شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. الخامس والعشرون مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الحجّ (2)
- الحجّ يكفّر الذنوب ويطهّر النفس من المعاصي ويقوّي الإيمان ويجدّد الصلة بالله ويعين على التوبة الصادقة وتهذيب النفس
- يحقّق الحج التعارف بين المسلمين على اختلاف شعوبهم وألسنتهم وأوطانهم ويتيح التشاور في قضايا المسلمين العامة
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالًا.
استكمالا لما بدأناه في الحلقة السابقة من الحديث عن الحج؛ حيث ذكرنا أنَّ الحج ركن من أركان الإسلام واجب على كل مقتدر عليه لم يحبسه حابس من مرض أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر، والحج في اللغة: القصد، وعن الخليل بن أحمد -رحمه الله-، قال: «الحج كثرة القصد إلى من تعظمه، ورجل محجوج، أيْ: مقصود، وشرعًا: قصد مكة لعمل مخصوص في وقت مخصوص، وأُخِّرَ الحجّ عن الصلاة والزكاة والصوم؛ لأن الصلاة عماد الدين، ولشدة الحاجة إليها لتكرّرها كل يوم خمس مرات، ثم الزكاة لكونها قرينة لها في أكثر المواضع ولشمولها المكلّف وغيره، ثم الصوم لتكرّره كل سنة».
وتحج وتعتمر
قال الشيخ عبد الله العتيبي في شرح كتاب الحج من بلوغ المرام: «وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة» بهذا اللفظ رواه ابن حبّان والدارقطني وابن خزيمة ولكنه بهذا اللفظ (تحج وتعتمر) تفرد به سليمان التيمي ومسلم -رحمه الله تعالى- رواه دون هذه اللفظة، وساق إسناده من طريق سليمان التيمي نفسه لكن لم يسق لفظه فقال: بنحوه، يعني كما تقدم بلفظه الأول الذي ليس فيه زيادة (وتعتمر) فمسلم عدل عن هذه اللفظة وهذا هو الحديث رقم (2) الذي استدل به من قال بوجوب العمرة وهو معلول بتفرد سليمان التيمي فقد خالفه جماعة من الحفاظ.
وكذلك استدلوا بحديث الصُّبي ابن معبد عند أبي داود وغيره أنه أتى عمر - رضي الله عنه - فقال: إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ في كتاب الله! فقال: «هُديت لسنّة نبيك»؛ فهذا مع كونه غير صريح إلا إنه اختلف في لفظة بهذا السياق «إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ» فهو بهذا الحرف فيه نظر ثم إنه لو كان محفوظًا (إني وجدت الحجّ والعمرة مكتوبين عليّ) ليس المراد بالكتابة: الفرض فهو قابل للتأويل بمعنى أنها مشروعة ثم إنه أحال على كتاب الله وليس في كتاب الله وجوب العمرة كما هو معلوم!. وإن أُريد به في حكم الله وأقره عمر، فيكون قولًا له - رضي الله عنه -، وأصح ما استدل به على وجوب العمرة ما أخرجه أصحاب السنن من حديث أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر له فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم -: «حج عن أبيك واعتمر».
وقد أخرج البيهقي بسنده من طريق مسلم قال: سمعت أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- يقول: «لا أعلم حديثًا أصح وأجود إسنادًا في إيجاب العمرة من هذا» هكذا قال الإمام أحمد وقد روُي عنه بالإسناد الصحيح ولكن نازع الإمام أحمد جماعة من الحفاظ المتأخرين كابن دقيق العيد، وقالوا لمن هذا فيه مشروعية العمرة عن الأموات ليس فيه أنها واجبة ابتداءً وإنما فيه الإذن بالحج عنه والاعتمار هذا مجمل الأدلة على وجوب العمرة، وشيخنا ابن باز -رحمه الله تعالى- يحتج بزيادة (تحج وتعتمر) وبهذا اللفظ (عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) والبخاري كما ذكر قال: باب وجوب العمرة وفضلها.
مسألة وجوب العمرة
ومسألة وجوب العمرة تكاد تكون مناصفة بين أهل العلم ليس فيها جمهور. هذه الأدلة وفيما تقدم كنا نميل إلى الوجوب لكن الآن أقل ما يقال (وفي الوجوب نظر) الأحوط ألا يدع الإنسان العمرة ولكن مع القول بأنها واجبة فهي ليست ركنًا من أركان الإسلام باتفاق العلماء؛ فقد يكون الشيء واجبًا وليس ركنًا، وهذا يكون في كثير من التكاليف الشرعية تكون واجبة ولكنها ليست من الأركان؛ فالواجبات في العبادات غير الأركان كثيرة، فهذه زكاة الفطر ليست ركنا من أركان الإسلام وهي واجبة بالنص والإجماع.
الواجبات الظاهرة
قال ابن رجب الحنبلي: «والغُسل من الجنابة، وإتمام الوضوء، في هذا تنبيه على أن جميع الواجبات الظاهرة داخلة في مسمى الإسلام. وإنما ذكر هاهنا أصول أعمال الإسلام التي ينبني عليها، وقوله في بعض الروايات: «فإذا فعلت ذلك، فأنا مسلم؟» قال: «نعم» يدل على أن من كمل الإتيان بمباني الإسلام الخمس، صار مسلمًا حقا، مع أن من أقر بالشهادتين، صار مسلمًا حكمًا، فإذا دخل في الإسلام بذلك، ألزم بالقيام ببقية خصال الإسلام، ومن ترك الشهادتين، خرج من الإسلام، وفي خروجه من الإسلام بترك الصلاة خلاف مشهور بين العلماء، وكذلك في تركه بقية مباني الإسلام الخمس».
- قوله: وروي عن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - أن النبي قال: «مَنْ لَمْ يَحْبِسْهُ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا»، وهذا الحديث ضعيف كما مر تخريجه، ولكن نذكر شرحه ومعناه، يقول نور الدين الملا هروي القاري: «من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة» أي فقد زاد وراحلة فإن الاستطاعة شرط الوجوب بلا خلاف، (أو سلطان جائر) أي ظالم، وفيه إشارة إلى أن منعه بطريق الجور والعنف، فلا عبرة بمنعه على سبيل المحبة واللطف.
من الموانع للوجوب
وأيضا من الموانع للوجوب إذا كان في الطريق سلطان جائر بالقتل وأخذ الأموال، فالسلامة منهما من شروط الأداء على الأصح، نعم إذا كان الأمن غالبا فيجب على الصحيح، (أو مرض حابس) أي مانع من السفر لشدته؛ فسلامة البدن من الأمراض والعلل شرط الوجوب فحسب وهو الصحيح، وقيل شرط الأداء، فعلى الأول لا يجب الحج، ولا الإحجاج، ولا الإيصاء به على الأعمى، والمقعد، والمفلوج، والزمِن والمقطوع الرجلين، والمريض، والشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة، (فمات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًا، وإن شاء نصرانيًا) أي شبيها بهما، حيث يتركان العمل بالكتاب مع إيمانهم به، وتلاوتهم وعلمهم بمواضع الخطاب، وما يترتب على تركه من العقاب.
فوائد الحج الدينية
- يكفّر الذنوب ويطهّر النفس من المعاصي.
- يقوّي الإيمان، ويجدّد الصلة بالله، ويعين على التوبة الصادقة وتهذيب النفس.
- الحج شكرٌ لنعمة المال والعافية؛ لأنه عبادة تجمع بين البدن والمال في طاعة الله.
- في الحج إظهارٌ للعبودية والتجرّد لله بترك الزينة والتواضع بين يديه.
الفوائد السلوكية
- يعوّد الحج على الصبر والانضباط والتضحية في سبيل طاعة الله.
- يصفّي النفس، ويجدّد الأمل، ويقوّي حسن الظن بالله.
- يذكّر بتاريخ الإسلام وجهاد النبي -صلى الله عليه وسلم - والسلف الصالح.
- يربّي النفس على الصبر على فراق الأهل والولد.
- يخفّف الشحّ، ويعوّد النفس على الجود والإنفاق.
- ينمّي التوكّل على الله والاعتماد عليه.
- يهوّن التعب برؤية بيت الله، ويذكّر بنعيم رؤية الله يوم القيامة.
فوائد الحج الاجتماعية والاقتصادية
- يحقّق الحج تعارف المسلمين على اختلاف شعوبهم وألسنتهم وأوطانهم.
- يتيح التشاور في قضايا المسلمين العامة.
- يعزّز التعاون ووحدة الصف في مواجهة الأعداء.
- يقوّي رابطة الأخوّة والمساواة بين المسلمين، فلا تفاضل إلاّ بالتقوى.
- يسهم في نشر الدعوة الإسلامية ودعم جهود الدعاة حول العالم.
-
يوفّر موسم الحج فرصةً لتبادل المنافع الاقتصادية وتنشيط التجارة بين المسلمين.
لاتوجد تعليقات