رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. أمير الحداد 19 مايو، 2026 0 تعليق

مكارم الأخلاق: القناعة..

       في سبورة بيضاء على الحائط الأيمن من مسجدنا، يكتب إمامنا حديثا كل أسبوع، يختار الأحاديث بعناية حتى يستفيد منها المصلون، بعد صلاة الظهر كل يوم سبت.

- عن عبدالله بن عمرو - رضي الله عن - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنّعه الله بما آتاه» حديث قصير، جميل، من جوامع الكلم، فيه فوائد عظيمة لمن عمل به.

كنت وصاحبي في طريقنا لنبارك لأحد رواد مسجدنا، زواج ابنه في صالة الميلم، بمنطقة العديلية.

- أحسن إمامنا في اختياره، كالعادة، (قد أفلح)، كما قال الله -عز وجل-: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} (المؤمنون:1)، {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى} (الأعلى:14)، {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} (الشمس:9)، بصيغة التأكيد بـ(قد)، و(أفلح)، فاز وسعد ونجح، أدرك الخير، وسبيل الفلاح هنا، (أسلم)، (رزق كفافا)، (القناعة)!

- نعم لا شك أن (الرضا والقناعة)، رزق عظيم لمن سأل الله ذلك ووفقه الله لهما، يعيش مرتاح البال، سليم القلب، مطمئن الحال.

- هذه أخلاق يكتسبها المرء بتربية النفس، والدعاء، ويبدأ بمبدأ في العقيدة، كما في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم - عن حذيفة- رضي الله عنه -: «هلموا إلي، فأقبلوا فجلسوا إليه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: هذا رسول رب العالمين جبريل نفث في روعي: إنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وإن أبطأ عليها؛ فاتقوا الله وأجْملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تأخذوه بمعصية الله؛ فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته».

كانت الطريق سالكة، وفق الخرائط العالمية، والمسافة تحتاج إلى عشرين دقيقة!

- نعم، إذا وصل العبد إلى إيمان راسخ بأن رزقه مكتوب، قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة! فإنه لا يجزع، بل يقنع، ويعلم أنه بسعيه سينال ما كتب له، فلا يمد يده إلى حرام لزيادة رزقه! بل يكون غنيا، بما عنده كما في الحديث، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» (متفق عليه).

- لنبحث عن (القناعة) لغة.

- لك ذلك، اسمع يا (أبا أحمد).

قال ابن فارس: «قنع قناعةً: إذا رضي، وسميت قناعة؛ لأنه يقبل على الشيء- الذي له- راضيًا», وأما القناعة: فهي في اللغة: الرّضا بالقَسَم.

قال الماوردي: والقناعة تكون على ثلاثة أوجه:

  •  الوجه الأول: أن يقتنع بالبلغة من دنياه ويصرف نفسه عن التعرض لما سواه؛ وهذا أعلى منازل أهل القناعة؛ ثم ذكر قول مالك ابن دينار: «أزهد الناس من لا تتجاوز رغبته من الدنيا بُلغته».
  •  الوجه الثاني: أن تنتهي به القناعة إلى الكفاية ويحذف الفضول والزيادة، وهذا أوسط حال المقتنع، وذكر فيه قول بعضهم: «من رضي بالمقدور قَنع بالميسور».
  • الوجه الثالث: أن تنتهي به القناعة إلى الوقوف على ما سنح، فلا يكره ما أتاه وإن كان كثيراً، ولا يطلب ما تعذر وإن كان يسيرًا. وهذه الحال أدنى منازل أهل القناعة.

        قال -تعالى-: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل: 97)، فسر الحياة الطيبة علي وابن عباس والحسن -رضي الله عنهم- فقالوا: «الحياة الطيبة هي (القناعة)، وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي -رحمه الله تعالى-: «من قنع طاب عيشه، ومن طمع طال طيشه».

- توقفت حركة المرور فجأة أمامنا.. حاولنا تفادي المركبة بالانتقال إلى الحارة اليمنى، ولكن -مع الأسف- لم نتمكن، صدمنا المركبة!، ترجّلنا لنتفقد الأضرار، لم تكن طفيفة، اضطررنا لانتظار دورية المرور، انتهى الموضوع، بعد نصف ساعة، أكملنا طريقنا لنبارك لأخينا، في طريق عودتنا، وقد هدأت الأنفس، وذهب أثر الحادث المروري.

- دعني أقرأ لك بعض ما ورد في القناعة.

نظر إلي صاحبي، دون أن يعلق، قرأت له من هاتفي:

        يقول عامر بن عبد قيس: «أربع آيات من كتاب الله إذا قرأتهن مساء لم أبال على ما أمسي، وإذا تلوتهن صباحًا لم أبال على ما أصبح: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} (فاطر:35)، وقوله -تعالى-: {وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} (يونس:107)، وقوله -تعالى-: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (هود:6)، وقوله -تعالى-: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرِ يُسْرًا} (الطلاق: 7).

        وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو: «اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه، واخلف عليّ كل غائبة لي بخير»، ولأجل قناعته - صلى الله عليه وسلم - فإنه ما كان يسأل ربه إلا الكفاف من العيش كما قال -صلى الله عليه وسلم - «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا»، وقال بعض البلغاء إذا طلبت العز فاطلبه بالطاعة، وإذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة؛ فمن أطاع الله -عز وجل- نصرُه، ومن لزم القناعة زال فقره، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: «من يأخذ هذه الكلمات فيعمل بهن أو يعلم من يعمل بهن؛ فقال أبو هريرة: قلت: أنا يا رسول الله؛ فأخذ بيدي وعد خمسا، قال: اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب».

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك