الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي(5) أنواع الحصانة الدبلوماسية وأحكامها
- يقصد بالحصانة الشخصية صيانة المبعوث الدبلوماسي وحمايته من أي تعرّض لشخصه أو حريته أو كرامته وفقا لاتفاقية فيينا
- تُعدّ الدولة الإسلامية دولة دعوة فلها حق عرض الإسلام على الوفود والمبعوثين دون إكراه أو ضغط
- للمبعوث الدبلوماسي حق ممارسة حريته الشخصية بما لا يخالف النظام العام والقوانين وخصوصية المجتمعات الإسلامية وأعرافها العامة
ما زلنا في استعراض البحث الموجز في أحكام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي، الذي تناول فيه مؤلفه الشيخ: د. وليد خالد الربيع (أستاذ الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة جامعة الكويت) أهم ملامح هذا الجانب المهم من الدبلوماسية والعلاقات الدولية، مبيّنًا مواضع التلاقي والافتراق بينهما، ونستكمل في هذه الحلقة الحديث عن أنواع الحصانات الدبلوماسية وأحكامها.
قسَّم فقهاء القانون الدولي الحصانة الدبلوماسية إلى أنواع عدة، لكل نوعٍ منها مفهومه وأحكامه الخاصة، وقد تناولت اتفاقية (فيينا) هذه الحصانات بشيءٍ من التفصيل باعتبارها المرجع الأبرز في تنظيم العلاقات الدبلوماسية.
المقصود بالحصانة الشخصية
ويقصد بالحصانة الشخصية حماية المبعوث الدبلوماسي وضمان عدم التعرّض لشخصه أو حريته أو كرامته، فلا يجوز القبض عليه أو اعتقاله، مع التزام الدولة المعتمد لديها بتوفير الحماية والاحترام اللازمين له، وفق ما نصّت عليه المادة (29) من اتفاقية فيينا.
وتستند هذه الحصانة إلى ضرورة تمكين المبعوث الدبلوماسي من أداء مهامه في أجواءٍ من الأمن والاستقرار بعيدًا عن الضغوط والمؤثرات المختلفة؛ ولذلك امتدت لتشمل المبعوث الدبلوماسي، وأفراد أسرته المقيمين معه، وموظفي البعثة الدبلوماسيين، والموظفين الإداريين والفنيين، والمستخدمين، مع اختلاف درجة الحصانة التي يتمتع بها كل فريق بحسب طبيعة عمله وجنسيته وإقامته.
حصانة واسعة
فالمبعوث الدبلوماسي يتمتع بحصانة واسعة تشمل صيانة شخصه وكرامته، مع التزام الدولة المضيفة بحمايته ومعاقبة من يعتدي عليه وتعويضه عند الضرر، غير أن هذه الحصانة ليست مطلقة؛ إذ قد تزول في بعض الحالات، مثل تعريض الدبلوماسي نفسه للخطر، أو مشاركته في أعمال تهدد أمن الدولة المعتمد لديها، أو تجاوزه حدود مهامه الرسمية.
أفراد أسرة المبعوث
أما أفراد أسرة المبعوث الدبلوماسي فيتمتعون بحرمة الشخص والمسكن والمراسلات، بشرط إقامتهم معه وألا يكونوا من مواطني الدولة المضيفة، كما يتمتع الموظفون الإداريون والفنيون ببعض الحصانات المرتبطة بأعمالهم الرسمية، مع خضوعهم لبعض القيود، كإمكانية تفتيش أمتعتهم الشخصية وعدم شمول بعض الأعمال الخاصة بالحصانة، كذلك فإن المستخدمين لا يتمتعون إلا بحصانات محدودة ترتبط بمهامهم الوظيفية، وتترك بعض تفاصيلها لتقدير الدولة المعتمد لديها.
وقد نصّت اتفاقية فيينا أيضًا على أن المبعوث الدبلوماسي أو الموظف الذي يكون من مواطني الدولة المعتمد لديها أو من المقيمين فيها إقامة دائمة لا يتمتع بكامل الحصانات والامتيازات، وإنما تقتصر حمايته على الأعمال الرسمية المرتبطة بوظيفته، ما لم تمنحه الدولة المضيفة امتيازات إضافية.
مظاهر الحصانة الشخصية وأحكامها
- أولًا: الحرمة الشخصية
تُعدّ الحرمة الشخصية من أبرز مظاهر الحصانة الدبلوماسية، وقد أكدت المادة (29) من اتفاقية فيينا صيانة شخص المبعوث الدبلوماسي، ومنعت إخضاعه لأي نوع من أنواع القبض أو الاعتقال، مع إلزام الدولة المعتمد لديها بحمايته ومنع أي اعتداء على شخصه أو حريته أو كرامته، وقد حفلت السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي بأنواع تكريم الرسل والمبعوثين وحسن معاملتهم؛ فقد أكرم النبي - صلى الله عليه وسلم - سفير قيصر حين قدم إليه في تبوك، كما اعتنى الخلفاء المسلمون باستقبال المبعوثين بما يليق بمكانتهم، وللمبعوث الدبلوماسي حق ممارسة حريته الشخصية بما لا يخالف النظام العام والقوانين المعمول بها في الدولة المضيفة، كما يراعي خصوصية المجتمعات الإسلامية وأعرافها العامة، بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.
مظاهر هذه الحرمة
ومن مظاهر هذه الحرمة أيضًا حرمة مسكن المبعوث الدبلوماسي؛ إذ يتمتع منزله الخاص بالحماية ذاتها التي تتمتع بها دار البعثة، وتشمل هذه الحماية كذلك محل إقامته المؤقت وأمتعته الشخصية، فلا يجوز تفتيشها أو حجزها إلا وفق الضوابط التي قررتها اتفاقية فيينا.
موافق لمبادئ الشريعة
ومراعاة هذه الحرمة للمبعوث الدبلوماسي لا يتنافى مع مبادئ الشريعة الإسلامية ، بل إن القرآن الكريم يؤكد حرمة البيوت بقوله -سبحانه وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، وقد شملت هذه الآية بعمومها بيوت المسلمين وغيرهم فحرمتها مصونة فلا يجوز لأحد أن يدخلها إلا بإذن أهلها ، ولا شك أن وضع المبعوث الدبلوماسي يتميز بشيء من الخصوصية لطبيعة مهمته وكونه يمثل بلاده لدى الدولة الإسلامية؛ مما يقتضي مزيدا من العناية بهذا الجانب إلا فيما تقتضيه المصلحة العامة، أو يخشى من إهماله مفاسد أكبر من مفسدة انتهاك حرمة المنزل الشخصي للمبعوث الدبلوماسي.
- ثانيًا: حرية العقيدة والعبادة
يتمتع المبعوث الدبلوماسي بحرية ممارسة شعائره الدينية، فلا يُلزم باعتناق دين الدولة التي وفد إليها، وقد ترك القانون الدولي مسألة حرية العقيدة والعبادة لاختيار السفير وتنظيم الدولة الداخلي، دون تدخلٍ في الجوانب الدينية.
في الفقه الإسلامي
أما في الفقه الإسلامي، فإن الدولة الإسلامية تُعدّ دولة دعوة، فلها حق عرض الإسلام على الوفود والمبعوثين دون إكراه أو ضغط، مع ضمان حقهم في البقاء على دينهم وممارسة شعائرهم بما لا يخل بالنظام العام أو يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية. وقد دلّت السيرة النبوية على ذلك؛ إذ استقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - الوفود غير المسلمة، وأذن لهم بممارسة عباداتهم دون تعنيف أو إكراه.
كما أجاز الفقه الإسلامي للمبعوث أو السفير ممارسة شعائره الدينية بطريقة خاصة، لكنه منع إظهار الشعائر غير الإسلامية علنًا في بلاد الإسلام، مراعاةً لخصوصية المجتمع الإسلامي ونظامه العام، وهذا التفريق بين حرية العبادة الخاصة ومنع إظهار الشعائر علنًا هو مذهب جمهور الفقهاء.
لاتوجد تعليقات