شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بيع حَبَلِ الْحَبَلَةِ
- في الحديث تحريمُ بيع الجَزُور إلى أنْ تلد الناقة ثُمّ يلد مولودها وكذا غيرها من الحيوان
- من فوائد الحديث تحريم بيع الجنين منفردًا عن أمه وتحريم البيع إلى أجل مجهول
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحْمَ الْجَزُورِ؛ إِلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ، وحَبَلُ الحَبَلَةِ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تَحْمِلَ التِي نُتِجَتْ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذَلِكَ، رواه مسلم في البيوع (2/1154) باب: تَحريم بيع حَبَل الحبلة، ورواه البخاري في كتاب البيوع (2143) باب: بيع الغَرر وحَبَل الحَبلة.
قوله: «كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحْمَ الْجَزُورِ؛ إِلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ...» قال الحافظ ابن حجر: فظاهرُ هذا السّياق؛ أنّ هذا التفسير منْ كلام ابْن عمر، ولهذا جزم ابنُ عبدالبر بأنّه من تفسير ابن عمر، وقد أخرجه مسلم من رواية الليث، والترمذي والنسائي من رواية أيوب، كلاهما عن نافع بدون التفسير، وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر، بدون التفسير أيضاً.
قال: وقال الإسماعيلي: وهو مُدْرج يعني: أنّ التفسير مِنْ كلام نافع، وكذا ذكر الخطيب في (المُدْرج) وسيأتي في آخر السلم عن موسى بن إسماعيل التبوذكي عن جويرية التصريح بأنّ نافعاً هو الذي فسَّره، لكنْ لا يلزم مِنْ كون نافع فسّرَه لجويرية؛ أنْ لا يكون ذلك التفسير ممّا حمله عن مولاه ابن عمر. انتهى «الفتح» (4/357)، وقوله: «كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ» أي: أنّه كان بيعاً جاهليّاً مشهوراً.
قوله: «لحْمَ الجَزُور»
- قوله: «لحْمَ الجَزُور» بفتح الجِيم وضمّ الزّاي، هو البعيرُ ذكراً كان أو أنثى، إلا أنّ لفظه مُؤنّث تقول: هذه الجزُور وإنْ أردت ذكراً، فيحتمل أن يكون ذكره في الحديث قيدا فيما كان أهل الجاهلية يفعلونه، فلا يتبايعون هذا البيع إلا في الجزور أو لحْم الجَزُور، ويحتمل أنْ يكون ذُكر على سبيل المثال، وأمّا في الحُكم فلا فَرْقَ بين الجزور وغيرها في ذلك.
قوله: «بيع حَبَل الحَبلة»
- قوله: «بيع حَبَل الحَبلة» حبل بفتح المُهملة والموحدة، وقيل: في الأول بسكون الموحدة وغلطه عياض، وهو مصدر حَبَلتْ تَحْبلُ حَبلاً، والحَبَلة: جمع حابل، مثل: ظَلَمة وظَالم، وكتَبَة وكاتب، والهاء فيه للمبالغة، وقيل: للإشعار بالأنوثة، وقد ندر فيه: امرأة حابلة، فالهاء فيه للتأنيث، وقيل: حبلة مصدر يسمّى به المحبول، قال أبو عبيد: لا يقال لشيء من الحيوان حبلت، إلا الآدميّات، إلا ما ورد في هذا الحديث. وأثبته صاحب «المحكم» قولاً، فقال: اختلف أهي للإناث عامّة، أم للآدميات خاصة؟ وفي ذلك تعقبٌ على نقل النووي؛ اتفاق أهلِ اللّغة على التّخْصيص.
قوله: «إلى أنْ تُنْتَج» بضم أوّله وفتح ثالثه، أي: تلدُ ولداً، والناقة فاعل، وهذا الفعل وقع في لغة العرب على صيغة الفعل المسند إلى المفعول، وهو حَرفٌ نادر.
وقوله: «ثُمَّ تَحْمِلَ التِي نُتِجَتْ» وفي رواية: «ثمّ تُنتج التي في بَطْنها» أي: ثمَّ تعيش المُولودة حتى تكبر؛ ثمّ تلد. فهو: أنْ يَبيعَ بثمنٍ إلى أنْ يلدَ ولدُ النّاقة. وقال بعضُهم: أنّ يبيع بثمنٍ إلى أن تحمل الدابة، وتلد ويحمل ولدها. وبه جزم أبو إسحاق في «التنبيه»، والمَنْعُ في الصُّور الثلاث؛ للجَهَالة في الأجَل، ومِنْ حقّه على هذا التفسير؛ أنْ يُذْكر في السلم.
وقال أبو عبيدة وأبو عبيد وأحمد وإسحاق وابن حبيب المالكي وأكثر أهل اللغة وبه جزم الترمذي: هو بيع ولد نتاج الدابة، والمنع في هذا مِنْ جِهة أنّه بيعُ مَعْدومٍ ومَجْهول، وغير مقدورٍ على تسليمه، فيدخل في بُيُوع الغَرَر، ولذلك صدّر البخاري بذكر الغَرَر في الترجمة، لكنّه أشار إلى التفسير الأول بإيراد الحديث في كتاب السَّلَم أيضاً، ورجّح الأول لكونه مُوافقاً للحديث، وإنْ كان كلام أهل اللغة موافقاً للثاني، لكن قد روى الإمام أحمد: من طريق ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر ما يوافق الثاني، ولفظه: «نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر»، قال: إنّ أهلَ الجاهلية كانوا يَتَبايعُون ذلك البَيع، يَبتاع الرجلُ بالشارف حَبَل الحَبَلة؛ فنُهوا عن ذلك».
هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجَنين؟
وقال ابن التين: محصّل الخلاف: هل المراد البيع إلى أجل، أو بيع الجَنين؟ وعلى الأول: هل المراد بالأجل ولادة الأم، أو ولادة ولدها؟ وعلى الثاني: هل المراد بيع الجنين الأول، أو بيع جنين الجنين؟ فصارت أربعة أقوال. انتهى.
وحكى صاحبُ «المحكم» قولاً آخر: أنّه بيعُ ما في بُطُون الأنْعام، وهو أيضا منْ بُيُوع الغَرَر، لكن هذا إنما فسّر به سعيد بن المسيب- كما رواه مالك في «الموطأ»- بيع المضامين، وفسّر به غيرُه بيع الملاقيح، واتفقت هذه الأقوال- على اختلافها- على أنّ المُراد بالحبلة: جمع حابل أو حابلة من الحيوان، إلا ما حكاه صاحب «المحكم» وغيره عن ابن كيسان أن المراد بالحبلة الكرمة؟ وأن النَّهْي عن بيع حبلها، أي: حملها قبل أنْ تبلغ، كما نهى عن بيع ثَمَر النَّخلة قبل أنْ تزهى، وعلى هذا فالحبلة بإسكان الموحدة وهو خلاف ما ثبتت به الروايات...
ثُمّ إنّ عطفَ بيع حَبَل الحَبلة، على بيع الغَرَر هو مِنْ عطف الخاص على العام.
فوائد الحديث
- تحريمُ بيع الجَنين منْفرداً عن أمّه.
- تحريم البيع إلى أجلٍ مَجْهول.
- تحريمُ بيع الجَزُور إلى أنْ تلد الناقة، ثُمّ يلد مولودها، وكذا غيرها من الحيوان.
- إبطالُ الإسْلام جهالات أهل الجاهلية.

من هَدْي النبي - صلى الله عليه وسلم - في البيع والشراء
السماحة في البيع والشراء
عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى»، وفي رواية: «غفر الله لرجل كان قبلكم، كان سهلًا إذا باع، سهلًا إذا اشترى، سهلًا إذا اقتضى»؛ و عن ابن عمر- رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من طلب حقًا فليطلبه في عفاف، وافٍ أو غير وافٍ».
إقالة النادم
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أقال مسلمًا بيعته، أقال الله عثرته» في لفظ عند البيهقي: «من أقال نادمًا أقال الله عثرته».
الأمانة في البيع
عن أبي هريرة- رضي الله عنه -» أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: مرَّ على صُبْرة من طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: يا صاحب الطعام، ما هذا؟ قال: أصابته السماء، يا رسول الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفلا جعلتَه فوق الطعام حتى يراه الناس، ثم قال -صلى الله عليه وسلم -: من غشَّنا فليس منَّا، والمكر والخديعة في النار»، قال الصنعاني: والحديث دليل على تحريم الغشِّ، وهو مجمعٌ على تحريمه شرعًا، ومذموم فاعله عقلًا. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم قالوا :إنَّ الغشَّ حرام. وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم - قال: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا فيه عيب إلا بيَّنه له»، وعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإنْ صدقا وبيَّنا بُورك لهما في بيعهما، وإنْ كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما».
لاتوجد تعليقات