فضيلة الشيخ سعود الشريم: علينا جميعا تقديم مصلحة الإسلام والمسلمين على كل مصلحة دونها
ألقى فضيلة الشيخ سعود الشريم - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: (واقع المسلمين وكيفية تغييره)، وتحدَّث فضيلته عن واقع المسلمين اليوم في ضعفهم وهوانهم، مبينا أثر هيمنة الشهوات وحب الدنيا على مجتمعاتنا اليوم، مُشيرًا إلى عدم انفصال العمل الدنيوي عن عمل الآخرة، كما لا يوجد تغليب للجسَد على حساب الروح، وقال فضيلته: إنه متى رُؤِيَ من أمة الإسلام مَيْلٌ صادقٌ إلى الوحدة والتمكين؛ فإن العاقِبَة لها ما من ذلك بُدٌّ، وأكد فضيلته أن الشارع الحكيم دعا إلى الوحدة والتآلف والتآخي، ونهى عن الاختِلاف، والتدابُر، وعدها خروجا عن دائرةِ المؤمنين الجامِعة، وطالب فضيلته المسلمين أن يدركوا حجمَ العداوَة التي يكنها الأعداء لهم، ثم عليهم أن يدركوا السُّبُل والوسائل التي يتربَّصُ بها الأعداء، وأن يضعوا محلها الوسائل الإيجابيَّة، مع الرجوع إلى الله تعالى.
حب الدنيا
قال فضيلة الشيخ سعود الشريم: إن الهيمَنَة لنَزعَة الشهوة والأثَرَة، وحبِّ الدنيا وكراهية الموت، قد ولَّدَت في كوامِن كثيرٍ من المُجتمعات المُسلِمة قِسطًا وافِرًا من القُنوط واليأس، وذوَبَان الأمل، والشعورِ المُستحكِم بأن سيادتَها في الأرض وريادتَها فيهما نوعُ استِحالةٍ تجعلُ القناعةَ بمثلِ ذلكم لونًا من ألوان الرِّضا بالواقِع، والاستِسلام للمُستجدَّات والمُدلهِمَّات أيًّا كان نوعُها، حتى لو كان فيها ظُلمُ الإنسان وقهرُه، وإهدارُ كرامته، ومحوُ هويَّته، مع أن حقيقةَ الإسلام وواقِعَه يُؤكِّدان أنه لا انفِصال بين العمل للدنيا والعمل للأخرى، وأن ليس ثمَّة تغليبٌ للجسَد على حساب الروح، ولا للروح على حساب الجسَد. إنما هناك تنظيمٌ دقيقٌ يجعلُ همَّة الإنسان المُسلِم والمُجتمعِ المُؤمن في أن يتولَّى القيادة ويُمسِك بالزِّمام، فلا هي رهبانيَّةً تقتُلُ نداءَ الفِطرة والجِبِلَّة، ولا هي ماديَّةً جوفاء، وأفئِدةً هواء، تتجاهلُ سناءَ الروح وتطلُّعاتها إلى الرِّفعة والتمكين.
وهذا الحقُّ - عباد الله - هو ما يجبُ أن يعرِفَه عامَّةُ المُجتمعات المُسلِمة بجلاءٍ ووضوحٍ، وأن تبُحَّ له حناجِرُ الباحثين عن الصالِح العامِّ لأمَّتهم ومُجتمعاتهم؛ فإن الله - جل وعلا - سخَّر آفاق السماء، وفِجاجَ الأرض، وجعلَها في خدمة الإنسان؛ ليعمُر أرضَه، ويخلُف فيها بالإصلاح والعبودية له وحده، وليكون عزيزًا مُطاعًا، لا ذليلاً مُهانًا، وليكون متبُوعًا من قِبَل أُمم الأرض، لا تابِعًا.
فإن الله -سبحانه وتعالى- قد قال: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ}(لقمان: 20).
علو الهمة
وقال أيضا: فإن هذا التسخيرَ الإلهيَّ لم يكُن عبَثًا بلا حِكمة، ولا نعمةً لا تقتضِي شُكرًا يُشاهَدُ على أرض الواقِع، من خلال إقامة شرع الله في أرضه، وإعلاء كلمتِه لتكون هي العُليا على هذه البسيطة، {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ}(الزمر: 7).
ومن هذا المُنطلَق - عباد الله - كان لِزامًا على أمة الإسلام أن تُدرِكَ أمرَين جدُّ عظيمَين، تحمِلُ عليهما الضرورةُ تارةً، ويهدِي إليهما الدينُ تاراتٍ أخرى؛ بل كلٌّ منهما يستلزِمُ الآخر ويستصحِبُه استِصحابًا حثيثًا.
والأمران - عباد الله - هما: التآخي والائتِلاف بلا تفرُّقٍ واختِلاف، وعلوُّ الهمَّة لبلوغِ الأرَب في الرِّفعة والرِّيادة، دون استِكانةٍ أو خُنوعٍ لغير الله - سبحانه وتعالى -. بهذين الأمرَين - عباد الله - تنمُو الأُمم، فتعظُم فتسُود ما شاء الله أن يحيَا فيها هذان الأمران.وإنه متى رُؤِيَ من أمة الإسلام مَيْلٌ صادقٌ إلى الوحدة والتمكين؛ فإن العاقِبَة لها ما من ذلك بُدٌّ، فتلك هي السنةُ الكونية والدينية.
الوحدة والتمكين
ومن تصفَّح تاريخَ الأُمم والشعوب، وتأمَّل واقِعَها من خلال كتاب الله وسنة رسولِه صلى الله عليه وسلم ، ومصادر التأريخ المُسطَّرة؛ وجدَ أن حظَّ الأُمم والشعوب من الوجود على مِقدار حظِّها من الوحدة، ووجدَ مبلغَها من العلوِّ والهيمَنة على قدرِ تطلُّعها إلى التمكين في الأرض لإثبات وُجودِها.
ولوَجَد أيضًا أنه ما انحرَفَ قومٌ عن بُلوغ ما ذُكِر، فألهَاهم بما بين أيديهم، وأوقَفَهم على أبواب ديارهم ينتظِرون طريقَهم بالسوء، إلا بعد ما رُزئُوا بالاختلاف والافتِراق، ودنُوِّ الهمَّة، والحِطَّة، والشِّقاق، والرِّضا بالحياة الدنيا من الآخرة، {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ}(التوبة: 38).
الاتحاد والاتفاق
وأكد فضيلته أن الاتِّحادُ والاتفاقُ والائتِلاف تقارُبٌ يُحدِثُه شعورُ كل فردٍ من أفراد أمة الإسلام، بما ينفعُها وما يضُرُّها. شعورٌ يبعَثُ كلَّ واحدٍ منَّا على التفكُّر في أحوال أمَّته، ويجعلُ لهذا التفكُّر جُزءًا من زمنه وهمِّه، وألا يكون هذا التفكُّر أقلَّ من همِّه بمعاشِه ورِزقِه، فضلاً عن أن يكون مُجرَّد تفكُّر لا يُجاوِزُ جُدرانَ مُخيِّلة المرء نفسِه؛ بل تفكُّرٌ يتبَعُه عمل، وعزيمةٌ يخلُفُها إصرار.
ولهذا جاء حثُّ النبي صلى الله عليه وسلم على التماسُك والتآخي بين المُؤمنين، وذلك في قولِه - صلوات الله وسلامُه عليه -: «المؤمنُ للمُؤمن كالبُنيان يشُدُّ بعضُه بعضًا» - ثم شبَّك بين أصابِعِه - صلواتُ الله وسلامُه عليه -؛ رواه البخاري ومسلم. وفي مثلِ قولِه صلى الله عليه وسلم : «مثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم مثَلُ الجسد، إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسَد بالسَّهر والحُمَّى»، رواه مسلم. ففي الحديث الأول: جعلَ موضِع المُسلم بين إخوانه المُؤمنين كالبُنيان، الذي لا يقومُ بعضُه إلا على بعضِه الآخر، من خلال تراكُم اللَّبِنات وتشابُكها.
الإختلاف والتدابر
وفي الحديث الآخر: أنزلَ المؤمنَ من أخيه منزلةَ أحد الأعضاء في الجسَد، إذا مسَّه ألَمٌ استنفَرَت بسببِه سائرُ الأعضاء. فلله! أيُّ تشبيهٍ للأُخُوَّة أعظمُ من هذا التشبيه، الذي نطقَ به من أُوتِي جوامِع الكلِم - بأبي هو وأمي - صلواتُ الله وسلامُه عليه -؟! إن هذا الترابُط والتآخي، والحضَّ عليه من قِبَل الشارع الحكيم، لم يُترَك هكذا دون سِياجٍ يُحاطُ بتحذيرٍ وتخويفٍ؛ بل أُتبِعَ بالنهي عن ضدِّه، وهو: الاختِلاف، والتدابُر، والخروجُ من دائرةِ المؤمنين الجامِعة؛ حيث توعَّد الله الواقِع في ذلكم بقولِه: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}(النساء: 115).
هذا هو موقفُ الدين الإسلاميِّ من العُنصر الأول، الذي هو عنصرُ الائتِلاف والتآخي المُوافِقَين للهدي السماوي الإلهيِّ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٤٥﴾ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}(الأنفال: 45، 46).
بلوغ العزة والرفعة
وأضاف فضيلته: فثمَّ عنصرٌ آخر - عباد الله -، وهو: عنصُر الهمَّة نحو بلوغ العزَّة والرِّفعة والتمكين في الأرض، من خلال السعي الصادق لبثِّ دين الإسلام والتمكين له، والإعلاء لكلمة الله في أرضه، وعمارتها بالعدل والقِسط. وإن آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم حافِلةٌ بذِكر ذلكم، داعيةً إليه، جاهِرةً بالحضِّ عليه، حاظِرةً عليهم أن يستكِينُوا أو يتخاذَلوا أو يتوانَوا في المفروض والقيام به.
إن كل الرَّزايا التي تحُلُّ بأقطار المُسلمين وتضعُ من أقدارهم ما كان قاذِفُهم ببلائِها، ورامِيهم بسِهامها إلا افتراقُهم وتدابُرُهم، الذي نهاهم الله عنه، ونهاهم عنه رسولُه صلى الله عليه وسلم ، ولو أنهم أدَّوا تلك الحقوق التي تُطالِبُهم بها كلمةُ الله العُليا، وتطمئنُّ قلوبُهم بذِكرها، لما كان للغريبِ مجالٌ لأن يُمزِّق شملَهم كلَّ مُمزَّق، أو أن يُفرِّقهم شذَر مذَر، أو أن يُلمِّع سلاحَه عُدوانًا وظُلمًا في وجوههم، بعد أن كانت أقدامُهم في صياصِي أعدائِهم، وأيديهم على نواصِيهم رَدحًا من الزمن.
العبث والظلم
هل يودُّ المُسلمون أن يعمُروا مئات السنين في الضعف والدُّون، وهم يعلَمون أن ازدِراء الحياة وزُخرفها والزُّهد فيها هو دليلُ النفس المُؤمنة؟! أيرضَى المُسلمون وقد كانت كلمتُهم هي العُليا، أن يُضربَ عليهم الخوف والجوع، وأن يُقذَف في قلوبهم الرُّعب، وتبلُغ قلوبُهم الحناجِر، ويظنُّون بالله الظُّنُونا؟! وأن يستبِدَّ في ديارهم وأموالهم وأرضِهم التي استنشَقُوها من هو أجنبيٌّ عنهم دينًا وخُلُقًا وسياسةً، أو من لا يرقُبُ فيهم إلاًّ ولا ذمَّة؛ بل أكبرُ همِّه العبَثُ والتشريدُ والتفريقُ، والقتلُ والظُّلمُ، حتى يُخلِيَ منهم أوطانَهم التي خُلِقوا فيها، وربَوا على ثَراها، ثم يضرِب القُرعة بين المُقتسِمين أرضَهم وأموالَهم.
الوحدة والتغلب
إن الوحدة والتطلُّع إلى الغلَبَة، وصِدقَ الرَّغبة في حفظِ حوزَة الإسلام، كلُّها صفاتٌ كامِنة في نفس كل فردٍ وكل مُجتمعٍ مُسلمٍ، إلا من شاء الله. بَيْدَ أنهم دهاهم ما يُلهِيهم عن استِصحاب ذلكم واستِصحاب حُكمه، فذُهِلُوا عن سماع أصوات الساعِين إلى العدل والحقِّ، فسَهَوا وما غوَوا، وزلُّوا وما ضلُّوا، ولكنهم دُهِشُوا وتاهُوا وسطَ زوابِع الدنيا وزخارِفها وأطيافها الزائِلة، حتى أصبَحوا يطلُبُون العونَ وهو معهم، ولكنهم لا يهتَدون إليه سبيلاً، فصاروا
كالعِيسِ في البَيداءِ يقتُلُها الظَّما
والماءُ فوقَ ظُهورِها محمُولُ
وقال أيضا: إن علينا جميعًا أن نُدرِك حجمَ عداوَة من لا يُحبُّنا، ولا يهمُّه أمرُنا، كما أن علينا جميعًا أن نُدرِك السُّبُل والوسائل التي يتربَّصُ بها عدوُّنا، وأن نُذكِيَ محلَّها الوسائل الإيجابيَّة، مع الرجوع إلى الله، والأُلفة، والعزيمة، والتغلُّب على الهوَى والرغبة الشخصية، وتقديم مصلَحة الإسلام والمُسلمين على كل مصلحةٍ دونَها، {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿١٤٧﴾فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(آل عمران: 147- 148).
بطاقة شخصية للشيخ
هو سعود بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن ناصر بن إبراهيم بن محمد بن شريم، جده محمد بن إبراهيم الشريم هو أمير شقراء من سنة 1322 واستمر حتى سنة 1325، ثم طلب الإعفاء من الإمارة، وأسرته هم الشريم أهل شقراء والسر من فخذ الحراقيص من قبيلة بني زيد القبيلة المعروفة في نجد وغيرها من البلدان.
ولد الشيخ بمدينة الرياض عام 1386هـ، درس المرحلة الابتدائية بمدرسة عرين ثم المتوسطة في المدرسة النموذجية، ثم الثانوية في ثانوية اليرموك الشاملة، التي تخرج فيها عام 1404هـ، ثم التحق بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، تخرج فيها عام 1409هـ، ثم التحق عام 1410هـ بالمعهد العالي للقضاء ونال درجة الماجستير فيه عام 1413هـ.
وتلقى العلم مشافهة عن عدد من المشائخ الأجلاء من خلال حضور حلقات دروسهم مابين مقل ومكثر، منهم سماحة مفتى عام المملكة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز - رحمه الله - وكذلك الشيخ العلامة عبد الله بن جبرين -رحمه الله-.
لاتوجد تعليقات