة. والأصل أن المسلم يجمع بين المحافظة على صِلة رَحِمه والقيام بواجب النصيحة والدعوة إلى الله.الأقارب الواجب صلتهم
- اختلف أهل العلم في تحديد الأقارب الذين تجب صلتهم، والراجح أن الوجوب يتعلق بالأرحام المُحَرَّمَة من جهة النسب، وهم الأقارب الذين يحرم الزواج بينهم على التأبيد بسبب القرابة، كالأبوين والأجداد، والأبناء والأحفاد، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمّات، والأخوال والخالات، أما أولاد الأعمام والعمات، وأولاد الأخوال والخالات، فصلة الرّحم معهم مشروعة ومستحبة بلا شك، لكنها ليست في درجة الوجوب التي ثبتت للأرحام المحرمة، ويؤيد ذلك ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا يُجمع بين المرأة وعمّتها، ولا بين المرأة وخالتها»، وهو دليل على قوة هذه القرابة ومزيد تأكد حقها، وهذا التقسيم من جهة التأصيل العلمي والفقهي، أما من جهة العمل والفضل؛ فإن المسلم مأمور بصلة جميع أقاربه والإحسان إليهم بحسب استطاعته، فكلما اتسعت دائرة البر والإحسان، كان ذلك أكمل في الخلق وأعظم في الأجر.

فضائل صِلة الأرحام
من فضائل صِلة الرّحم ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم- بقوله: «من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه»، أي يُبارك له في عمره ورزقه، كما بيَّن - صلى الله عليه وسلم- حقيقة الواصل فقال: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها؛ فالصلة الحقيقية تظهر عند الجفاء والقطيعة، لا عند تبادل المعروف فقط. ومن عظيم مكانة القرابة في الإسلام أن النبي - صلى الله عليه وسلم- أرشد إلى تقديمها في أبواب الإحسان والصدقة، فقد قال لأم المؤمنين ميمونة -رضي الله عنها- عندما أعتقت وليدةً لها: «أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك»، كما قال - صلى الله عليه وسلم- لزينب امرأة عبدالله بن مسعود -رضي الله عنهما- حين سألت عن الصدقة على زوجها وأيتام في حجرها: «لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة». كما جاءت صِلة الأرحام ضمن الأعمال العظيمة التي تُقرِّب إلى الجنَّة وتُباعد من النار؛ فعن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - أن رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، فقال - صلى الله عليه وسلم-: «تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم»، كما أن الصدقة على ذوي الأرحام تمتاز بفضلٍ خاص؛ إذ تجمع بين أجر الصدقة وأجر الصلة؛ ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرّحم اثنتان: صدقة وصلة». ومن تأمل هذه النصوص أدرك أنَّ صِلة الأرحام ليست مجرد عادة اجتماعية أو علاقة إنسانية فحسب؛ بل هي عبادة عظيمة يتقرب بها العبد إلى ربه، وسبب لنيل رضوانه وبركته في الدنيا والآخرة، كما أنها من أعظم أسباب تماسك الأسر واستقرار المجتمعات وانتشار روح المحبة والتكافل بين الناس.كيفية صِلة الأرحام
لم يحدد الشرع لصلة الرّحم طريقة معينة أو مقدارًا محددًا يلزم جميع الناس على حدٍّ سواء، بل ترك ذلك للأعراف الصحيحة والأحوال المختلفة، مراعيًا تفاوت الناس في قدراتهم وظروفهم واحتياجاتهم، فما دام المسلم لا يهجر أقاربه ولا يقطع التواصل معهم، ويحرص على صلتهم بما تيسر له من وسائل البر والإحسان، فإنه لا يُعد قاطعًا لرحمه.درجات متفاوتة
وصلة الأرحام درجات متفاوتة؛ بعضها أكمل وأعظم أجرًا من بعض، وأدنى مراتبها ترك الهجر والمقاطعة، والمحافظة على التواصل بالكلام والسلام ونحوهما، وأعلاها ما كان مقرونًا ببذل المعروف والإحسان المتواصل. كما تختلف الصلة باختلاف القدرة والحاجة؛ فمنها ما يكون واجبًا، ومنها ما يكون مستحبا، فمن أدى بعض ما يقدر عليه من الصلة لم يُعد قاطعًا، وإن لم يبلغ أعلى درجاتها، كما أن من قصَّر فيما ينبغي له فعله لا يستحق وصف الواصل الكامل.
وسائل متنوعة
وتتحقق صِلة الأرحام بوسائل متنوعة، من أبرزها:- زيارة الأقارب، وتفقد أحوالهم، والسؤال عنهم، وتبادل الهدايا معهم، وإدخال السرور عليهم، والتصدق على محتاجهم، ومواساة فقيرهم، والتلطف مع غنيهم، واحترام كبيرهم، والرحمة بصغيرهم.
- كما تكون الصلة بحسن استقبالهم وإكرامهم، واستضافتهم، ومشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم، وعيادة مرضاهم، وإجابة دعوتهم، والدعاء لهم بظهر الغيب، وسلامة الصدر نحوهم، وإظهار المحبة والاهتمام بهم.
- ومن أعظم أنواع الصلة أيضًا دعوتهم إلى الخير، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، وإعانتهم عند الحاجة، والوقوف إلى جانبهم في الشدائد، وبذل المال لهم عند الحاجة، ودفع الضرر عنهم، واستعمال طلاقة الوجه، ولين الكلام، وإفشاء السلام.
- وخلاصة الأمر أن صِلة الأرحام هي الإحسان إلى الأقارب بجميع السبل المشروعة، بحسب حال الواصل والموصول، وبما يحقق مقصود الشريعة من توثيق أواصر المحبة والتراحم والتكافل بين أفراد الأسرة والمجتمع.
التحذير من قطع الأرحام
جاءت نصوص الكتاب والسُنَّة مؤكدةً حرمة قطع الأرحام، ومبينةً ما يترتب عليها من الوعيد الشديد والعقوبات الدنيوية والأخروية؛ لما فيها من الإفساد في الأرض، وتفكيك الروابط الأسرية، وإشاعة البغضاء بين الأقارب، فقد قال الله -تعالى-: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} (الرعد: 25)، وعن جبير بن مطعم - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يدخل الجنة قاطع»، قال سفيان في روايته: يعني قاطع رحم، وقال -سبحانه-: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} (محمد)، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله -تعالى- خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم قامت الرّحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك»، ثم قال - صلى الله عليه وسلم-: «اقرؤوا إن شئتم: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}، وفي رواية للبخاري -رحمه الله- أن الله -تعالى- قال للرحم: «من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته»، وعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «الرّحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله».تعريف قطع الأرحام
اختلف أهل العلم في تحديد معنى قطع الأرحام، إلا أن أقوالهم تدور حول معنى جامع، وهو ترك ما يجب للأقارب من الصلة والإحسان، أو معاملتهم بما ينافي ذلك من الهجر والإساءة بغير حق، وقد عدَّ كثير من العلماء قطع الأرحام من كبائر الذنوب؛ لما ورد فيها من الوعيد الشديد في الكتاب والسُنَّة، ومن هؤلاء الإمام المناوي -رحمه الله-، والإمام الذهبي -رحمه الله-؛ حيث عدَّ الذهبي هجر الأقارب وقطيعتهم من الكبائر في كتابه الكبائر، وعلى هذا، فإنَّ قطع الأرحام المحرمة ليست مجرد قلة الزيارة أو ضعف التواصل فحسب، وإنما تتحقق بما يُعد في العرف هجرًا وإعراضًا وإساءةً للأقارب، أو تركًا لما أوجبه الشرع من حقوقهم، بحسب درجة القرابة والحاجة والعرف السائد بين الناس.
أسباب قطع الأرحام
تتعدد الأسباب التي تؤدي إلى قطع الأرحام وتفكك الروابط الأسرية، ومن أبرزها:- الجهل بفضل صِلة الأرحام وخطورة قطيعتها، وضعف التقوى والوازع الديني، والكبر والتعالي على الأقارب، والانقطاع الطويل الذي يُورث الجفوة والوحشة، وكثرة العتاب واللوم، والتكلف الزائد في المناسبات والزيارات، وقلة الاهتمام بأحوال الأقارب وشؤونهم.
- كما يُعد الشح والبخل من أسباب القطيعة، وكذلك النزاع على الأموال والميراث، والشراكات المالية بين الأقارب إذا لم تُبنَ على الوضوح والعدل، والانشغال المفرط بأمور الدنيا على حساب العلاقات الأسرية، وما ينشأ أحيانًا من خلافات بسبب الطلاق والمصاهرة.
- ومن الأسباب كذلك: بُعد المسافات، والتكاسل عن الزيارة والتواصل، وقلة الصبر على ما قد يصدر من الأقارب من أخطاء أو تقصير، وإهمال دعوتهم في المناسبات والولائم، والحسد وسوء الظن، والإصغاء إلى الوشاة والنمامين، وكثرة المزاح الجارح، وسوء الخلق، إضافة إلى غير ذلك من الأسباب التي تُضعف أواصر المودة وتُفضي إلى التباعد والتقاطع بين الأقارب.
البدر: آثار حميدة وعوائد مباركة
قال الشيخ عبدالرزاق عبد المحسن البدر: صلة الرحم لها من الآثار الحميدة والعوائد المباركة والخيرات العميمة في الدنيا والآخرة ما لا يُعَدُّ ولا يُحصى ؛ فصِلَتُها -معاشر المؤمنين- سببٌ لسعة الرزق وكثرته ، وراحة القلب وطمأنينته ، وزيادة العمر وبركته ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، ويُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»، والقطيعة -وهي ضد الصلة- شؤمٌ كلها ، ومضرةٌ كلها، وعواقبها على القاطع وخيمة في الدنيا والآخرة ؛ فهي موجبةٌ للخسران، ومعقِبةٌ للحرمان في الدنيا والآخرة .ذوو الرّحم ليسوا معصومين
من الأمور المهمة أن نعلم ذوي الرّحم غيرُ معصومين، يتعرّضون للزّلَل، ويقَعون في الخَلل، وتصدُر منهم الهَفوة، ويقَعون في الكبيرة، فإن بَدَر منهم شيءٌ من ذلك فالزَم جانبَ العفوِ معهم؛ فإنَّ العفوَ من شِيَم المحسنين، وما زادَ الله عبدًا بعفو إلاّ عِزًّا، وقابِل إساءَتهم بالإحسان، واقبل عُذرَهم إذا أخطؤوا، ولقد فعل إخوة يوسفَ مع يوسفَ ما فعلوا، وعندما اعتذروا قبِل عذرهم وصفَح عنهم الصفحَ الجميل، ولم يوبِّخهم، بل دعا لهم وسأل الله المغفرةَ لهم، قال: {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرحِمِينَ}( يوسف: 92).العثيمين: عبادة لا تقوم على المعاملة بالمثل
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-: من المؤسف أن كثيرًا من المسلمين قصَّروا في أداء حقوق الوالدين والأرحام، وتركوا صلتهم بحجة أن أقاربهم لا يصلونهم، وهذه حجة غير مقبولة شرعًا؛ لأن الصلة الحقيقية ليست مبنية على المعاملة بالمثل، وإنما هي طاعة لله -تعالى- وابتغاء لمرضاته. وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بقوله: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطِعت رحمه وصلها» رواه البخاري. فالواصل حقًا هو من يحافظ على صلة رحمه ويحسن إليهم ولو قصروا في حقه أو قطعوه.ابن باز: أحسن إليهم وإن أساؤوا إليك
سُئل سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز -رحمه الله- عن حكم قطيعة الرحم بسبب الشحناء والعداوة، فأكد أن قطيعة الرحم من كبائر الذنوب، مستدلًا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم-: «لا يدخل الجنة قاطع رحم»، وبيَّن أن الواجب على المسلم أن يصل رحمه ويحسن إليهم وإن أساؤوا إليه، وأن يسعى إلى معالجة أسباب الشحناء بالحكمة والرفق والاستعانة بأهل الخير والإصلاح، وألا يستمر في القطيعة بسبب الخلافات الشخصية، وبين أن الهجر قد يُشرع في حالات خاصة تتعلق بالبدع أو المعاصي الظاهرة إذا ترتبت عليه مصلحة شرعية، أما الشحناء الدنيوية فلا تسوغ قطيعة الرحم، بل الواجب السعي إلى إزالة أسبابها وإحلال المودة والصلة محلها.الخضير: قطع الأرحام من كبائر الذنوب
سُئل فضيلة الشيخ عبد الكريم بن عبد الله الخضير -حفظه الله- عن حكم التسبب في قطيعة الأرحام، فأكد أن قطيعة الرحم من كبائر الذنوب وعظائم الآثام، وقد توعَّد الله أصحابها باللعن في قوله -تعالى-: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ» (محمد). وبيَّن أن المتسبب في القطيعة شريكٌ للقاطع في الإثم؛ لأن التسبب في المعصية له حكم المشاركة فيها، ما يوجب على الطرفين المبادرة إلى التوبة، والسعي الجاد إلى إصلاح ما أفسدته القطيعة وإعادة روابط المودة والصلة بين الأقارب.خلاصة فقه صِلة الأرحام
صلةُ الأرحام من الفرائض العظيمة التي أوجبها الله -تعالى- على عباده، والمقصود بها الإحسان إلى الأقارب ورعايتهم بحسب القدرة والحال، وتتحقق بالزيارة، والسؤال عن الأحوال، وبذل المال، والكلمة الطيبة، وقضاء الحاجات، ومواساتهم عند الشدائد، والصفح عن الزلات، والتغاضي عن الهفوات، ولأهمية صِلة الرّحم حثَّت الشريعة على تعلُّم الأنساب ومعرفتها، مع نهيها عن التفاخر بها؛ لأن المقصود من معرفتها تحقيق مصلحةٍ شرعية عظيمة، وهي وصل الأقارب وأداء حقوقهم. قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «تعلَّموا من أنسابِكم ما تصِلونَ أرحامَكم فإنَّ صِلة الرّحم منسأة في الأثرِ مثراةٌ للمالِ»، وخلاصة الأمر أن صِلة الرّحم ليست مجرد زيارة عابرة، بل هي منهجٌ متكامل يقوم على الإحسان، وبذل المعروف، وحفظ المودة، وتقوية أواصر الأسرة، تحقيقًا لأمر الله -تعالى-، ونيلًا لبركة العمر وسعة الرزق، وحفظًا للمجتمع من أسباب الفرقة والتفكك.- توصي الدراسة بتعزيز الوعي بأهمية صِلة الرّحم والمحافظة على العلاقات الأسرية، وتطوير مبادرات اجتماعية وإرشادية تسهم في الحد من حالات الانقطاع بين الأقارب وتعزيز الترابط الأسري.
- توصي النتائج بتشجيع المبادرات والأنشطة الأسرية والاجتماعية التي تعزز التواصل المستمر بين الأقارب، لما لذلك من دور في تقوية الروابط الأسرية وزيادة التماسك الاجتماعي
- توصي الدراسة بتعزيز الوعي الشرعي والاجتماعي بأهمية معالجة الخلافات المالية بين الأقارب بالعدل والشفافية، واللجوء إلى الحوار والإصلاح والتحكيم الشرعي عند نشوب النزاعات
- توصي الدراسة بتعزيز البرامج التوعوية والتربوية التي تشجع على صِلة الأرحام، وإبراز آثارها الإيجابية في تقوية العلاقات الأسرية
- توصي الدراسة بتعزيز البرامج التوعوية والتربوية التي تنمي قيم التسامح والعفو والحوار البنّاء بين أفراد الأسرة، وتشجع على تجاوز الخلافات
- توصي الدراسة بالعمل على جعْل وسائل التواصل الحديثة وسيلة داعمة لا بديلة عن التواصل المباشر، من خلال تشجيع المبادرات الأسرية
- توصي الدراسة بتعزيز ثقافة الحوار والتسامح وتحمل المسؤولية المشتركة بين الأقارب <تعزيز برامج التوعية الأسرية ومهارات إدارة الخلافات وحل النزاعات داخل الأسرة، مع تفعيل دور المصلحين والأقارب
دراسة ميدانية عن قطع الأرحام
أجرت مجلة الفرقان دراسة ميدانية للتعرف على واقع ظاهرة قطيعة الأرحام ومستوى الوعي المجتمعي بأسبابها وآثارها وسبل علاجها؛ حيث وُزِّعت استبانة مكوَّنة من (17 سؤالًا) عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وشارك في الإجابة (310) مشاركين؛ بلغ الذكور منهم نسبة (43 %)، مقابل (57 %) من الإناث. وفيما يتعلق بالحالة الاجتماعية فقد بلغ نسبة المتزوجين المشاركين: 89 %، وغير المتزوجين: 11 %، وأما الفئات العمرية فقد بلغت نسبة المشاركين ممن تقل أعمارهم عن: (20 عامًا) (2 %)، بينما بلغت نسصبة المشاركين من الفئة العمرية بين: (20-39) عامًا (17 %)، في حين استحوذت الفئة العمرية التي تزيد على أربعين عامًا على النسبة الأكبر من المشاركين بواقع: (81 %). أما من حيث المستوى التعليمي، فقد جاءت النسبة الأعلى من المشاركين من خريجي الجامعة بنسبة: (46 %)، تلاهم حملة الدراسات العليا بنسبة: (15 %)، ثم حملة الشهادات الثانوية والدبلوم بنسبة: (39 %)، وهو ما يعكس تنوعًا علميًّا ومعرفيًّا في عينة الدراسة، ويُضفي على نتائجها قدرًا من الموثوقية والاتزان في تمثيل الوعي المجتمعي تجاه قطيعة الأرحام.
منهجية العمل
اعتمدت هذه الدراسة الميدانية على المنهج الوصفي التحليلي؛ بهدف التعرف إلى واقع ظاهرة قطيعة الأرحام ومستوى الوعي المجتمعي بأسبابها وآثارها وسبل الحد منها، وذلك وفق الإجراءات الآتية:- أعدت استبانة علمية مكوَّنة من (17) سؤالًا، تناولت أبرز الجوانب المرتبطة بظاهرة قطيعة الأرحام، ومستوى الوعي الشرعي والاجتماعي بأسبابها وآثارها على الفرد والأسرة والمجتمع.
- عُرضت الاستبانة على عدد من المختصين والمهتمين؛ للتأكد من سلامة صياغتها وملاءمة أسئلتها وتحقيقها للأهداف المرجوة منها.
- نُشرت الاستبانة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واستهدفت عيِّنة عشوائية من المشاركين داخل دولة الكويت وخارجها؛ بما يسهم في توفير مؤشرات متنوعة حول موضوع الدراسة.
- التزمت مجلة الفرقان بالحياد والموضوعية في جمع البيانات وتحليلها وعرض نتائجها، بما يضمن دقة النتائج ومصداقيتها.
- جرى تحليل البيانات واستخلاص مجموعة من النتائج والتوصيات التي تسهم في تعزيز الوعي الشرعي والأخلاقي بأهمية صلة الرحم، والتحذير من آثار القطيعة السلبية على الفرد والأسرة والمجتمع.
تحليل أسئلة الاستبانة
1- هل تعلم أن صِلة الرّحم من أعظم الواجبات الشرعية؟- تشير نتائج الاستبانة إلى ارتفاع مستوى الوعي لدى أفراد العينة بأهمية صِلة الأرحام بوصفها من أعظم الواجبات الشرعية؛ حيث بلغت نسبة من أجابوا بـ(نعم) 98% من إجمالي 312 مشاركًا، في حين كانت نسبة من أجابوا بـ(إلى حد ما) 2%، ولم تُسجل نسبة تُذكر لعدم المعرفة، وتدل هذه النتائج على رسوخ الإدراك الشرعي لمكانة صِلة الرّحم لدى أفراد العينة.

- تُظهر نتائج الاستبانة أن غالبية أفراد العينة يدركون أن قطع الأرحام من كبائر الذنوب؛ حيث بلغت نسبة الذين أجابوا بـ(نعم) 94% من إجمالي 312 مشاركًا، مقابل 6% أجابوا بـ(لا)، وتعكس هذه النتائج مستوى مرتفعًا من الوعي الشرعي بخطورة قطيعة الرّحم وآثارها السلبية على الفرد والأسرة والمجتمع.

- تشير نتائج الاستبانة إلى وجود اتفاق شبه تام بين أفراد العينة على أن قطع الأرحام يؤثر سلبًا في تماسك الأسرة؛ حيث بلغت نسبة الذين أجابوا بـ(نعم) 94%، فيما رأى 6% أن تأثيره يكون إلى حدٍّ ما، بينما كانت نسبة من لا يرون وجود تأثير تُعد ضئيلة جدا. وتعكس هذه النتائج إدراكًا مجتمعيا مرتفعًا للعلاقة الوثيقة بين صِلة الرّحم واستقرار الأسرة وتعزيز الترابط بين أفرادها.

- تُظهر نتائج الاستبانة أن تصرفات الطرف الآخر تُعد السبب الرئيس في حدوث قطيعة الأرحام من وجهة نظر أفراد العينة؛ حيث اختارها 53% من المشاركين، تلتها تدخلات طرف ثالث بنسبة 32%، بينما رأى 15% أن السبب يعود إلى تصرفاتهم الشخصية. وتشير هذه النتائج إلى أن غالبية المشاركين يميلون إلى إرجاع أسباب القطيعة إلى عوامل خارجية أكثر من إرجاعها إلى ذواتهم، ما يعكس أهمية معالجة الخلافات وسوء الفهم والتأثيرات الخارجية في العلاقات الأسرية.

- تُظهر نتائج الاستبانة أن غالبية أفراد العينة 71% يرون أن المبادرة بإعادة صِلة الأرحام ينبغي أن تبدأ من الشخص نفسه، بينما يرى 18% أن للأقارب دورًا في المبادرة والإصلاح، في حين اعتبر 11% أن الطرف الآخر هو الأولى بالمبادرة، وتعكس هذه النتائج ارتفاع مستوى الشعور بالمسؤولية الفردية تجاه إصلاح العلاقات الأسرية، وإدراك أهمية المبادرة الذاتية في إنهاء القطيعة وإعادة الروابط الأسرية.

- تشير نتائج الاستبانة إلى أن غالبية أفراد العينة يوافقون على أن كثيرًا من الناس يجهلون الآثار السلبية المترتبة على قطيعة الأرحام؛ حيث بلغت نسبة الموافقين 67%، فيما أجاب 29% بـ(إلى حد ما)، بينما كانت نسبة غير الموافقين منخفضة ولم تتجاوز 4% تقريبًا. وتعكس هذه النتائج وجود قناعة واسعة بأن ضعف الوعي بآثار قطيعة الرّحم يمثل أحد العوامل المؤثرة في استمرار هذه الظاهرة.

- تُظهر نتائج الاستبانة تباينًا في آراء المشاركين حول إسهام وسائل التواصل الحديثة في تقوية صِلة الأرحام؛ إذ بلغت نسبة الذين أجابوا بـ(إلى حد ما) 39%، تلتها نسبة غير الموافقين 34%، ثم الموافقون 27%، وتشير هذه النتائج إلى أن أفراد العينة لا يتفقون اتفاقا قاطعا على فاعلية وسائل التواصل الحديثة في تعزيز صِلة الرحم، ما يعكس تفاوتًا في تقييم أثرها بين الإسهام الإيجابي والاكتفاء بالتواصل الشكلي.

- تشير نتائج الاستبانة إلى وجود اتفاق واسع بين أفراد العينة على أن ضعف الوازع الديني يُعد من الأسباب الرئيسة المؤدية إلى قطيعة الأرحام؛ حيث بلغت نسبة الموافقين 86%، فيما أجاب 12% بـ(إلى حد ما)، بينما كانت نسبة غير الموافقين محدودة جدا ولم تتجاوز 2% تقريبًا، وتعكس هذه النتائج إدراكًا مرتفعًا لأهمية القيم الدينية في تعزيز صِلة الأرحام والحد من مظاهر القطيعة والتفكك الأسري.

- تشير نتائج الرسم البياني إلى أن أكثر من نصف أفراد العينة (57%) يوافقون على أن الخلافات المادية تُعد من أسباب قطع الأرحام، بينما يرى (34%) أنها تُسهم في ذلك إلى حدٍّ ما، في حين عارض هذه الفكرة (9%) فقط، مع نسبة ضئيلة جدا (1%) لاختيار آخر. وتُظهر هذه النتائج وجود إدراك واسع لدى أفراد العينة للدور السلبي الذي قد تؤديه النزاعات المالية والخلافات المتعلقة بالميراث أو الديون أو الشراكات في إضعاف العلاقات الأسرية وقطع أواصر الرحم.

- تشير نتائج الاستبانة إلى اتفاق شبه إجماعي بين أفراد العينة على أن قطيعة الأرحام تؤدي إلى ضعف العلاقات الأسرية؛ حيث بلغت نسبة الموافقين 96% من إجمالي المشاركين، في حين أجاب 4% بـ(إلى حد ما)، ولم تُسجل نسبة تُذكر لغير الموافقين. وتؤكد هذه النتائج الإدراك المجتمعي المرتفع للدور المحوري الذي تؤديه صِلة الأرحام في تعزيز التماسك الأسري والمحافظة على استقرار العلاقات بين أفراد الأسرة.

- تُظهر نتائج الاستبانة اتفاقًا شبه إجماعي بين أفراد العينة على أن صِلة الأرحام تسهم في زيادة المحبة والتعاون بين أفراد العائلة؛ إذ بلغت نسبة الموافقين (96%) من إجمالي المشاركين، في حين بلغت نسبة من أجابوا بـ«إلى حد ما» (4%)، ولم تُسجل أي نسبة تُذكر لعدم الموافقة. وتدل هذه النتائج على وعي مجتمعي مرتفع بالدور الإيجابي لصلة الرّحم في تعزيز التماسك الأسري وترسيخ قيم المودة والتعاون بين الأقارب.

- تشير نتائج الاستبانة إلى وجود اتفاق شبه كامل بين أفراد العينة على أن التواصل مع الأقارب يُعد واجبًا دينيًا وأخلاقيًا؛ حيث بلغت نسبة الموافقين 98% من إجمالي المشاركين، في حين بلغت نسبة من أجابوا بـ«إلى حد ما2% ولم تُسجل أي نسبة تُذكر لعدم الموافقة. وتعكس هذه النتائج ارتفاع مستوى الوعي لدى أفراد المجتمع بمكانة صِلة الأرحام وأهميتها بوصفها قيمة دينية وأخلاقية راسخة تسهم في تعزيز الترابط الاجتماعي والاستقرار الأسري.

- تشير نتائج الاستبانة إلى أن غالبية المشاركين (81%) يرون أن الخلافات العائلية تُعد سببًا رئيسًا في قطع الأرحام، بينما أفاد (18%) بأنها تؤثر إلى حدٍّ ما، في حين لم تتجاوز نسبة غير الموافقين (1%)؛ وتعكس هذه النتائج إدراكًا مجتمعيًا واسعًا للدور المحوري الذي تؤديه الخلافات الأسرية في إضعاف الروابط العائلية والتسبب في تفكك العلاقات بين الأقارب.

- أظهرت نتائج السؤال المتعلق بإمكانية تجاوز الخلافات للحفاظ على صِلة الأرحام أن نسبة (70%) من أفراد العينة أكدوا قدرتهم على تجاوز الخلافات، بينما أفاد (25%) بأنهم يستطيعون ذلك إلى حد ما، في حين بلغت نسبة الذين لا يستطيعون تجاوز الخلافات نحو (5%). وتشير هذه النتائج إلى وجود اتجاه إيجابي لدى غالبية أفراد العينة نحو المحافظة على صِلة الأرحام وتغليب العلاقات الأسرية على الخلافات الشخصية، ما يعكس وعيًا بأهمية الترابط الأسري واستمرارية العلاقات الاجتماعية.

- أظهرت نتائج السؤال الخاص بمعدل التواصل مع الأقارب: أن التواصل الأسبوعي يمثل النمط الأكثر انتشارًا بين أفراد العينة بنسبة (50%)، يليه التواصل الشهري بنسبة (20%)، ثم التواصل اليومي بنسبة (16%)، بينما بلغت نسبة من يتواصلون مع أقاربهم نادرًا (14%). وتشير هذه النتائج إلى تمتع أغلبية أفراد العينة بمستوى مقبول من التواصل الأسري، مع ميل واضح نحو التواصل الدوري الأسبوعي أكثر من التواصل اليومي.

- أظهرت نتائج السؤال الخاص بالانقطاع عن أحد الأقارب لفترة طويلة أن نسبة (62%) من أفراد العينة سبق لهم التعرض لهذه التجربة، مقابل (38%) لم يسبق لهم ذلك. وتشير هذه النتيجة إلى شيوع ظاهرة الانقطاع بين الأقارب لدى أفراد العينة، ما يعكس وجود عوامل اجتماعية أو أسرية قد تؤثر في استمرارية العلاقات القرابية، ويؤكد الحاجة إلى دراسة أسباب هذه الظاهرة وآثارها على التماسك الأسري والاجتماعي.

- أظهرت نتائج السؤال المتعلق بمحاولة الإصلاح عند حدوث الخلاف أن نسبة (49%) من أفراد العينة يسعون دائمًا إلى الإصلاح، و(41%) يحاولون ذلك أحيانًا، بينما بلغت نسبة من يحاولون الإصلاح نادرًا (6%)، وبلغت نسبة من لا يحاولون الإصلاح 4% وتشير هذه النتائج إلى وجود توجه إيجابي لدى غالبية أفراد العينة نحو معالجة الخلافات والحفاظ على العلاقات الأسرية والاجتماعية من خلال السعي إلى الإصلاح والتسوية.

آراء العلماء والمشايخ
- الياسين: ما أحوج مجتمعاتنا إلى قلوب رحيمة تتطلع إلى ما عند الله من الأجر والثواب فتسعى في الإصلاح وتجمع الشمل وتطفئ نيران الخلاف وتعيد للمجتمع أواصر المودة والتراحم
- د. اللوغاني: تُعد هذه الدراسة من الدراسات المتميزة لما توفره من قراءة واقعية لواقع صلة الأرحام في المجتمع وما تقدمه من مؤشرات تساعد على تشخيص جوانب القوة والقصور بما يسهم في وضع الحلول المناسبة وتعزيز قيم التواصل والتراحم بين الأقارب
- أسهمت وسائل التواصل في تقريب البعيد لكنها قد تكون سببًا للخلاف والتباعد إذا أسيء استخدامها
- حقيقة صلة الأرحام تتمثل في دوام التواصل والاهتمام والسؤال وتفقد الأحوال ومساندة الأقارب في وقت الشدائد قبل الرخاء
- النجدي: أظهرت إجابات المشاركين إدراكًا واضحًا بأهمية صلة الرحم ومعرفةً بوجوبها وعظيم فضلها ولم يبقَ بعد العلم إلا الامتثال والاستجابة لأمر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -
- كشفت الدراسة الحاجة إلى تعزيز دور المعلمين والخطباء والدعاة ووسائل الإعلام في نشر الوعي بأهمية صلة الرحم وآثارها الإيجابية
- لا يقاس نجاح العلاقة الأسرية بعدد الزيارات أو الاتصالات فقط وإنما بوجود المحبة والقبول والثقة وحسن المعاملة بين الأقارب
- المسباح: من أبرز أسباب قطيعة الرحم الجهل بالحكم الشرعي المتعلق بصلة الأرحام وضعف معرفة الناس بالأدلة الشرعية التي تحث عليها وتبين فضلها وخطورة التفريط فيها
- أكدت النتائج أن الكبر وسوء المعاملة وغياب الاحترام المتبادل من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى النفور والتباعد بين الأقارب التواصل بينهم
- بينت الدراسة أن قطيعة الرحم لم تعد بالحدة التي كانت عليها في الماضي وإن كانت لا تزال موجودة بدرجات متفاوتة في بعض الأسر والعائلات
- ضعف المعرفة بالأحكام الشرعية المتعلقة بِصلة الرّحم وفضلها وعقوبة قطيعتها من أهم العوامل المؤدية إلى التقصير في أداء حقوق الأقارب
الجهل بالحكم الشرعي

ضعف دور المُربّين
كما أكد أن من أسباب تفاقم هذه الظاهرة ضعف دور المربين من المعلمين والخطباء والدعاة والمفكرين في بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بصلة الرحم، وتوعية الناس بفضائلها وآثارها الإيجابية على الفرد والأسرة والمجتمع؛ ولذلك تبرز الحاجة إلى تكثيف الجهود التوعوية عبر الخطب والدروس والمحاضرات ووسائل الإعلام المختلفة؛ لترسيخ هذا الواجب الشرعي في نفوس الناس، وتعزيز ثقافة التواصل والتراحم بين الأقارب.سوء الأخلاق
وأضاف؛ لا شك أن لسوء الأخلاق أيضًا أثرا كبير في وقوع قطيعة الأرحام؛ فالإنسان سيئ الخلق ينفر الناس من حوله، بينما يجذبهم حسن الخلق ولين الجانب؛ ولهذا جاءت نصوص الكتاب والسنة مؤكدة مكارم الأخلاق، داعية إلى التواضع والرفق والإحسان وحسن المعاملة؛ لأن الأخلاق الحسنة من أعظم أسباب الألفة والمحبة واجتماع القلوب، وكم من علاقاتٍ أسرية وروابطَ عائليةٍ تقطعت؛ بسبب الكبر وسوء المعاملة وغياب الاحترام المتبادل، حتى أصبح بعض الأقارب ينفرون من بعضهم بسبب تصرفات لا تليق بأهل الرحم والقرابة؛ فالأخلاق هي التي تجمع الناس وتوثق روابطهم، وهي أساس التعاون والتكافل والتراحم بينهم.حقيقة صلة الأرحام
وختم الشيخ المسباح كلامه بالتأكيد على أن صلة الرحم لا تقتصر على الاجتماع في المناسبات والأفراح أو المشاركة في العزاء، ثم ينقطع التواصل بعد ذلك، بل حقيقتها دوام السؤال والاهتمام، وتفقد الأحوال، والوقوف مع الأقارب في الشدائد قبل الرخاء؛ فكثير من الناس قد يمر بمحنة أو حاجة فلا يجد من يسانده أو يواسيه؛ بسبب ضعف الروابط الأسرية وانقطاع أواصر المودة.إدراك أهمية صلة الرحم

الاستجابة لأمر الله -تعالى-
وختم الشيخ النجدي كلامه قائلاً: كثير من الناس إنما يقعون في تكرار المعاصي والعودة إليها بسبب تأخرهم في الاستجابة لأوامر الله -تعالى-، مع علمهم بالحق ودعوتهم إليه، وقد أشار الله إلى هذا المعنى في قوله -سبحانه-: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} (الأنعام: 110)، أي: بسبب عدم استجابتهم للحق حين جاءهم أول مرة؛ فكانت العقوبة أن قُلِّبت قلوبهم وأبصارهم عن الهدى، فنسأل الله -تعالى- أن يرزقنا سرعة الامتثال لأوامره، وحسن الاستجابة لشرعه، وأن يشرح صدورنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من الواصلين لأرحامهم القائمين بحقوقها.قراءة واقعية للواقع

ثلاث قضايا رئيسة
وعن قضية قطع الأرحام قال: يمكن القول إن ظاهرة قطيعة الرحم لم تعد بالحدة التي كانت عليها في السابق؛ فقد كانت القطيعة في بعض الأحيان تمتد عبر الأجيال، حتى إن بعض الآباء كانوا يوصون أبناءهم قبل وفاتهم بعدم زيارة بعض الأقارب أو التواصل معهم، ما يعكس حجم المشكلة في تلك الفترات، ويمكن الإشارة إلى ثلاث قضايا رئيسة ترتبط بنتائجها:- أولًا: تنامي الوعي المجتمعي
- ثانيًا: أثر وسائل التواصل
- ثالثًا: دور الوالدين
كم مرة تتواصل مع أقاربك؟
وتعليقًا على سؤال: كم مرة تتواصل مع أقاربك؟ أشار د. اللوغاني إلى أن نتائج هذا السؤال جاءت مطمئنة ومبشرة بالخير، وتعكس -بإذن الله تعالى- مستوى جيدا من الوعي بأهمية التواصل مع الأقارب والمحافظة على الروابط الأسرية. وأوضح أن التواصل لا يقتصر على مجرد الاتصال أو تبادل الكلمات، بل إن الأهم منه هو التواصل القلبي والمشاعر الصادقة التي تجمع بين الأقارب؛ فقد لا يلتقي الإنسان ببعض أقاربه إلا مرات قليلة خلال العام، ومع ذلك يشعر بالقرب منهم والارتياح في التعامل معهم؛ لما يجده من محبة وتقدير وقبول متبادل، وفي المقابل، قد يرى بعض الأقارب يوميا، لكنه لا يجد بينهم مساحة من الألفة أو الثقة التي تسمح بطرح القضايا الشخصية أو مناقشة همومه الخاصة.المعيار الحقيقي
وأكد أن المعيار الحقيقي في التواصل الأسري ليس كثرة اللقاءات فحسب، وإنما سهولة التعامل وحسن المعاشرة ولين الجانب، وفي هذا المعنى يُستحضر قول النبي - صلى الله عليه وسلم-: «إن الله حرَّم على النار كلَّ هيِّنٍ ليِّنٍ سهلٍ قريبٍ من الناس»، فهذه الصفات من أهم ما ينبغي أن يتحلى به الأقارب فيما بينهم؛ لأنها أساس المحبة واستمرار العلاقات الأسرية. فإذا وُجدت هذه المعاني داخل الأسرة كانت العلاقة مستقرة ومثمرة، أما إذا غابت فإن ذلك يعد من أبرز أسباب الخلل والتباعد بين الأقارب.
الاستفادة من وسائل التواصل
كما شدد على أهمية الاستفادة من وسائل التواصل الحديثة في تعزيز صلة الرحم، مبينًا أن الرسائل النصية وسيلة نافعة ومطلوبة، إلا أن التواصل الصوتي المباشر يبقى أكثر أثرًا في توثيق العلاقات الأسرية؛ لما يحمله من مشاعر المودة وصدق الاهتمام ونبرة المحبة التي يصعب نقلها عبر الرسائل المكتوبة، ولذلك فإن الحرص على المكالمات الهاتفية والتواصل المباشر يسهم بطريقة كبيرة في تعزيز التقارب الأسري وتقوية الروابط بين الأقارب والأصدقاء، وهو ركيزة مهمة من ركائز البناء الأسري الناجح.الانقطاع عن الأرحام
وتعليقًا على سؤال: هل سبق أن انقطعت عن أحد من أقربائك لفترة طويلة؟ قال د. اللوغاني: كما أشرت سابقًا، فإن ظاهرة قطيعة الرحم -ولله الحمد- أصبحت أقل انتشارًا مما كانت عليه في السابق، وإن كانت لا تزال موجودة في بعض الأسر والعائلات بدرجات متفاوتة. ونسأل الله -تعالى- أن يصلح الأحوال ويؤلف بين القلوب. ومن المهم التأكيد على أن الانقطاع المؤقت في التواصل لا يُعد في ذاته قطيعة للرحم؛ فقد تطرأ على الإنسان ظروف خاصة، أو انشغالات دراسية أو وظيفية أو أسرية تقلل من حجم التواصل لفترة من الزمن، وهذا أمر طبيعي، أما قطيعة الرحم الحقيقية فهي حال من التباعد والتجافي والبغضاء، يصاحبها تعمد الهجر وإيجاد المسوغات لاستمرار القطيعة، حتى تنقطع أواصر المودة والتواصل بين الأقارب. كما إن التواصل الأسري لا يُقاس باللقاءات الجسدية وحدها، فقد تلتقي الأجساد بينما تبقى القلوب متباعدة؛ ولذلك فإن التواصل القلبي والنفسي وما يصاحبه من محبة واهتمام وتقدير متبادل، يعد من أهم عوامل نجاح العلاقات الأسرية واستمرارها.الحلول العملية
وفيما يتعلق بالحلول العملية للحد من القطيعة وتعزيز صلة الرحم، فإن الأنشطة الأسرية المشتركة من الوسائل الناجحة والمؤثرة؛ كتنظيم اللقاءات العائلية، والوجبات الجماعية، والرحلات، والمسابقات الثقافية والتربوية، ووضع برامج تحفيزية لحفظ القرآن الكريم أو تعلم بعض العلوم النافعة. وقد أثبتت هذه المبادرات نجاحها في كثير من الأسر، وأسهمت في تعزيز الألفة وتقوية الروابط بين أفراد العائلة.تراكمات طويلة
والحقيقة أن قطيعة الرحم لا تنشأ فجأة، وإنما تكون غالبًا نتيجة تراكمات طويلة من الخلافات وسوء الفهم والمواقف السلبية والموروثات الاجتماعية القديمة، وربما بسبب أحكام وظنون يبنيها بعض الناس دون تحقق أو يقين. ولذلك فإن الوقاية من القطيعة تبدأ بمعالجة أسبابها في وقت مبكر، وتعزيز التواصل الإيجابي بين أفراد الأسرة.وصايا تربوية نافعة
ومن الوصايا التربوية النافعة في هذا الباب ما يُروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «زر غِبًّا تزدد حبًّا»، أي: اجعل للزيارة قدرًا من الاعتدال والتوازن. فالمقصود ليس الانقطاع الطويل، ولا المبالغة في كثرة اللقاءات التي قد تؤدي أحيانًا إلى الاحتكاكات والخلافات، وإنما تنظيم الزيارات بما يحقق المودة ويحافظ على استقرار العلاقة، ويزداد هذا المعنى أهمية في بعض الأسر التي لا تزال آثار خلافات قديمة أو حساسيات سابقة تؤثر في أجوائها الأسرية؛ فمثل هذه الأحوال قد تستدعي تنظيم اللقاءات وتقليل الاحتكاك المباشر مؤقتًا حتى تُعالج أسباب الخلاف وتصفو النفوس، ثم تُفتح بعد ذلك أبواب التواصل بطريقة أوسع وأقوى؛ فيتحقق المقصود من صلة الرحم، ويعزز المحبة بين الأقارب.دور وسائل التواصل الحديثة
وتعليقًا على سؤال: هل أسهمت وسائل التواصل الحديثة في تقوية صلة الأرحام؟ قال د. اللوغاني: لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت من أهم الوسائل المساعدة على تنمية العلاقات الأسرية وتعزيز التواصل بين الأقارب؛ فقد أسهمت في إنشاء مجموعات عائلية تجمع أبناء العمومة والأحفاد والأخوال والعمات والخالات وغيرهم من أفراد الأسرة، ما سهّل تبادل الأخبار والتواصل المستمر بينهم.سلاح ذو حدين
ومع ذلك، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تبقى سلاحًا ذا حدين؛ إذ يمكن توظيفها فيما يعود بالنفع والخير، كما يمكن أن تتحول إلى وسيلة للخلاف والتباعد إذا أسيء استخدامها؛ ولذلك ينبغي أن تُدار المجموعات الأسرية بطريقة حكيمة ومنظمة، وأن يكون لها مشرف أو مسؤول يضع ضوابط واضحة تحفظ أهدافها وتحقق المقصود منها.
تجنب الخلافات والمجادلات
ومن أهم هذه الضوابط تجنب الخلافات والمجادلات التي تثير التوتر بين أفراد الأسرة، والتركيز على ما يعزز الألفة والمحبة والتعاون، وعند ظهور أي نقاشات حادة أو خلافات جانبية، فإن من الحكمة التدخل السريع لاحتوائها وإيقاف ما قد يؤدي إلى اتساع دائرة الخلاف؛ حفاظًا على وحدة الأسرة واستقرار العلاقات بين أفرادها.وسيلة مساندة وليست بديلًا
ومع أهمية وسائل التواصل الحديثة، فإنها تظل وسيلة مساندة وليست بديلًا عن التواصل المباشر؛ فأنجح وسائل التواصل هي اللقاءات الواقعية التي تجمع الأقارب وتوثق روابطهم الإنسانية والاجتماعية، وقد وجدت وسائل التواصل أساسًا لتقريب المسافات بين من حالت بينهم الظروف الجغرافية أو تعذر عليهم اللقاء المستمر، أما المجتمعات التي تتمتع بترابط أسري واجتماعي قوي، فإن التواصل المباشر يبقى أكثر تأثيرًا وأعمق أثرًا في النفوس. ونحن -ولله الحمد- نعيش في مجتمع ما زالت فيه الروابط الأسرية متماسكة، وتحظى فيه الأسرة الممتدة بمكانة كبيرة، وهو إرث إسلامي أصيل رسخه النبي - صلى الله عليه وسلم- من خلال الحث على صلة الأرحام والتراحم والتكافل بين المسلمين. ومن الواجب المحافظة على هذا الموروث الاجتماعي المبارك؛ لأنه يمثل أحد أهم عناصر قوة المجتمع واستقراره.العادات الكويتية الأصيلة
كما أن العادات الكويتية الأصيلة أسهمت في ترسيخ هذه المعاني من خلال الدواوين والزيارات العائلية والمشاركات الاجتماعية في الأفراح والأتراح والمناسبات المختلفة، وهي وسائل عملية لتعزيز التواصل الأسري لا يمكن أن تعوضها وسائل التواصل الحديثة مهما تطورت؛ ولهذا فإن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تسد جانبًا من الحاجة وتساعد على استمرار التواصل، لكنها تبقى وسيلة مكملة، بينما يظل الأصل هو اللقاء المباشر والتواصل الواقعي بين الأقارب وصلة الأرحام على أرض الواقع.طبيعة الترابط البشري
وتعليقًا على نتائج الاستبانة، قالت مديرة إدارة العمل النسائي بجمعية إحياء التراث فاطمة الياسين: قال -تعالى-: {يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقناكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثى وَجَعَلناكُم شُعوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقاكُم إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ} (الحجرات: ١٣)، خلق الله -تعالى- الذكر والأنثى، ومن هذا الخلق كانت البشرية، وتنوعت بينهم العلاقات التي تربطهم ببعض، ومن طبيعة هذا الترابط البشري أن يضعف أو ينقطع بسبب كلمة جرحت سامعها، أو عبارة فُهمت على غير مقصدها، أو لاختلاف في وجهات النظر، أو بسبب لحظة غضب شررها مستطر، ومن هنا يشتعل فتيل الخلافات والخصومات، ثم ينتهي الحال إلى الهجر وبئس المآل.رأب الصدع وإعادة الوئام
وأضافت، هناك من الخلافات ما تذوب عند أول كلمة اعتذار، ومنها ما يتعاظم في نفوس المتخاصمين، فتُبنى بين القلوب حوائط الهجران، وترتفع جدران القطيعة، فمن يسعى في زحزحة هذه الحوائط؟ ومن يحمل معاول هدم هذه الجدران؟ إنهم حصن المجتمع الحصين، وأصحاب التفكير الرصين، أخذوا العهد على رأب الصدع، وحملوا على عاتقهم صلة الأرحام، وربط القرابات برباط المحبة والوئام.من رحمات الله -تعالى-
ثم بينت الياسين أن هؤلاء الأشخاص هم من رحمات الله -تعالى-؛ فهم في المجتمع علامات يهتدى بهم، خلقهم الخالق هامات في حسن الخلق وسلامة الصدر، وجعلهم منارات لطيب المعشر وحسن الظن، شعارهم العفو عن الزلات، ودثارهم تجاوز العثرات، لا يعجبهم التدابر، ويحزنهم التنافر؛ لأن منهج حياتهم قول الله -تعالى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}، هم على ثغر كبير، وأجرهم عند ربهم عظيم، يصلحون الحال بحسن الظن، ويبادرون بالكلمة الطيبة، همهم قطع جذور العداوة، واستبدالها بغراس المودة، يخمدون نار البغضاء بصب ماء الاخاء. وقد أخبر عن فضل درجتهم المصطفى - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه -؛ حيث قال: قال رسول الله -[-: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ».هنيئًا لمن كان هذا همهم
ثم ختمت الياسين تصريحها قائلة: هنيئًا لمن كان هذا همهم، يحيون العلاقات بالتنازلات، ويجعلون صلة الرحم في صدر الجلسات؛ لأنهم وضعوا نصب أعينهم قول الله -تعالى-: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}. فلا يضرنا أن نكون رسل سلام، نبني مجتمعًا تسوده المحبة والوئام، ما أحوج مجتمعاتنا إلى تلك النسمات الإيمانية العطرة، التي تحمل قلوبًا رحيمة، وألسنةً ناصحة، ونفوسًا سامية تتطلع إلى ما عند الله من الأجر والثواب، فتسعى في الإصلاح، وتجمع الشمل، وتطفئ نيران الخلاف، وتعيد للمجتمع أواصر المودة والتراحم!
لاتوجد تعليقات