الحج مناسك توحّد الأمة .. 3- أول حملة حج تُعنى بتطبيق السُّنَّة النبويَّة في المناسك .. خالد الربيع: كنّا نبحث عن إحياء السُّنّة قبل التميّـز في الخدمات
- تميّزت الحملة بجمعها بين الخدمة والتوجيه الدعوي والتربوي وربط الحجاج بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم - وسنته
- أبرزت التجربة أهمية التنظيم الدقيق في تيسير رحلات الحج وتجاوز صعوبات السفر
- حرصت الحملة على تطبيق السُّنّة ومخالفة بعض الأعراف السائدة في الحج
- تُعدّ حملة الربيع من أوائل حملات الحج التي قامت على العناية بتطبيق السُّنّة النبوية في المناسك تطبيقًا عمليًّا دقيقًا
- كشف الحوار ما كان يلاقيه الحجاج قديمًا من مشقة وصبر وبساطة عيش
- اتسمت رحلات الحج قديمًا بالبساطة وروح التعاون رغم قلة الإمكانات وطول الطريق
- كان للعلماء أثرٌ بارز في ترسيخ المنهج الدعوي والعلمي للحملة
- أسهم الشيخ عبدالله السبت رحمه الله في تأسيس العمل الدعوي والعلمي في الكويت، وكان سببًا رئيسًا في إنشاء حملة الربيع
- خلص الحوار إلى أن التمسك بالسُّنّة هو روح الحج وجوهره الحقيقي
- أكدت تجربة حملة الربيع أن خدمة الحجاج تقوم على الإخلاص وتقوى الله قبل الجوانب التنظيمية
- نصيحتي لحملات الحج: أن يحرصوا على تطبيق السُّنَّة النبوية في المناسك، وأن يتقوا الله في الحجاج الذين هم أمانةٌ في أعناقهم، وأن يُخلصوا العمل لله -تعالى-،
- نصيحتي لمن يحج أول مرة: أن يحرص على التمسك بالسُّنَّة في جميع مناسكه، وأن يعضَّ عليها بالنواجذ، ويجتهد في الاقتداء بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم - ظاهرًا وباطنًا
في زمنٍ كانت فيه رحلاتُ الحجِّ تقوم على البساطة، وتغلب عليها العاداتُ والاجتهاداتُ المتوارثة، برزت تجربةٌ رائدة تمثَّلت في تأسيس أول حملة حج تُعنى بتطبيق السُّنَّة النبويَّة في المناسك على وجهها الدقيق، وكانت هذه التجربة المباركة على يد الشيخ خالد خميس الربيع -حفظه الله-، الذي حرص على ربط الحجيج بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا بالأعراف السائدة والعادات المتداولة، وفي هذا الحوار نستعيد ملامح تلك البدايات، ونقف على تفاصيل تلك التجربة الفريدة بما تحمله من دلالاتٍ تربوية، ومعانٍ دعوية، وخبراتٍ تنظيمية، تُجسِّد كيف يمكن للعمل المخلص والرؤية الواضحة أن يُحدثا أثرًا ممتدًّا في وعي الناس وسلوكهم، وأن يسهما في ترسيخ السنّة وإحياء معاني الاقتداء في أعظم شعائر الإسلام.
- كيف بدأت حملة الربيع؟ ومتى كان تأسيسها؟
- بدأت الحملة في أول أمرها تحت اسم: (حملة بن ناهض)، وكانت تُعدّ من أوائل الحملات ذات التوجّه السلفي في الكويت، ثم تحوّل اسمها لاحقًا إلى (حملة الربيع)، وذلك باقتراح من الشيخ عبدالله السبت -رحمه الله-، وكان ذلك قرابة عام 1976م.
وقد جاءت فكرة تنظيم الحملة وتطويرها انطلاقًا من الحاجة إلى العناية بالجانب الدعوي والتربوي في رحلات الحج، مستفيدين مما كان لدينا من خبرة سابقة في مرافقة الشباب خلال تلك الرحلات المباركة، والحرص على ربطهم بالسنّة وآداب الحج وهداياته الإيمانية والتربوية، ووقتها لم تكن هناك حملات حج كويتية تطبق السُنَّة بوضوح في مناسك الحج.
- مع أيِّ الحملات كنتم تحجّون؟
- حججتُ مع (حملة صالح الهزاع) -رحمه الله-، وكانت أول حجة لي معه عام 1967م. وقبل ذلك كنا نحج بسياراتنا الخاصة، وكنت أقود بنفسي، وكانت سياراتنا سعودية، وكذلك كثيرٌ ممن يعملون معنا من الإخوة السعوديين، وكانوا يأتون إلينا منذ بداية شهر رمضان استعدادًا لموسم الحج، فنقيم في الخيام؛ إذ كانت الحملات في ذلك الوقت تقوم على قدرٍ كبير من البساطة والعفوية؛ حيث تُخاط الخيام يدويًّا، وتُفرش الأرض، ويتعاون الجميع في خدمة الحجاج والقيام على شؤونهم، وكانت الأمتعة تُحفظ في صناديق حديدية مخصّصة لذلك. وقد امتازت تلك المرحلة بروح التعاون والألفة، وبساطة العيش التي كانت تضفي على الرحلة معانيَ خاصة من الصبر والمشاركة والأخوّة.
- كم بلغ عدد الحجاج في أول سنةٍ لحملة الربيع؟
- بلغ عدد الحجاج -في أول سنةٍ من انطلاق حملة الربيع- نحو مائةٍ وعشرين حاجًّا تقريبًا، وهو عددٌ كان يُعدّ جيدًا في تلك الفترة، ولا سيما مع بداية التجربة وحرص القائمين عليها على الجمع بين خدمة الحجاج والعناية بالجوانب الدعوية والتربوية أثناء الرحلة.
- هل تذكر بعض الإداريين الذين عملوا معكم في الحملة؟
- نعم، أذكر منهم أبا حسين، وكان يتولى مسؤولية الحجاج في مِنى، وكذلك عمرو النعيمي (أبو عبدالله)، وكان مسؤولًا عن المطبخ والإشراف على شؤونه، وكنا نحرص على تجهيز الحملة بكل احتياجاتها منذ خروجنا من الكويت، فَنَحْمِلُ معنا مستلزمات المطبخ كاملةً مع العمال، بينما كانت الحكومة تزوّد الحملات بالمواد التموينية الأساسية، كالأرز والسكر والدهن والحليب، وذلك بحسب عدد الحجاج المسجلين في الحملة، وقد كان العمل آنذاك قائمًا على التعاون والبذل، مع قلة الإمكانات مقارنةً بما هو موجود اليوم.
- ما الطريق الذي كنتم تسلكونه في رحلات الحج؟ وكم كانت تستغرق مدة الرحلة؟
- كنا نسلك طريق مكة مرورًا بالدوادمي ثم عفيف وصولًا إلى الرياض؛ حيث نتوقف هناك للاستراحة، ثم نواصل السير بعد ذلك إلى الديار المقدسة. وكانت مدة الرحلة تختلف باختلاف الأحوال الجوية وظروف الطريق؛ فقد تستغرق يومًا، أو يومين، وربما أكثر من ذلك أحيانًا, أما وسائل النقل فكانت سياراتٍ مستأجرةً، وكانت الرحلة بما فيها من مشقة وطول طريق تحمل في طياتها معاني الصبر والتعاون، وتُشعر الحجاج بروح السفر وخصوصية تلك الأيام المباركة.
- أين كان مقرُّ سكنكم خلال رحلة الحج؟
- كنا نقيم في الخيام بمنطقة العدل، وهو وقف، يقال: إن الذي بناه الشيخ عبدالله السالم -رحمه الله- للحجاج الكويتيين، حتى يوم التروية، ثم ننتقل بعد ذلك إلى مِنى لقضاء أيام المناسك، ثم إلى عرفات لأداء الركن الأعظم من الحج، وبعدها نُتمّ بقية المناسك، ونختم رحلتنا بطواف الوداع، وكانت الإقامة في تلك الفترة تتسم بالبساطة وروح الألفة، مع حرص الجميع على التعاون وخدمة الحجاج في أجواء إيمانية عامرة.
- كم كانت تستغرق مدة الرحلة كاملة؟
- كانت مدة الرحلة تستغرق نحو ثلاثةٍ وعشرين يومًا تقريبًا، وذلك لطول الطريق، وبطء وسائل النقل آنذاك، إلى جانب فترات التوقف للراحة والتزوّد بالحاجات، ما جعل رحلة الحج تحمل طابعًا خاصًّا، يجمع بين المشقة والمتعة الإيمانية وروح الصحبة والتعاون.
- هل واجهتم صعوبات أثناء رحلات الحج؟
- في الغالب كانت الأمور تسير بيسرٍ وتوفيقٍ من الله -ولله الحمد-، مع ما يصاحب السفر الطويل في تلك الفترة من مشقةٍ معتادة، وكنا نحرص على تنظيم الرحلة بدقة؛ فكانت سيارة الطعام تنطلق قبل القافلة لتجهيز أماكن التوقف وإعداد الوجبات للحجاج، كما كانت هناك شاحنة تسبقنا، وعلى متنها العمال ومستلزمات المطبخ، وكان التنسيق قائمًا باستمرار بين السائق والدليل لتحديد نقاط الالتقاء ومحطات التوقف على الطريق، بما يضمن راحة الحجاج وحسن سير الرحلة، وقد كان لهذا التنظيم -رغم بساطة الإمكانات في ذلك الوقت- أثرٌ كبير في تيسير الرحلة، وتعزيز روح التعاون والألفة بين الجميع.
- ما الذي ميَّز حملة الربيع عن غيرها من الحملات؟
- كانت حملة الربيع -بفضل الله- من أوائل الحملات التي حرصت على تطبيق السُّنَّة النبوية في المناسك على وجهها الدقيق؛ فكنا ننزل مثلا في وادي عُرنة - وهو وادٍ نزل فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل عرفات، ثم دخل عرفات بعد أن جمع صلاة الظهر والعصر قصرًا، فنأكل ونصلي هناك، ثم نتجه إلى عرفة عند الزوال اقتداءً بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن لنا مخيمٌ خاص في عرفات، فيبقى الحجاج في الحافلات، ويستمعون إلى خطبة عرفة القادمة من مسجد نَمِرة.
كما كانت الحملة من أوائل الحملات التي لا تذهب إلى المدينة النبوية بعد انتهاء الحج مباشرة؛ التزامًا بما ظهر لنا من هدي السُّنَّة في ترتيب أعمال الرحلة، وهو أمرٌ استغربه بعض الناس في بداية الأمر، لِما اعتادوه من الأعراف السائدة آنذاك، ثم ما لبثوا أن ألفوه وتقبّلوه مع مرور الوقت، حين تبيّن لهم وجه الالتزام والحرص على اتباع السُّنَّة.
- كم كان عدد الحافلات التي ترافق الحملة؟
- كان يرافق الحملة أربعُ حافلاتٍ مستأجرة، وكانت الحافلة الواحدة تتسع لنحو أربعين إلى خمسين راكبًا تقريبًا، وهو ما كان يُعدّ عددًا مناسبًا في تلك الفترة لخدمة الحجاج وتنظيم تنقلاتهم بين المشاعر.
- من أبرز المشايخ الذين استضفتموهم في الحملة؟
- استضفنا عددًا من أهل العلم والدعوة، من أبرزهم الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-، وكان يحرص على زيارتنا في مِنى رغم شدة الزحام ومشقة الطريق، وأحيانًا يأتي إلى مقر الحملة في العزيزية لإلقاء الدروس والكلمات التوجيهية للحجاج.
كما استضفنا الشيخ إحسان إلهي ظهير -رحمه الله-، وكان لتلك اللقاءات أثرٌ كبير في إثراء الجانب العلمي والدعوي، وربط الحجاج بالعلماء والاستفادة من توجيهاتهم في تلك الأجواء الإيمانية المباركة.
- وماذا عن الشيخ ابن باز -رحمه الله-؟
- كنا نحرص على الصلاة خلف الشيخ عبدالعزيز ابن باز -رحمه الله- في مسجده القريب من منزله، فَنُصلّي معه صلاة الفجر، ثم نجلس لحضور درس التفسير الذي كان يُلقيه بعد الصلاة، وكانت تلك المجالس من المحطات الإيمانية والعلمية المؤثرة التي يحرص الحجاج على اغتنامها والاستفادة منها.
- ما أبرز ذكرياتكم مع الشيخ عبدالله السبت -رحمه الله-؟
- عرفنا الشيخ عبدالله السبت -رحمه الله- قبل تأسيس الحملة، في بدايات الدعوة السلفية في الكويت، وكان يرافقه آنذاك بدر عبدالله الشمروخ، الذي كان يحرص على تسجيل دروس الشيخ ونشرها، وقد كان للشيخ عبدالله السبت دورٌ بارز في خدمة الدعوة ونشر العلم؛ إذ أنشأ أول مكتبة سلفية، وأسهم إسهامًا كبيرًا في إثراء الحركة العلمية والدعوية، كما كان له فضلٌ خاص في تأسيس ديوانيتي في منطقة الرقة؛ حيث أنشأ فيها مكتبةً علمية، وجلب إليها نفائس الكتب والمراجع، فكانت مقصدًا لطلبة العلم ومحبي القراءة والمعرفة.
- هل كنتم تواجهون بعض المشكلات، مثل تأخر بعض الحجاج؟
- نعم، كان يحدث ذلك أحيانًا؛ لذلك كنا نحرص على وضع ترتيبات خاصة لمثل هذه الحالات، فَنُبقي حافلةً مخصّصة مع سيارة إسعاف للحجاج المتأخرين، حتى لا تتعطل القافلة بأكملها أو يتأثر سير الرحلة.
وكانت الجهات الحدودية آنذاك لا تسمح بمرور الحافلات حتى يكتمل عدد الحجاج المسجلين فيها، ما كان يتطلب قدرًا كبيرًا من التنظيم والدقة في متابعة الحجاج والتأكد من انتظام الجميع قبل التحرك.
- كم كانت تكلفة الحج آنذاك؟
- كانت تكلفة الحج تقارب 300 دينار للحاج في الحافلة العادية، ونحو 500 دينار في الحافلة المميزة، أما الحاج القادم من داخل المملكة العربية السعودية فكانت التكلفة أقل، وتبلغ قرابة 50 دينارًا تقريبًا، وذلك بحكم اختلاف ترتيبات النقل وطبيعة الرحلة.
- كيف كان التعاون مع البعثتين الكويتية والسعودية؟
- كان التعاون والتعامل مع البعثتين الكويتية والسعودية طيبًا وميسّرًا -بحمد الله-، وكانت تسود روح التعاون في متابعة شؤون الحجاج وتسهيل إجراءاتهم، وكانت أهم المسائل التي نوليها عنايةً كبيرة ضبطَ الأوراق الرسمية والتأكد من سلامتها؛ لأن أي خللٍ فيها قد يؤدي إلى تعطّل بعض الإجراءات أو عرقلة سير الرحلة؛ لذلك كنا نحرص على الدقة والتنظيم في هذا الجانب منذ وقتٍ مبكر.
- من كان يؤمّكم في الصلاة أثناء الرحلة؟
- كان الشيخ أحمد العصفور -حفظه الله- يتولى إمامة المصلين في الحملة، وكان لذلك أثرٌ طيب في إضفاء الأجواء الإيمانية والروحانية على الرحلة، ولا سيما مع ما كان يُعرف به من حسن القراءة والحرص على توجيه الحجاج وربطهم بالعبادة والذكر.
- هل حججت مع حملاتٍ أخرى غير حملة الربيع؟
- نعم، حججتُ مع حملة يوسف حسن، وكانت تختلف عن حملتنا في بعض الجوانب التنظيمية، ولا سيما فيما يتعلق بنظام الطعام؛ إذ كانوا يعتمدون على نظام (البوفيه)، بينما كنا نعتمد على إعداد الطعام داخل المخيم في مِنى، وفق الإمكانات المتاحة آنذاك وطبيعة العمل في الحملة.
- من كان يتولى اختيار شيخ الحملة؟
- كانت وزارة الأوقاف تتولى اختيار شيخ الحملة في حال لم يكن لدينا شيخٌ معيَّن، ومن أبرز من رافقنا في ذلك الشيخ أحمد العصفور -حفظه الله؛ حيث كان يقوم بالإشراف الشرعي والتوجيه العلمي للحجاج، كما كان يرفع تقارير عن أداء الحملة وتنظيمها إلى وزارة الأوقاف.
- هل هناك موقفٌ لا يزال عالقًا في ذاكرتك؟
- نعم، من المواقف الطريفة التي لا أنساها أن الطباخ -وكان رجلًا مجتهدًا وحريصًا على خدمة الحجاج- أعدَّ لنا في أحد الأيام شديدة الحرارة بوادي عُرنة وجبةً من سمك الزبيدي، فكان الأمر مفاجئًا للحجاج في تلك الأجواء الحارة، ومعلوم أن السمك يضطر الإنسان أن يشتري الكثير من الماء ولا يزال ذلك الموقف حاضرًا في الذاكرة بما حمله من بساطةٍ وألفة وروحٍ جميلة بين أفراد الحملة.