شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان- السابع والعشرون مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: المرابطة في سبيل الله -تعالى-
- الرِّبَاطَ في الثُّغُورِ أَفْضَلُ مِنْ مُجَاوِرَةِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ لِأَنَّ الْمُرَابَطَةَ مِنْ جِنْسِ الْجِهَاد وَالْمُجَاوَرَةُ مِنْ جِنْسِ الْحَجِّ وَجِنْسُ الْجِهَادِ أَفْضَلُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ
- المرابطة في الثغور من أهم الوسائل لحفظ الدين من خطر الأعداء ويترتب عليها أجر عظيم لكل مرابط
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة، يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
المرابطة في سبيل الله من شعب الإيمان لقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200)، ولحديث سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - في صحيح البخاري: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا»، والمرابطة تنزل من الجهاد والقتال منزلة الاعتكاف في المساجد من الصلاة.المعنى الإجمالي
المرابطة في الثغور من أهم الوسائل لحفظ الدين من خطر الأعداء عليه ورتب عليها أجر عظيم لكل مرابط.- قوله: لقوله -تعالى-:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200)، قال القرطبي: قال الحسن: على الصلوات الخمس، وقيل: إدامة مخالفة النفس عن شهواتها، فهي تدعو وهو ينزع. وقال عطاء والقرظي: صابروا الوعد الذي وعدتم، أي: لا تيأسوا وانتظروا الفرج، قال - صلى الله عليه وسلم -: «انتظار الفرج بالصبر عبادة»، واختار هذا القول أبو عمر -رحمه الله تعالى- والأول قول الجمهور، ومنه قول عنترة:
فلم أرَ حيًّا صابَروا مثْلَ صبرنا ولا كافحوا مثلَ الذين نكافحُ
- قوله (صابروا) مثل صبرنا، أي صابروا العدو في الحرب، ولم يبدُ منهم جبن ولا خَور، والمكافحة: المواجهة والمقابلة في الحرب، ولذلك اختلفوا في معنى قوله: {وَرَابِطُوا} فقال جمهور الأمَّة: رابطوا أعداءكم بالخيل، أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، ومنه قوله -تعالى-:{وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ} (الأنفال: 60) وفي الموطأ عن مالك عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة ابن الجراح - رضي الله عنه - إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يذكر له جموع الروم وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله له بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله -تعالى- يقول في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200). وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن - رضي الله عنه -: هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولم يكن في زمان رسول الله - شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان- السابع والعشرون مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: المرابطة في سبيل الله -تعالى-- غزو يرابط فيه، رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه. واحتج أبو سلمة بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط» ثلاثًا.
الملازمة في سبيل الله
قال ابن عطية: والقول الصحيح هو أن الربط الملازمة في سبيل الله، أصلها من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطًا، فارسًا كان أو راجلًا، والمرابط في سبيل الله عند الفقهاء هو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما، قاله محمد بن المواز (ورواه) وأما سكان الثغور دائمًا بأهليهم الذين يعمرون ويكتسبون هنالك، فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين، قال ابن عطية، وقال ابن خويز منداد: وللرباط حالتان: حالة يكون الثغر مأمونًا منيعًا يجوز سكناه بالأهل والولد، وإن كان غير مأمون جاز أن يرابط فيه بنفسه إذا كان من أهل القتال، ولا ينقل إليه الأهل والولد لئلا يظهر العدو فيسبي ويسترق، والله أعلم.
فضل الرباط
وجاء في فضل الرباط أحاديث كثيرة، منها ما رواه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «رباط يوم في سبيل الله خير عند الله من الدنيا وما فيها»، وفي صحيح مسلم عن سلمان قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان»، وروى أبو داود في سننه عن فضالة ابن عبيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتان القبر»، وفي هذين الحديثين دليل على أن الرباط أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت، كما جاء في حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، وهو حديث صحيح انفرد بإخراجه مسلم؛ فإن الصدقة الجارية والعلم المنتفع به والولد الصالح الذي يدعو لأبويه ينقطع ذلك بنفاد الصدقات وذهاب العلم وموت الولد.الرباط يضاعف أجره
والرباط يضاعف أجره إلى يوم القيامة؛ لأنه لا معنى للنماء إلا المضاعفة، وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه، بل هي فضل دائم من الله -تعالى- إلى يوم القيامة؛ وهذا لأن أعمال البر كلها لا يتمكن منها إلا بالسلامة من العدو والتحرز منه بحراسة بيضة الدين وإقامة شعائر الإسلام، وهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة، أخرج ابن ماجة بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مات مرابطًا في سبيل الله أجري عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأمن من الفتان، وبعثه الله يوم القيامة آمنًا من الفزع»، وفي هذا الحديث قيد ثانٍ وهو الموت حال الرباط، والله أعلم.المرابطة هي الثبات واللزوم
قال ابن القيم: «فأمرهم بالصبر وهو حال الصابر في نفسه، والمصابرة وهي حاله في الصبر مع خصمه، والمرابطة وهي الثبات واللزوم، والإقامة على الصبر والمصابرة؛ فقد يصبر العبد ولا يصابر وقد يصابر ولا يرابط، وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى، فأخبر -سبحانه- أن ملاك ذلك كله التقوى، وأن الفلاح موقوف عليها فقال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر، فهي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان فيزيله عن مملكته».خير من الدنيا وما عليها
- قوله: ولحديث سهل بن سعد الساعدي في صحيح البخاري: «رباط يوم في سبيل الله -تعالى- خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها»، قال ابن بطال: «قال المهلب: إنما صار رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها؛ لأنه عمل يؤدي إلى الجنة، وصار موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، من أجل أن الدنيا فانية، وكل شيء في الجنة وإن صغر في التمثيل لنا، وليس فيها صغير؛ فهو أدوم وأبقى من الدنيا الفانية المنقطعة، فكان الدائم الباقي خيرًا من المنقطع»، قال ابن تيمية: «قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ الرِّبَاطَ بِالثُّغُورِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوِرَةِ بِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُرَابَطَةَ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ، وَالْمُجَاوَرَةُ مِنْ جِنْسِ الْحَجِّ وَجِنْسُ الْجِهَادِ أَفْضَلُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جِنْسِ الْحَجِّ، كَمَا قَالَ -تعالى-: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (التوبة: 19 - 22).»، والمرابطة تنزل من الجهاد والقتال منزلة الاعتكاف في المساجد من الصلاة؛ لأن المرابط يقيم في وجه العدو مثل قيامه متأهبًا مستعدا له.
فوائد الرباط السلوكية
- الرباط في سبيل الله يعوّد النفس على الصبر وتحمل المشاقّ والشدائد.
- ينمّي الرباط في سبيل الله حبّ أوطان المسلمين وأهلها.
- يشعر المسلم بعظيم حقوق إخوانه المسلمين؛ إذ يرابط لحماية نفوسهم وأعراضهم وأموالهم.
- يفرح المسلم ويسرّ بالرباط في سبيل الله رجاء ثوابه.
لاتوجد تعليقات