سعادة المرأة فـي رمضان.. الحلقة الأولى
- من أعظم ما يورث السعادة في شهر رمضان أن تدرك المرأة أنه ليس مجرد أيامٍ تمضي بل هو شعيرة عظيمة من شعائر الله وتعظيمها من تقوى القلوب
- السعادة الحقيقية في الإسلام حال قلبية عميقة تنبع من الرضا بالله والاطمئنان إلى قضائه والسير على هدي رسوله - صلى الله عليه وسلم -
- رمضان فرصة عملية لتربية النفس على الرضا لأن الصيام يعلّم الصبر والقيام يعلّم الانكسار بين يدي الله تعالى
يقبل شهر رمضان كل عام حاملاً معه نفحات الرحمة، وأبواب المغفرة، وأسباب العتق من النيران؛ فيوقظ القلوب من غفلتها، ويجدد في النفوس معاني الإيمان والإنابة، وليس أعظم على القلب من أن يستقبل هذا الشهر بفرحٍ صادق، وشوقٍ إلى الطاعة، ورغبةٍ في القرب من الله؛ فالفرح برمضان عبادة قلبية، وعلامة على حياة الإيمان في النفس؛ لأنه شهر الخيرات والعطايا، وشهر الجود والإحسان، وشهر الصيام والقيام، وشهر الغفران والعتق، وشهر القرآن والعبادة والقبول والحبور.
ومن أعظم ما يورث السعادة في هذا الشهر أن تدرك المرأة أن رمضان ليس مجرد أيامٍ تمضي، بل هو شعيرة عظيمة من شعائر الله، وتعظيمها من تقوى القلوب، كما قال -تعالى-: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}، فكلما عظُم رمضان في قلبها، وعظُمت عندها عباداته من صيام وقيام وقرآن وذكر، ازداد في قلبها نور التقوى، واتسع نصيبها من السعادة والطمأنينة.ثلاثيات السعادة
السعادة التي يعد بها الإسلام ليست شعوراً عابراً، ولا حالة مرتبطة بالمظاهر الخارجية، بل هي حالة قلبية عميقة، تنبع من الرضا بالله، والاطمئنان إلى قضائه، والسير على هدي رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد لخّص النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى في حديث جامع فقال: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً»، هذا الحديث يضع أساس السعادة في ثلاثة أصول: الرضا بالله ربا، والرضا بالإسلام ديناً، والرضا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - رسولاً. فمن رضي بالله، اطمأن قلبه إلى تدبيره، ولم يضطرب مع تقلبات الحياة، ومن رضي بالإسلام ديناً، سلم لأوامر الله، فلم يجد في قلبه حرجاً من حكم شرعي، ومن رضي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - رسولاً، وجد في سنته القدوة، وفي هديه السكينة؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس»؛ فالغنى الحقيقي ليس بكثرة المال، بل بغنى القلب، وقد ترى امرأة قليلة المال، لكنها راضية شاكرة، فتعيش في سعادة، وترى أخرى كثيرة النعم، لكنها متسخطة، فلا تذوق طعم الراحة.فرصة عملية لتربية النفس
ورمضان فرصة عملية لتربية النفس على هذا الرضا؛ لأن الصيام يعلم الصبر، والقيام يعلم الانكسار بين يدي الله، والقرآن يملأ القلب نوراً وهدى، والمرأة -مع كثرة مسؤولياتها- تحتاج إلى توازن بين المشاعر والانفعالات، وتحتاج إلى مبادئ راسخة توجهها نحو الرضى والطمأنينة؛ لذلك أقول لك ارضي بما قسم الله لك، وحققي الرضا في كل جوانب حياتك كي تحصلي على مشاعر السعادة والسرور والبهجة والسمينة والطمأنينة.خطوات عملية لتحصيل السعادة في رمضان
أذكر فيما يلي تسع خطوات عملية تتحصل بها السعادة في رمضان ويتحقق الرضا بإذن الله:(1) القوة بالله أساس السعادة
القوة التي يحتاجها المسلم في رمضان ليست قوة البدن فقط، بل قوة القلب والعزيمة؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»، فالقوة هنا قوة في الإيمان، وقوة في الإرادة، وقوة في مواجهة النفس والهوى، والمرأة تحتاج -في رمضان- إلى هذه القوة حتى تستطيع الجمع بين عبادتها وواجباتها، وحتى لا تستسلم للتعب أو الفتور، وتتحقق هذه القوة بأصول ذكرها الوحي، منها: «الحرص على ما ينفع في الدين والدنيا، والاستعانة بالله في كل شأن، والرضا بالقضاء والقدر، والتوبة الصادقة، وملازمة الاستغفار، قال -تعالى-: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ… وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ}؛ فالاستغفار ليس مجرد كلمات، بل هو مصدر قوة إيمانية، وسبب لانشراح الصدر، ونزول البركات، وهو أمل ينبثق عند كل محطة إحباط أو تقصير، ألا بأس انهضي واستغفري وجدّدي إيمانك وعملك، فلا تسقطي عند أول تقصير أو ازدحام أو فوات فرصة، بل انهضي واستعيني بالله -تعالى- واستغفريه، وأعيدي ترتيب أولوياتك وعباداتك؛ فأنت في رمضان في عبادة في كل وقت وحال. ومن القوة في رمضان حُسن استقباله وحُسن التخطيط له؛ لذا نقول: لا للبرنامج المفتوح، ضعي هدفا محددا، ومقدارا محددا، ووقتا محددا، كي تحصلي على نتيجة ناجحة بإذن الله، وتكوني من الفائزات بعد رمضان.(2) تحقيق التقوى: المقصد الأعظم من الصيام
جعل الله الصيام وسيلة لتحقيق التقوى، فقال -سبحانه-: {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقونَ} (البقرة: ١٨٣)، والتقوى هي أن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله وقاية، وذلك بطاعته وترك معصيته. وهي أساس السعادة في الدنيا والآخرة؛ لأن القلب المتقي قلب حيّ، قريب من الله، لكن الصيام الذي يحقق التقوى ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو صيام القلب والجوارح. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش»، أي أنه لم يحقق المقصود من الصيام؛ فالمرأة التي تغض بصرها، وتحفظ لسانها، وتطهر قلبها من الحسد والضغينة، تكون قد حققت التقوى، وذاقت سعادة الطاعة؛ فالمقصد الأعظم في هذا الصيام هو تحقيق التقوى؛ فاحرصي على تحقيق التقوى؛ فنحن في مدرسة ربانية فيها تهذيب وتزكية للنفس، فلا تجعلي رمضان في قلبك كباقي الشهور!(3) حفظ الصيام وتعظيم هذه الشعيرة
الصيام عبادة عظيمة اختصها الله -سبحانه- لنفسه، فقال في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به»، وهذا يدل على عظم شأن الصيام، وأن جزاءه خاص عند الله. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الصيام جُنّة)، أي وقاية من الذنوب والنار، لكن هذه الوقاية لا تتحقق إلا إذا حفظ العبد صيامه عن: الغيبة والنميمة، والخصام والصراخ، وسوء الأخلاق، والمعاصي والآثام؛ فإذا حفظت المرأة صيامها، حفظ الله قلبها، وأورثها سكينةً لا يعرفها إلا أهل الطاعة. من عادة الإنسان العاقل الاعتناء بكل شيء ثمين، فيحفظه ويعتني به أيّما حفظ وعناية، وأي شيء أعظم من جزاء الربّ -تبارك وتعالى-؟! فالصوم لله -تعالى- ترك الله جزاءه مفتوحا دون تقييد، وخصه لنفسه، إذًا فلنحفظ صومنا ونحسنه فعلا وتركا.(4) قيام الليل: باب المغفرة والسكينة
قيام الليل من أعظم شعائر رمضان، وقد وعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمغفرة لمن قامه إيماناً واحتساباً فقال: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»، وعد رباني لكل من صام رمضان وقامه إيمانا بالله -تعالى-، واحتسابا للثواب والأجر منه -سبحانه- دون تسخط ولا اعتراض، بل بالصبر والاجتهاد. وقيام الليل وقت صفاء بين العبد وربه، يراجع العبد فيه نفسه، ويجدد توبته، ويطلب مغفرته، ويرسل دعواته وأمانيه، هو سهل على من سهله الله عليه، بل هو معراج للنفس عن الهموم والازدحام إلى طمأنينة القرب من الله، والتضرع والخضوع والسكينة، والمرأة التي تجعل لها نصيباً من القيام، ولو يسيراً، تجد في قلبها نوراً وسكينة؛ لأن القيام يلين القلب، ويقرب العبد من ربه.
لاتوجد تعليقات