رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سليمان الصالح 18 فبراير، 2013 0 تعليق

بعد فشل المجتمع الدولي في الدفاع عنهم.. د.سعد البريك: مسلمو (ميانمار) تتجدد مآسيهم.. ولا بواكي لهم

 

الأمم المتحدة تعتبر مسلمي «أراكان» إحدى أكثر الأقليات تعرضاً للاضطهاد في العالم

أكثر من مليون مسلم تم تشريدهم وإجبارهم على عبور حدود بنجلاديش والعيش بصفة لاجئين

20% من سكان بورما مسلمون وعددهم 10 ملايين

منذ أكثر من 70 عاماً مسلمو بورما يتعرضون لصنوف التنكيل والإبادة.

هناك مخطط لتصفية مسلمي أراكان عن طريق إحراق البيوت

المسلمون في بورما (ميانمار) مأساتهم قديمة متجددة، وقد عادت مجازر البوذيين من جديد مرّة أخرى، مستغلّة الضعف والحالة الراهنة وكثرة الجراح التي تنهش في جسد الأمة، لتقوم بمذابح ومجازر ضد إخواننا المضطهدين المستضعفين في بورما.

الأحداث الدامية والمجازر البشعة الأخيرة التي تعرّض لها المسلمون في إقليم أراكان رجعت بنا لنتذكر المآسي التي كابدها أبناء ذلك الإقليم المسلم منذ ستين عاماً على يد جماعة “الماغ” البوذية المتطرفة بدعم من الدولة الوثنية... وهذا ما جعل الأمم المتحدة تعد مسلمي أراكان أكثر الأقليات تعرضاً للاضطهاد في العالم.

     وقد حاضر فضيلة الدكتور سعد بن عبد الله البريك حول هذه المأساة المتجددة حاثاً المسلمين والمجتمع الدولي على إيقاف هذه الحرب العنصرية ضد مسلمي إقليم أراكان الذين يبلغ عددهم نحو مليون مسلم من مجموع مسلمي ميانمار البالغ عشرة ملايين مسلم.

بورما.. مأساة قديمة

     بدأ الدكتور البريك محاضرته متحسراً على حال المسلمين وضعفهم وتفرق كلمتهم مما يشجع أعداءهم على النيل منهم وارتكاب جرائم بشعة ضدهم فقال فضيلته: ونحن نعيش مأساة وجراح ودماء ما يحل بإخواننا في سوريا الحبيبة، سوريا الشَّهْمة الأبيّة المستعصية على طاغوت الشام وشبيحته المرتزقة، طلعت علينا آهات وصيحات وبكاء وعويل، وتفجرت بحور من الدماء في إقليم آخر من أقاليم المسلمين البعيدة، إنه إقليم بورما، بورما المسلمة، بورما الجريحة المنسيّة.

     ويؤكد الدكتور البريك أن المسلمين في بورما «ميانمار» مأساتهم قديمة تتجدد اليوم؛ لأن المسلمين لا بواكي لهم، والمسلمون في حالة من الضعف يرثى لها وما أكثر الجراح التي تنهش في جسدها؛ ولهذا عادت مجازر البوذيين الوثنيين من جديد، لتقوم بمذابح ومجازر ضد إخواننا المضطهدين المستضعفين في بورما.

     وكلنا نتذكر المجازر التي تعرض لها مسلمو إقليم أراكان منذ ستين عاماً على يد جماعة «الماغ» البوذية المتطرفة بدعم من الدولة الوثنية؛ حيث أذاقوا المسلمين الويلات والنكبات تلو النكبات وسط غيابٍ تامّ للإعلام آنذاك، إلا من رحم ربي.

الإسلام في بورما

وتحدث فضيلته عن تاريخ الإسلام في بورما مستعرضاً قبله بعض المعلومات الجغرافية والسياسية والسكانية عن بورما.

     وقال: قد احتلت هذه البلاد من قبل بريطانيا في نهاية القرن التاسع عشر في عام 1824م وحتى استقلالها في 1948، وتعد يانغون -حالياً رانغون- أكبر مدنها، كما كانت العاصمة السابقة للبلاد.

     وأضاف فضيلته: وصل الإسلام إلى بورما عام 172هـ - عام 788م، عن طريق التجار العرب في عهد الخليفة هارون الرشيد -رحمه الله- فانتشر الإسلام في أرجائها، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، مستبشرين بنور التوحيد، نابذين ظلمات الجهل والكفر والشرك.

     إلى أن قامت دولة إسلاميّة عريقة على يد السلطان سليمان شاه، واستمرت قرابة ثلاثة قرون ونصف تقريباً من عام 1430م إلى عام 1784م، تولّى حكمها ثمانيةٌ وأربعون ملكاً مسلماً على التوالي، وآخرهم الملك سليم شاه الذي اتسعت رقعة مملكة أراكان في عهده حتى شملت بعض الدول المجاورة.

     وأراكان: كلمة مركبة من «أرا» و»كان» وتعني أرض العرب، إذ كانت أراكان دولة إسلامية مستقلة حرة في جنوب شرق آسيا، استمرت عدة قرون قبل أن تُحتل من بورما، فأصبحت بعد ذلك واحدة من عشر ولايات ومقاطعات لاتحاد بورما - ميانمار حالياً.

     ويوجد في بورما ديانات عدة، وغالبية سكانها يعتنقون الديانة البوذية؛ حيث تعد بورما قبلة البوذيين، ويفد إليها بوذيو العالم على مدار العام لزيارة معابدهم وآلهتهم، وفيها طائفة يعتنقون الإسلام وهم يتمركزون في الشمال على حدود الهند.

      ويصل عدد المسلمين إلى حوالي عشرة ملايين نسمة أي حوالي 20% من سكان بورما، ويتركز معظمهم في إقليم أراكان الذي احتله البورميون.

 بداية مآسي المسلمين

      بدأت مآسي المسلمين في ميانمار في عام 1784م عندما قام الملك البوذي البورمي «بوداباي»، باحتلال إقليم أراكان وضمه إلى بورما خوفاً من انتشار الإسلام في المنطقة، وعاث في الأرض فساداً، فدمّر كثيراً من الآثار الإسلامية من مساجد ومدارس، وقتل العلماء والدعاة.

وفي عام 1824م احتلت بريطانيا بورما، وضمتها إلى حكومة الهند البريطانية الاستعمارية، وفي عام 1937م جعلت بريطانيا بورما مع أراكان مستعمرة مستقلة عن حكومة الهند البريطانية الاستعمارية كباقي مستعمراتها.

مذبحة عام 1942

     ومنذ تلك الحقبة والمسلمون يتعرضون لكافة أنواع التضييق والتنكيل والإبادة؛ ففي عام 1942م تعرض المسلمون لمذبحة وحشية كبرى من قِبَل البوذيين (الماغ)، راح ضحيتها أكثر من مائة ألف مسلم، أغلبهم من النساء والشيوخ والأطفال، وشرد مئات الآلاف خارج الوطن، ومن شدة فظاعتها ووحشية تلك المجزرة لا يزال كبار السن يذكرونها.

 حرب إبادة ضد المسلمين

     ويورد الشيخ البريك كلاماً للشيخ «سليم الله حسين عبد الرحمن» رئيس منظمة تضامن الروهنجيا يصف فيه أوضاع المسلمين في بورما -والروهنجيا: كلمة مأخوذة من «روهانج» اسم دولة أراكان القديم، وتطلق على المسلمين المواطنين الأصليين في أراكان المحتلة من قبل دولة ميانمار (بورما)، وهم أقلية مسلمة مضطهدة تعيش مأساة حقيقية- يقول سليم الله: «في عام 1978م شردت بورما أكثر من ثلاثمائة ألف مسلم إلى بنغلاديش، وفي عام 1982م ألغت جنسية المسلمين بدعوى أنهم متوطنون في بورما بعد عام 1824م، وهو عام دخول الاستعمار البريطاني إلى بورما، رغم أن الواقع والتاريخ يكذّبان ذلك، وفي عام 1992م شردت بورما حوالي ثلاثمائة ألف مسلم إلى بنجلاديش مرة أخرى.

قوانين تمنع الزواج وتحد من النسل

      إن من تبقّى من المسلمين يتم استئصالهم عن طريق برامج إبادة الجنس، وتحديد النسل بين المسلمين؛ فالمسلمة ممنوع أن تتزوج قبل سن خمسة وعشرين عاماً، أما الرجل فلا يسمح له بالزواج قبل سن الثلاثين من عمره، ويضيف الشيخ سليم الله قائلاً: «إذا حملت الزوجة فلابد من ذهابها -طبقاً لقرار السلطات الحاكمة- إلى إدارة قوّات الأمن الحدودية «ناساكا» لأخذ صورتها الملوّنة، كاشفة بطنها، بعد مرور كلّ شهر حتّى تضع حملها.

     وفي كلّ مرّة لابدّ من دفع رسوم كبيرة للتأكّد - كما تدعي السلطة - من سلامة الجنين، ولتسهيل إحصاء المولود بعد الولادة.ولسان الواقع يُلوِّح بأنّ الهدف من إصدار هذا القرار المرير هو الاستهتار بمشاعر المسلمين، وتأكيدهم على أنّه ليس لهم أيّ حقّ للعيش في «أراكان» بأمن وسلام!!»

كما تتعرض النساء المسلمات لعمليات اغتصاب وهتك للعرض من قبل الجنود البوذيين؛ مما يؤدي إلى وفاة الكثير منهن نتيجة هذه الجرائم.

     وآخر ما أسفرت عنه أفكار الحكومة الفاشية منع الزواج؛ فقد أصدرت الحكومة البوذية قراراً بمنع زواج المسلمين لمدة ثلاث سنوات؛ حتى يقلَّ نسلُ المسلمين وتتفشى الفواحش بينهم، وكانت الحكومة قد فرضت شروطاً قاسيةً على زواج المسلمين منذ عشر سنوات؛ ما اضطرهم لدفع رشاوى كبيرة للسماح لهم بالزواج.

لاجئون في حالة مزرية

     وقد وصل عدد اللاجئين من جراء التعسف إلى حوالي «مليوني مسلم» معظمهم في بنجلاديش وعدد لا بأس به في السعودية.ويعيش اللاجئون في بنجلاديش في حالة مزرية في منطقة «تكيناف» في المخيمات المبنيّة من العشب والأوراق في بيئة ملوثة، والمستنقعات التي تحمل الكثير من الأمراض مثل: الملاريا، والكوليرا، والإسهال، وهي أماكن خصصتها لهم الحكومة في بنجلاديش في المهجر؛ حيث تنتشر مخيماتهم التي تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة في بلد يعاني أصلا من الفقر.

مخطط تصفية مسلمي أراكان

     ويؤكد الدكتور البريك أن هناك مخططاً بوذياً لإخلاء إقليم أراكان من المسلمين جميعاً عن طريق ما يسومون به إخواننا من مجازر وإحراق للبيوت وتشريد للأبرياء، وآخر هذه المآسي ما حلّ ببعض الدعاة المسلمين الذين تم قُتل عشرة منهم لدى عودتهم من العمرة على أيدي مجموعات بوذية، قامت بضربهم حتى الموت، وذلك بعدما اتهموهم ظلماً وعدواناً بالوقوف وراء مقتل شابة بوذية.

     والبوذيون يجوبون الشوارع في مجموعات مسلحة بالسكاكين وعصي الخيزران المسنونة في العديد من مناطق وبلدات ولاية أراكان، تقتل كل من يواجهها من المسلمين، وتحرق وتدمر مئات المنازل، ولاسيما في منطقة «مونغاناو» في شمال الولاية، إضافة لمدينة «سيتوي» عاصمة ولاية أراكان.

الماغيون المتطرفون

     قبل انفجار الأزمة في 18/7/1433هـ (8/6/2012م) بأيام أعلنت الحكومة الميانمارية البورمية أنّها ستمنح بطاقة المواطنة للروهنجيين في أراكان، فأثار هذا الخبر وهذا القرار جماعة الماغين المتطرفة الإرهابية الوثنية؛ حيث أدركوا أن هذا القرار من شأنه أن يؤثر في انتشار الإسلام في أراكان مستقبلاً، حيث صار للمسلمين حق التصويت والإدلاء بالرأي واختيار من يمثلهم عند الدولة، في حين أنّ حُلْمَهم أن يأتي اليوم الذي لا يبقى في أراكان من جراء التهجير والطرد والمجازر مسلم موحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله[ فاختلق الماغيون المتطرفون حادثة من شأنها أن تعمل على تغيير موقف الحكومة تجاه المسلمين الروهنجيين؛ ليصوروهم على أنهم إرهابيون ودخلاء، ويتوقف قرار الاعتراف بهم أو يتمّ تأجيله.

مؤازرة مسلمي ميانمار

     ويعلق الدكتور البريك على موقف المنظمات الدولية من مآسي مسلمي الروهينجيا فيقول: على الرغم من مناقشة قضية الأراكانيين الروهنجيين المسلمين من قبل الأمم المتحدة، ومنظمة آسيان، ومنظمة المؤتمر الإسلامي منذ عقدين، إلا أنه لم يكن لها أدنى أثر، بل ازداد وضعهم سوءاً كما هو الواقع.

     وحث فضيلته المسلمين على مؤازرة إخوانهم في ميانمار انطلاقاً من أن من أعظم أصول الإسلام الجماعة والاجتماع والتآلف والحُنُوّ والمؤازرة والنصرة، فأين نحن من هذه المعاني السامية، التي بها يعتلي العبد عن سفاسف الأمور، ويشعر أن في وجوده في هذه الحياة منفعةً للمسلمين، وأنه لبنة في صرح رفعة هذه الأمة؟! وأين نحن من قوله - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مثلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثَلَ الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، وأين نحن من قوله صلى الله عليه وسلم  الذي في صحيح مسلم من حديث أبى هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» فهذا وقت البذل والعطاء، وهذا وقت التشمير والإقبال على الله، ولا ينبغي للمسلم أن يفوت الفرصة بما تجود به النفس، كلٌّ بحسبه، وكل بقدر طاقته ومقدوره من صدقة، وبذل للمال، والصدقات، والزكوات، والدعاء والنصرة لقضية إخوانه في ميانمار، بإثارتها ونشرها في مختلف وسائل الإعلام، المرئية والمسموعة والمكتوبة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك