منهج ابن تيمية في كشف بدعة الخوارج (1)
سوء الفهم لمراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أصل بدعة الخوارج، فهم لم يقصدوا مخالفة الكتاب، ولكن فهموا منه ما لم يدل عليه
يجب الاحتراز من تكفير المسلمين بالذنوب والخطايا؛ فإنه أول بدعة ظهرت في الإسلام
لقد نبتت في بلاد المسلمين نبتة سوء ترجع بأصولها إلى بدعة الخوارج؛ فوجب تحذير المسلمين من ذلك، وحتى يتمكن المبصر – لحقائق الأشياء – التمييز عند الحكم على الأفعال بين الخطأ المغفور لصاحبه الذي هو من قبيل الاجتهاد السائغ، وبين الأخطاء المغلظة التي ترجع بأصولها إلى أهل البدع والأهواء؛ ولاسيما فيما يتعلق ببدعة تكفير المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم وديارهم.
وهذا التمييز حتى يتحقق هدفه لابد أن يؤسس ويؤصَّل على فهم علميّ سلفي للكتاب والسنة وتطبيقاتها في الواقع أولاً، وعلى دراية ببدعة الخوارج وأصولها ونشأتها ثانياً، ولا سبيل لتحقيق الأمرين اللازمين لرؤية صحيحة في هذا الميدان إلا بالنظر في الموروث العلمي لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، ولاسيما وأن الدواعي لمثل هذا الطرح مقصوده الوقوف على السمات الخاصة بالخوارج في كل عصر، ولشيخ الإسلام السبق في هذا الميدان.
تنبيهات مهمة
وقبل الشروع في المقصود لا بد من التذكير بأمورٍ مهمة نبّه عليها شيخ الإسلام – رحمه الله.
بداية الخوارج
- الأول: الخوارج أول ما خرجوا زمن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وكان لهم من الصلاة، والصيام، والقراءة، والعبادة، والزهد، ما لم يكن لعموم الصحابة؛ لكن كانوا خارجين عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن جماعة المسلمين، وقتلوا من المسلمين رجلاً اسمه عبد الله بن خباب، وأغاروا على دواب المسلمين.
وهذه البدعة هي أول البدع ظهورا في الإسلام، وأظهرها ذمّاً في السنة والآثار؛ فإن أولهم قال للنبي صلى الله عليه وسلم في وجهه: اعدل يا محمد؛ فإنك لم تعدل، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم وقتالهم، وقاتلهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مستفيضة بوصفهم وذمهم والأمر بقتالهم، قال أحمد بن حنبل -رحمه الله-: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام، كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة».
لا يزالون يخرجون
- الثاني: لا يزال يخرجون إلى زمن الدجال: أحاديث الخوارج رويت من أوجه عدة: ففي حديث أبي برزة عند النسائي: «يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام، كما يمرق السهم من الرمية، سيماهم التحليق، لا يزال يخرجون حتى يخرج آخرهم مع الدجال، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، هم شر الخلق والخليقة»، قال شيخ الإسلام في (المجموع 28/496): فإنه قد أخبر في غير هذا الحديث أنهم لا يزالون يخرجون إلى زمن الدجال، وقد اتفق المسلمون على أن الخوارج ليسوا مختصين بذلك العسكر.
أهل الأهواء والبدع
- الثالث: أدخل العلماء في نصوص الخوارج كل من كان في معناهم من أهل الأهواء والبدع، وإن كان الخروج عن الدين والإسلام أنواعاً مختلفة.
الشريعة ذمتهم وأمرت بقتالهم
- الأمر الرابع: إن الشريعة ذمتهم وأمرت بقتالهم مع ما عندهم من حسنات وعبادات، قال شيخ الإسلام (11/473): فهؤلاء مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم وما هم عليه من العبادة والزهادة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم، وقتلهم علي بن أبي طالب ومن معه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك لخروجهم عن سنة النبي وشريعته. أ.هـ
والملاحظ: أن الخوارج يتدرجون في بدعتهم حتى يتمكنوا من فرضها على الواقع، يبادرون أولاً بمقدمات البدعة ثم بتنظيرها والاستدلال عليها، ثم إيجاد مسوغات الشروع بالبدعة ودواعي تنفيذ الفكرة، ثم فرض البدعة على الواقع بالسيف، وفي كلام شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- كفاية للمطلوب، فأحببنا الوقوف على المحاور الآتية:
- الأول: مقدمات بدعتهم
سوء الفهم لمراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أصل بدعة الخوارج، فهم لم يقصدوا مخالفة الكتاب، ولكن فهموا منه ما لم يدل عليه، يقول شيخ الإسلام في (المجموع 13/30-31): وكانت البدع الأولى مثل (بدعة الخوارج) إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه؛ فظنوا أنه يجوب تكفير أرباب الذنوب إذا كان المؤمن هو البر التقي، قالوا: فمن لم يكن براً تقياً؛ فهو كافر، وهو مخلد في النار.
ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، فكانت بدعتهم لها مقدمتان:
(الواحدة): أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه؛ فهو كافر.
(والثانية): أن عثمان وعلياً ومن والاهما كانوا كذلك. ولهذا يجب الاحتراز من تكفير المسلمين بالذنوب والخطايا؛ فإنه أول بدعة ظهرت في الإسلام، فكفر أهلها المسلمين. واستحلوا دماءهم وأموالهم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث صحيحة في ذمهم والأمر بقتالهم. أ.هـ
الثاني: أصل بدعتهم
أدخل شيخ الإسلام -رحمه الله- بدعة الخوارج ضمن البدع المغلظة الكبار، وبين وجه التفاوت بينها، فقال -رحمه الله- في (المجموع 28/497):
فهؤلاء أصل ضلالهم: اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل، وأنهم ضالون، وهذا مأخذ الخارجين عن السنة، ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرا، ثم يرتبون على الكفر أحكاماً ابتدعوها.
فهذه ثلاث مقامات للمارقين من الحرورية ونحوهم. في كل مقام تركوا بعض أصول دين الإسلام، حتى مرقوا منه كما مرق السهم من الرمية. ونظر شيخ الإسلام – رحمه الله – إلى أصل بدعة الخوارج وخاصيتها من وجهين:
الأول: على اعتبار أنها مخالفة للسنة.
الوجه الثاني: ما يترتب على هذه المخالفة من لوازم باطلة يلزمون الناس بها، فقال – رحمه الله – في (المجموع 19/72-73): ولهم، أي: الخوارج خاصتان مشهورتان فارقوا بهما جماعة المسلمين وأئمتهم:
إحداهما: خروجهم عن السنة، وجعلهم ما ليس بسيئة سيئة، أو ما ليس بحسنة حسنة، وهذا هو الذي أظهروه في وجه النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حيث قال له ذو الخويصرة التميمي: اعدل؛ فإنك لم تعدل، حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم : «ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خِبتُ وخسرتُ إن لم أعدل».
الفرق الثاني في الخوارج وأهل البدع: أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات، ويترتب على تفكيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم، وأن دار الإسلام دار حرب، ودارهم هي دار الإيمان.
ثم بيَّن – رحمه الله – ما يتولد من هذين الأصلين الخبيثين، فقال: فينبغي للمسلم أن يحذر من هذين الأصلين الخبيثين، وما يتولد عنهما من بغض المسلمين وذمهم ولعنهم واستحلال دمائهم وأموالهم.
وهذان الأصلان هما خلاف السنة والجماعة، فمن خالف السنة فيما أتت به أو شرعته فهو مبتدع خارج عن السنة، ومن كفر المسلمين بما رآه ذنباً، سواء كان ديناً أم لم يكن ديناً، وعاملهم معاملة الكفار فهو مفارق للجماعة، وعامة البدع والأهواء إنما تنشأ من هذين الأصلين. أ.هـ
لاتوجد تعليقات