رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 5 أكتوبر، 2026 0 تعليق

غراس القلم- من معلمي الناس الخير.. مصعب بن عمير – رضي الله عنه –

يسرا جلال

مع انكسار درجات الحرارة، وترقّب الأجواء الباردة المنعشة، تهب نسمات تحمل معها ذكريات العام الدراسي، فأستعيد في ذاكرتي معلمين مررت بفصولهم، وتركوا في نفسي أثرًا لا يزال حاضرًا، قد تغيب بعض الأسماء، وتتوارى تفاصيل كثير من الدروس، لكن أثر المعلم الصادق يبقى؛ وفي السطور القادمة، نستعرض خمسة نماذج من معلمي الناس الخير في تاريخنا الإسلامي؛ عاش كل منهم في زمن مختلف، لكنه ترك درسًا تجاوز حدود ما كان يعلّمه، ليبقى أثره ممتدًا في النفوس والحياة، ونبدأ في هذه الحلقة معلم القرآن الذي مهّد الطريق لفتح المدينة، مصعب بن عمير - رضي الله عنه -.

       كان مصعب بن عمير - رضي الله عنه - من السابقين الأولين إلى الإسلام، ولكن لم تبدأ مهمته الكبرى معلما إلا بعد بيعة العقبة الأولى، حين بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يثرب ليقرئ أهلها القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فنزل على أسعد بن زرارة - رضي الله عنه -، وعُرف في المدينة بـ «المقرئ». وشهرته هذا تنبئنا بمنهجه. لم يبدأ مصعب - رضي الله عنه - بصراعات فلسفية، ولم يجعل مهمته الدخول في جدالات طويلة لإثبات الإسلام ونفي ما سواه، وإنما بدأ بما بدأ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: القرآن، كلام الله الذي يفتح القلوب قبل أن يملأ العقول: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء: 9)، وحين خرج إليه أسيد بن حضير غاضبًا، يحمل حربته ليزجره عن دعوة الناس، لم يقابله مصعب بالصدام، وإنما قال له: «أوَ تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كُفَّ عنك ما تكره»، فجلس أسيد، واستمع إلى القرآن، فدخل الإيمان قلبه. ثم جاء سعد بن معاذ، سيد قومه، فكان إسلامه سببًا في انتشار الإسلام في بني عبد الأشهل، وفشا الإسلام في المدينة على نحو عظيم، علّمنا مصعب كيف يفتح المعلم القلوب قبل أن يطالبها بالاستجابة. دخل مصعب المدينة فردًا وخلال عام امتد أثره في تهيئة مجتمع كامل لاستقبال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت المدينة بعد ذلك دار الهجرة والنصرة، ومنها انطلقت الدولة الإسلامية، وهنا يتعلم معلم اليوم: قد تدخل الفصل ومعك بضعة طلاب، لكنك لا تعرف كم جيلًا سيمتد إليه أثر ما تزرعه فيهم اليوم.  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك