خلق السماوات والأرض
استأذن أحد الحاضرين أن يسأل: - تفضل، وعرف عن نفسك. - السلام عليكم، أنا (عبدالجبار موسى) من السنغال، كنت من خدام الكنيسة، وهداني الله إلى الحق منذ سبع سنين، سؤالي الآيات تدل على أن خلق الأرض كان قبل خلق السماوات، وفي سورة النازعات قال -تعالى-: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} (النازعات). - أحسنت يا عبدالجبار، وقد سئل ابن عباس عن هذا الأمر؛ فقال - رضي الله عنه - خلق الله الأرض أولا في يومين؛ ثم السماوات السبع في يومين، ثم بقية خلق الأرض في يومين، جعل فيها الرواسي والأنهار وكل ما تحتاجه الأرض؛ لتكون مهيأة للعيش. وهنا أنوّه إلى أن الله -عز وجل- إذا أراد أن يخلق شيئا {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}، الأمر لا يحتاج زمانا ولا أي شيء مما قد يخطر على عقولنا، ولحكمة أرادها الله -تعالى-، جعل خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأيضا أعيد الفكرة التي ذكرتها قبل قليل، أن عقولنا تعجز عن إدراك هذه القضايا الغيبية؛ فلا ينبغي أن ندخل في بحث تفاصيل هذه الأمور وإنما نؤمن بها كما وردت، ونقول: «آمنا برب على كل شيء قدير». وهنا ينبغي ذكر أن الله -عز وجل- خلق أربعة أشياء بيده -سبحانه-، كما ورد في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش والقلم وآدم وجنة عدن، ثم قال لسائر خلقه: كن فكان»، هذا الحديث صححه الألباني في (مختصر العلوّ)، أما خلق آدم فثابت في كتاب الله، قال -سبحانه- في سورة (ص): {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}. قاطعني أحد الحضور: - السلام عليكم، أنا اسمي (عبدالكريم سالم) من جزر القمر، لقد قرأت كتابا بين أن الله خلق الملائكة بعد العرش وقبل خلق السماوات والأرض. فرحت لملاحظته؛ فقد ذكرني نقطة نسيتها. - أحسنت يا (عبدالكريم)، نعم ذكر الذهبي في كتاب العلوّ «أول ما خلق الله عرشه على الماء وخلق الملائكة (بعد ذلك) قالوا: ربنا لِم خلقتنا؟ قال -عز وجل-: لِحمل عَرْشي، قالوا: ومن يقوى على ذلك؟ قال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، في هذا الخبر أن حملة العرش خُلقوا قبل السماوات والأرض. قاطعني: - قبل جبرائيل؟! - لا يوجد نص صحيح في أول من خلق من الملائكة ولا يترتب على ذلك عمل، ولن نحاسب عليه؛ فالأولى ألا نخوض فيه، ونكتفي بما لدينا من أخبار صحيحة، والأخبار في هذا الباب تأتي من اليونان والحضارات القديمة، التي تروي الروايات وتنسج القصص. أورد الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير تعقيبا: ذكر خلق الأرض ثم السماوات، بذكر إرادته -تعالى- جعل الخليفة، دليلا على أن جعل الخليفة كان أول الأحوال على الأرض بعد خلقها، فالخليفة هنا الذي يخلف صاحب الشيء في التصرف في مملوكاته، ولا يلزم أن يكون المخلوف مستقرا في المكان من قبل، فالخليفة آدم وخَلَفِيَّتُه قيامه بتنفيذ مراد الله -تعالى- من تعمير الأرض بالإلهام أو بالوحي، وتلقين ذريته مراد الله -تعالى- من هذا العالم الأرضي. انتهى. أما ما يذكره بعض المفسرين أو المؤرخين، أن قوما اسمهم الحن (بالحاء المهملة) كانوا يسكنون الأرض؛ فجاء الجن بالجيم (المعجمة)؛ فقتلوهم وسكنوا مكانهم؛ فيبدو أنها من القصص التي لا تستند إلى أي سند صحيح. وإذا صح أن الأرض كانت معمورة من قبل بطائفة من المخلوقات يسمون (الحن والبن) بحاء مهملة مكسورة ونون في الأول، وبموحدة مكسورة ونون في الثاني، وقيل: اسمهم (الطُّمُ والرَّمُ) بفتح أولهما، وأحسبه من المزاعم، وأن وضع هذين الاسمين من باب قول الناس هيّان بن بيّان إشارة إلى غير موجود أو غير معروف، ولعل هذا أنجز لأهل القصص من خرافات اليونان، فإن قومًا زعموا أنه كان قبل الإنسان في الأرض جنس اسمه الطمّ والرمّ وكان اليونان يعتقدون أن الأرض كانت معمورة بمخلوقات تدعى (التيتان) وأن (زفس) وهو (المشتري) كبير الأرباب في اعتقادهم جلاهم من الأرض لفسادهم! انتهى. دعوني أؤكد لكم أننا هنا نتحدث في أمور غيبية، لا يمكن للعقل أن يبحثها، ولا يتصورها، ولا يستوعبها؛ فلا نكثر من الخوض فيها، وإنما نتلقى الأخبار الصحيحة ونؤمن بها، أما الأمم الأخرى، قديمًا وحديثًا، اليونان، ومن قبلهم، واليهود ومن شبههم لا يتورعون عن نسج القصص والخرافات؛ لإكمال صور تخيلوها في عقولهم، والعبد المؤمن بالله لا يضيع وقته في أمور لا أساس لها؛ بل يؤكد أن ما يقرؤه أو يسمعه خبر صحيح؛ فيؤمن به ويصدقه، وشعاره دائما: «رضيت بالله ربا، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولا، وبالإسلام دينا»، «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم»، «لا إله إلا الله».
لاتوجد تعليقات