همس القلم .. صفات المعلّم المسلم
مهنة التعليم في ميزان الإسلام رسالة سامية، وحمل أمانة، وهمٌّ تربويٌّ ودعوي ممتدّ، يرى من خلاله المعلّم كلَّ طالب وديعةً في عنقه، ولبنةً في بناء أمة. فالمعلّم المسلم لا يقتصر دوره على شرح المقررات وتصحيح الأوراق، وإنما يتعامل -كما قال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله- مع «أمرٍ لا يُعين عليه إلا الله»، أمرٍ يتعلّق بتغيير القناعات، وبناء الضمائر، وصناعة رجال ونساء يحملون راية الإسلام بعلم وبصيرة وإخلاص.
إخلاص النية وعظمة الرسالة
لعل أول صفات المعلّم المسلم إخلاص النية لله -تعالى-، واستحضار أن ما يؤديه من تعليم وتربية لونٌ من ألوان العبادة، لا مجرّد كسبٍ أو وظيفة؛ قال -تعالى-: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، وحين يستشعر المعلّم هذا المعنى، ومن هنا يتحول التعليم إلى صبر ورباط ومجاهدة للنفس من أجل تحقيق رضا الله -عز وجل-.الهمة العالية في بناء الإنسان
المعلّم الحقّ لا يقف عند حدود «شرح المقرر» ولا يربط رسالته بساعات الدوام، بل يتخذ مادته وسيلة لبناء شخصية مسلمة واعية، قوية في دينها، أمينة في سلوكها؛ فلا يجعل التعليم حشوًا للمعلومات؛ بل تربية على التفكير الصحيح، والتمييز بين الحق والباطل، وربط العلم بمعاني العبودية لله -تعالى-، ونفع المجتمع، ويغرس في نفوس تلاميذه أن العلم في الإسلام عبادة، وأن الشهادات ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لخدمة الدين والأمة، وذلك مصداقا لقول النبي - صلى لله عليه وسلم -: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة».الثبات في وجه التحديات
ينبغي على المعلّم أن يدرك أنه يعمل في بيئة مليئة بالتحديات مثل المناهج والأفكار الوافدة أحيانا، أو الإعلام غير المنضبط، أو تقديم التافه على القدوة، أو النأي عن القيم أحيانًا؛ بحيث لا يكون هذا الواقع مسوغا للتقصير بل دافعًا لمزيد من الصبر والثبات؛ ففساد المحيط لا يُسقط الواجب، وتقصير الآخرين لا يعفيه من مسؤوليته، وفي المقابل يسعى إلى زرع المعاني العظيمة في طلابه: كالعزة بالإيمان، وكرامة الطاعة، وشرف حمل رسالة الإسلام.الجمع بين العلم والعمل:
ومن أعظم صفات المعلّم المسلم أن يكون قدوة عملية قبل أن يكون معلّمًا نظريًا؛ فلا يدعو إلى خُلق ثم يخالفه، ولا ينهى عن سلوك ثم يقع فيه؛ قال الله -تعالى-: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}. ويُعلّم تلاميذه أن العلم في الإسلام لا يُطلب للوجاهة والمناصب؛ بل للعمل الصالح وعمارة الأرض وفق منهج الله، وأن القوة والأمانة هما معيار الصلاح الحقيقي؛ ولذلك يربط كل معرفة بأثرها العملي ليعلم الطالب كيف يتقرّب من الله؟ وكيف يتحصّن من الشبهات والشهوات؟ وكيف ينفع الأمة في حاضرها ومستقبلها.مسؤولية الجيل القادم
ولا يقيس المعلّم المسلم نجاحه بعدد الدرجات ولا بنسب النجاح فحسب؛ بل بما يُحدثه من تغيير في المفاهيم والسلوك، فيرى كل كلمة صادقة يزرعها في نفوس طلابه «فسيلة» أًمر بغرسها، ولو قامت الساعة؛ كما في توجيه النبي - صلى لله عليه وسلم -؛ فهو يعمل ويجتهد، ثم يسلّم النتائج لله، مستيقنًا أن البركة ليست في الكثرة، بل في الصدق والإخلاص؛ فربّ كلمة خرجت من قلب مخلص، وموقف تربوي صادق، ودعوة خفية في جوف الليل، كانت سببًا في إعداد جيلٍ يحمل الحق، ويثبت عليه.
لاتوجد تعليقات