رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. سندس عادل العبيد 17 أبريل، 2021 0 تعليق

سيكولوجية السعادة في السّنّة النّبويّة – من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة بر الوالدين وصلة الرحم

 

ما زال حديثنا مستمرًا عن ثمرات الالتزام بالقيم الإسلامية وأثرها في تحقيق السعادة، وقد ذكرنا أنَّ القيم هي الفضائل الدينيّة والخلقيّة والاجتماعيّة التي تقوم عليها سعادة الفرد والمجتمع في الحياة، كما أنَّ التزام القيم الإسلامية من مؤشرات السعادة المؤثرة في سلوك الإنسان وانفعالاته، واليوم نتكلم عن بر الوالدين وصلة الرحم.

     قال الله -تعالى-: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)} (سورة البقرة: 83)، وهذه الشرائع من أصول الدين، التي أمر الله بها في كل شريعة، لاشتمالها على المصالح العامّة، في كل زمان ومكان، فلا يدخلها نسخ، شأنها في ذلك كأصل الدين، مثل قوله -تعالى-: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} إلى آخر الآية.

 

أصل الدين

     فقوله: {لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ} هذا أمر بعبادة الله وحده، ونهي عن الشرك به، وهذا أصل الدين، فلا تقبل الأعمال كلها إن لم يكن هذا أساسها، فهذا حق الله -تعالى- على عباده، ثم قال: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} أي: أحسنوا بالوالدين إحسانا، وهذا يعم كل إحسان قولي وفعلي مما هو إحسان إليهم، وفيه النهي عن الإساءة إلى الوالدين؛ لأن الواجب الإحسان، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وللإحسان ضدان: الإساءة، وهي أعظم جرما، وترك الإحسان دون إساءة، وهذا محرم، لكن لا يجب أن يلحق بالأول، وكذا يقال في صلة الأقارب واليتامى، والمساكين، ثم أمر بالإحسان إلى الناس عموما فقال: { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام، والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب.

 

القيام بحق الله -سبحانه وتعالى

     وقال -تعالى-: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} (مريم: 30 - 32)، خاطب عيسى -عليه السلام- قومه في المهد صبيا بكونه عبدا لله، وأنَّ الله علمه الكتاب، وجعله من جملة أنبيائه، فهذا من كماله لنفسه، ثم ذكر تكميله لغيره فجعله مُبَارَكًا في أي مكان، وأي زمان، فالبركة جعلها الله فيَّ من تعليم الخير والدعوة إليه، والنهي عن الشر، والدعوة إلى الله في أقواله وأفعاله، وأوصاه بالقيام بحقوق الله -تعالى-، التي من أعظمها الصلاة، وحقوق عباده، وأجلُّها الزكاة، وأن يبر والدته فيحسن إليها غاية الإحسان، لشرفها وفضلها، ولكونها والدة لها حق الولادة وتوابعها، ولم يجعله متكبرا على الله، مترفعا على عباده ولا شقيا، فلم يجعله كذلك بل جعله مطيعا له خاضعا خاشعا متذللا متواضعا لعباد الله، سعيدا في الدنيا والآخرة، فعلق الله -سبحانه وتعالى- عدم حصول الشقاء للعبد بالقيام بحق الله -سبحانه-، وبحقوق العباد، وميز من بين كل الأوامر بر الوالدين؛ لما لهما من الحق والفضل على الإنسان، وميز -سبحانه- الوالدة لمباشرتها للتربية والعناية أكثر من الوالد غالبا، ولحاجتها للبر والإحسان لضعف جنسها بخلاف الوالد.

 

رضا الرب في رضا الوالد

قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «رضا الرَّبِّ فِي رضا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ»، أي: إذا رضي الوالد عن الولد رضي الرب عنه، وكذلك السخط، وذَكَرَ الوالدَ، والمرادُ منه: الوالدةُ أيضًا، بل حقُّ الوالدة آكَدُ، وكذلك جميعُ الآباء والأمهات وإن عَلَوا داخلون في هذا الحديث، إلا أنَّ مَن هو أقربُ حَقُّه آكَدُ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» أي: من أفرحه أن يبسط له في رزقه، ويؤخر له في عمره، (فليصل رحمه) كلّ ذي رحم محرّم، أو الوارث أو القريب، وقد يكون بالمال وبالخدمة وبالزيارة، ومعنى البسط في الرزق البركة فيه؛ إذ الصلة صدقة وهي تربي المال وتزيد فيه فينمو بها، وفي العمر حصول القوّة في الجسد، أو يبقى ثناؤه الجميل على الالسّنّة فكأنه لم يمت، ويجوز أن يكتب في بطن أمه إن وصل رحمه فرزقه وأجله كذا، وإن لم يصل فكذا.

 

الوالدان سبب لدخول الجنة 

وقال النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم -: «رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ. قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ»، وفي هذا الحديث من الفقه أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم - كرّر ذكر إرغام الأنف ثلاثًا لمن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخل الجنة؛ لأنّه قد وجد بوجودهما أو وجود أحدهما بابًا مفتوحًا إلى الجنة يدخل منه، وهو برّهما، أو برّ أحدهما؛ فإذا لم يفعل استحق دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لو امتثل أمر الله في طاعتهما بعد الإيمان به لأحبط ذلك عنه حال السوء، وتضاعف له درجات الخير، فإذا بلغ من الخذلان إلى أنه لم يمتثل أمر ربه في طاعة والديه، ولم يعرف لهما إحسانهما المتقدم من حقه، ولم يلحقه عليهما رأفة حين ضعفهما، يماثل بها رأفتهما عليه حين ضعفه، فقد فاتته ثلاث درجات، فكان قول الرسول -صلى الله عليه وسلم - رغم أنفه ثلاث مرّات كلّ واحدة منهن في جواب إخلاله بحال توجب عليه برّهما؛ الأول: وصية الله إياه في الإحسان إليهما، والثانية: مكافأتهما في إحسانهما إليه، والثالثة: عدم رحمتهما مع الكبر، ورغم أنفه: ذل، وقيل كره وخزي، وفي الحديث بشارة لمن برَّ بوالديه بدخول الجنة، ولا سيما عند كبرهما وَضُعْفِهما.

 

من نعم الله العظيمة

      ومن نعم الله العظيمة وجود الوالدين، فهم البركة والخير كله، ومن أراد السعادة فعليه ببر الوالدين، فهو بريد كل سعادة وفرح، وبرّ الوالدين سبب للبركة والتوفيق، وهو باب عظيم للثواب والحسنات، ويتبع برّ الوالدين صلة الرحم، فمن وصل رحمًا رزق سعة الرزق والبركة في العمر، والثواب الجزيل، وهذه الأمور كلّها سبب لسعادة الإنسان، فالإنسان اجتماعي بطبعه، وصلته مع والديه وأرحامه تضفي عليه الألفة والمحبة والسرور والوداد.

وفي بره بوالديه وصلته لأرحامه إشباع وتقدير لذاته، وتلبية لحاجات النفس الاجتماعية، مما يوصله للرضا النفسي والسعادة.

 

مصدر السعادة والأمن والطمأنينة

     واعتماد المرء على والديه أمر كبير في السنوات الأولى، فوجودهما مصدر للسعادة والأمن والطمأنينة، وكلما كبر ازداد حبا لهما ومعرفة بفضلهما؛ لما لهما من دور كبير في تنشئته وسد حاجاته النفسية والمادية، ومن عوامل استمرار ثقة الطفل بنفسه أن يتصل بعد والديه بأفراد أسرته، ثم يتصل برفاقه وأصحابه، ثم تتسع دائرة الاتصال إلى المجتمع الأكبر، وهذه الخطوات متصلة ومتداخلة، وكلها مؤشرات لسعادة الفرد ونجاحه في الحياة الاجتماعية.

     ومؤسسة الأسرة مؤسسة لم تحد عن طريق السعادة، فحب الوالدين لأبنائهما، وحب الأبناء لوالديهم بمقدوره أن يكون واحدا من أعظم مصادر السعادة التي تحقق الإشباع الأساسي، وعلاقات القرابة والرحم هي من أهم العلاقات وأقواها خارج المنزل، ولا سيما العلاقات بالإخوة والآباء والأبناء الراشدين، ومن أكثر الأمور فائدة في علاقة القرابة أنهم مستعدون لتقديم أكبر العون عند الحاجة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك