رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: اللجنة العلمية في الفرقان 21 مايو، 2026 0 تعليق

الحج مناسك توحّد الأمة .. 4- فضل العشر من ذي الحجة

  • العشر الأوائل من ذي الحجة من أعظم مواسم الطاعات التي عظّمها الله تعالى وجعل العمل الصالح فيها أحبَّ إليه من سائر أيام الدنيا
  • يُعدّ يوم عرفة من أعظم أيام العام وهو الركن الأعظم في الحج وصيامه سبب لتكفير ذنوب سنتين للصائم غير الحاج
  • لم يخصّ الشرع عبادة معينة في هذه الأيام بل جميع أنواع الطاعات والقربات مشروعة ومضاعفة الأجر فيها
 

من رحمة الله -تعالى- بعباده أن جعل لهم مواسمَ للطاعات، ومحطاتٍ إيمانية تتنزّل فيها الرحمات، وتتضاعف فيها الحسنات، وتُفتح فيها أبواب القربات، حتى تبقى القلوب متصلة بربها، مقبلةً عليه، مستكثرةً من الخير والعمل الصالح، ومن أعظم هذه المواسم المباركة: العشر الأوائل من ذي الحجة، تلك الأيام التي عظّمها الله -تعالى-، ورفع شأنها، وأقسم بها في كتابه الكريم، وجعل العمل الصالح فيها أحبَّ إليه من سائر أيام الدنيا؛ لما اجتمع فيها من فضائل العبادات والطاعات، ولارتباطها بأعظم شعائر الإسلام ومواسمه الإيمانية.

       قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما مِن أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيها أحبُّ إلى اللَّهِ من هذِهِ الأيَّام يعني أيَّامَ العشرِ، قالوا :يا رسولَ اللَّهِ، ولا الجِهادُ في سبيلِ اللَّهِ؟ قالَ :ولا الجِهادُ في سبيلِ اللَّهِ، إلَّا رَجلٌ خرجَ بنفسِهِ ومالِهِ، فلم يرجِعْ من ذلِكَ بشيءٍ»؛ فرسولنا - صلى الله عليه وسلم - يدعونا إلى مزيدٍ من العمل الصالح، وفعل الخير والبر والمعروف؛ لأن العمل في هذه الأيام له منزلة عظيمة وثواب كبير عند الله -تعالى-، فالمسلم بعد وفائه بفرائض الدين وأركانه، يستزيد من نوافل الصلاة، والصيام، والصدقة، وصلة الرحم، ومساعدة المحتاجين، وكفالة الأيتام، وتفريج هموم المكروبين.

مطلوب في كل وقت

       والعمل الصالح مطلوب في كل وقت، لكنه يتأكد ويتعاظم أجره في العشر الأوائل من ذي الحجة، وإذا علمنا أن المجاهد في سبيل الله موصول الثواب دائمًا، وأنه يعدل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة، أدركنا مدى فضل الله -تعالى- على عباده في هذه الأيام المباركة، وقد قال الله -تعالى-: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (التوبة).

أسباب تفضيل هذه الأيام

       لقد اجتمع للعشر الأوائل من ذي الحجة من دواعي التفضيل الشيء الكثير؛ فهي من الأشهر الحرم التي عظّمها الله -تعالى- وجعلها دينًا قيمًا، وهذه الأشهر هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، قال الله -تعالى-: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} (التوبة: 36).

يوم عرفة

       ومن أعظم معالم هذه العشر المباركة يومُ عرفة، الذي يمثل الركن الأساس في الحج، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الحج عرفة)، فمن فاته الوقوف بعرفة فاته الحج، وعليه أن يقضيه في العام التالي، وصيام يوم عرفة لغير الحاج له فضل عظيم وثواب جزيل، وفي صحيح مسلم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صِيامُ يومِ عَرَفَةَ، إِنِّي أحْتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السنَةَ التي قَبلَهُ، والسنَةَ التي بَعدَهُ، والمقصود أنه يكفّر الذنوب الصغائر ويرفع الدرجات، أما الكبائر فتحتاج إلى توبة نصوح، وحقوق العباد لا بد فيها من رد الحقوق إلى أصحابها.

صيام يوم عرفة للحاج

       الحاج ليس عليه صيام يوم عرفه وإن صام يفخشى عليه الإثم فالنبي - صلى الله عليه وسلم - وقف في ذلك اليوم وهو مفطر، وحتى لا يضعف عن الطاعات المرتبطة بالحج، فيكون المسلمون جميعًا واقفين على باب الرحمة والمغفرة: هذا بحجه، وذاك بصيامه، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فضل يوم عرفة ـ كما في صحيح مسلم: «ما من يومٍ أكثرُ من أن يعتِقَ اللهُ فيه عبيدًا من النَّارِ من يومِ عرفةَ ، وأنه لَيدنو ، ثم يباهي بهم الملائكةَ فيقول : ما أراد هؤلاءِ ؟ اشهَدوا ملائكتي أني قد غفرتُ لهم»، وفي رواية لأحمد وابن حبان والحاكم قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله -تعالى- يُبَاهِي بأهلِ عرفاتٍ أهلَ السماءِ، فيقول : انظروا إلى عبادِي جاؤُونِي شُعْثا غُبْرا».

أيهما أفضل؟

       سئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن عشر ذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان، أيهما أفضل؟ فأجاب أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة». فأيام العشر الأوائل من ذي الحجة أفضل من أيام العشر الأواخر من رمضان؛ لأن فيها يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر، ويوم عرفة، ويوم التروية، وهي أيام مباركة عظيمة. أما ليالي العشر الأواخر من رمضان فهي أفضل من ليالي عشر ذي الحجة؛ لأن فيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فالتفضيل في عشر ذي الحجة باعتبار الأيام، وفي عشر رمضان باعتبار الليالي، فما أحوجنا إلى استقبال هذه المواسم الكريمة بالتوبة الصادقة، والاستقامة على الحق، والاعتصام بحبل الله المتين!

الأعمال المستحبة  في هذه الأيام

       إذا كان العمل في هذه الأيام بهذه المنزلة العالية، فما نوع العمل المطلوب فيها؟ ليس هناك نص يخصص عملًا معينًا دون غيره، بل كل الطاعات والقربات داخلة في هذا الفضل العظيم؛ من صلاة وصيام وذكر وصدقة وقراءة قرآن وصلة رحم وإحسان إلى الناس، والصيام مشروع فيها بإجماع العلماء، ومن أراد أن يضحي يُسن له أن لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا، تشبهًا بالمحرمين بالنسك، وحتى يكون مشاركًا لهم في بعض معاني التعبد والتجرد لله -تعالى-.

ينبغي أن نجتهد غاية الاجتهاد

       قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين:  ينبغي لنا أن نجتهد غاية الاجتهاد في الأعمال الصالحة في هذه الأيام العشر أشد مما نجتهد في أيام عشر رمضان؛ لأن الحديث عام: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»، ولكن ما الذي نعمل؟ نعمل كل عمل صالح من الصلاة والذكر وقراءة القرآن، والصدقة والصيام والإحسان إلى الخلق وغير ذلك؛ ولهذا يشرع في هذه الأيام التكبير؛ أن يكبر الإنسان ليلاً ونهاراً رافعاً صوته بذلك إن كان رجلاً، وتسر به المرأة، فيقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، أو يثلث التكبير، فيقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.    

لماذا عظُم فضل هذه الأيام؟

       بيّن العلماء أن سبب عِظَم فضل هذه الأيام يرجع إلى أمور كثيرة، من أهمها ارتباطها بالحج، واحتواؤها على يوم عرفة ويوم النحر، وهما من أعظم أيام الله -تعالى-، كما إنها أيام تجتمع فيها أمهات العبادات من صلاة وصيام وصدقة وذكر وحج، ولا يكاد يجتمع ذلك في غيرها من الأيام، ومن أسباب تفضيلها أيضًا أنها أيام إشاعة للأمن والطمأنينة، وتهيئة للناس والحجاج لأداء المناسك، مع الانشغال بالعبادة والطاعة والذكر، فكانت فرصة عظيمة لتزكية النفوس، وإحياء القلوب، وتجديد العهد مع الله -تعالى-.  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك