رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 23 سبتمبر، 2026 0 تعليق

التعدي مساس بمشاعر المسلمين وشعائرهم .. استنكارٌ وإدانةٌ لاستهداف مكة المكرمة (البلد الحرام)

  • الخارجية الكويتية: يمثل العمل الجبان والمشين تعدياً صارخا على حرمة قبلة المسلمين واستهانة بمكانتها الدينية
  • أكدت المواقف العربية والإسلامية التضامن مع السعودية ورفض انتهاك سيادة المملكة أوتهديد أمن المنطقة
  •  استهداف مكة يمثل تصعيدًا بالغ الخطورة لما لها من حرمة ومكانة في نفوس المسلمين تتجاوز حدودها الجغرافية والسياسية
  •  حرمة مكة ثابتة لا تتغير: فالله حرَّمها يوم خلق السماوات والأرض وتبقى حرمتها قائمة إلى قيام الساعة لا يملك أحد إسقاطها أو الانتقاص منها
  • لمكة حرمة شرعية خاصة وقد أكد القرآن الكريم والسُنَّة النبوية أمن البلد الحرام وتعظيم حرمته ما يجعل تعمد استهدافه أو تعريض أهله وقاصديه للخطر أمرًا محرمًا شرعًا
  •  الأمن أساس أداء العبادة وعمارة الحياة: وقد اقترن في دعاء إبراهيم عليه السلام بالرزق وإقامة الصلاة ما يدل على مكانته في استقرار المجتمعات وحفظ مصالح الناس
  •  أمن الحرمين ينبغي أن يبقى بمنأى عن الصراعات السياسية والعسكرية فصيانة المقدسات وحماية قاصديها مسؤولية لا يجوز إخضاعها لأدوات النزاع والتصعيد
  •  الكعبة رمز التوحيد ووحدة الأمة: تتجه إليها وجوه المسلمين كل يوم فتجمع اختلاف الألسنة والألوان والأوطان على عبادة رب واحد وقبلة واحدة
  •  جمع الله لمكة شرف البلد وحرمة الحرم وبركة البيت ومبعث الرسالة وقبلة الصلاة ومقصد الحج
  • محبة مكّة مسؤولية عملية: وصدق المحبة يظهر في تعظيم حرماتها وصيانة أمنها وحسن الأدب فيها وحفظ حقوق أهلها وقاصديها
  •  شرف المكان لا يغني عن التقوى: ففضيلة الإقامة أو الزيارة تزداد بالاستقامة والعمل الصالح كما أن انتهاك الحرمة في البلد الحرام أشد خطرًا وأعظم جرمًا

اعترضت قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي، مساء الثلاثاء 15 سبتمبر 2026، طائرة مسيّرة قالت قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن:  إن ميليشيا الحوثي أطلقتها باتجاه مكة المكرمة، قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة؛ حيث جرى اعتراضها وتدميرها جنوب المدينة.

       وقال المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي: إن قوات الدفاع الجوي تمكنت عند الساعة: 6:50 مساء من اعتراض الطائرة المسيّرة وتدميرها، موضحًا أن هذه المحاولة تُعد -بحسب بيان التحالف- الثانية لاستهداف مكة المكرمة، بعد محاولة سابقة بإطلاق صاروخ باليستي في 27 يوليو 2017.

        ووصف المالكي محاولة استهداف مكة بأنها عمل يمس «مهبط الوحي وأرض الرسالة ومهوى أفئدة الملايين من المسلمين»، وينطوي على ترويع الآمنين من ضيوف بيت الله الحرام وتعريض المواطنين والمقيمين للخطر، وأكد أن أمن الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن «خط أحمر»، وأن قيادة القوات المشتركة ستتخذ الإجراءات اللازمة تجاه التهديدات التي تستهدف أمن المملكة ومقدساتها.

إدانات عربية وإسلامية

       وتوالت الإدانات العربية والإسلامية والدولية للهجمات التي شنّتها جماعة (الحوثي) بالصواريخ والطائرات المسيّرة على المدنيين والمنشآت المدنية والمقدسات الإسلامية في السعودية، وسط تأكيدات للتضامن الكامل مع المملكة، ورفض استهداف أراضيها وانتهاك سيادتها.

الكويت تدين وتستنكر بشدة

       أعربت وزارة الخارجية عن إدانة دولة الكويت واستنكارها الشديدين؛ لمحاولة استهداف مكة المكرمة بطائرة مسيرة أطلقتها ميليشيا الحوثي، مؤكدة أن هذا العمل يمثل تعدياً على حرمة قبلة المسلمين، واستهانة بمكانتها الدينية، ومساساً بمشاعر المسلمين. وأكدت الوزارة في بيان لها: تضامن دولة الكويت المطلق مع المملكة العربية السعودية، ودعمها لجميع الإجراءات التي تتخذها لصون سيادتها وأمنها، وحماية الحرمين الشريفين والحفاظ على حرمتهما. وأشادت بيقظة قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي وكفاءته في التصدي لهذه المحاولة، مشددة على أن أمن المملكة العربية السعودية جزء لا يتجزأ من أمن دولة الكويت، وأمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

إدانة مجلس التعاون

       من جانبه، أدان جاسم البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، بأشدّ العبارات الاعتداءات الإرهابية الآثمة التي تُواصل ميليشيا الحوثي ارتكابها ضد السعودية، واستهدافها المتعمد والمتكرر للأعيان المدنية والمدنيين بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، واصفاً التصعيد بأنه إجرامي خطير يؤكد النهج الإرهابي للميليشيا.

إدانة منظمة التعاون الإسلامي

      وأدانت منظمة التعاون الإسلامي، الأربعاء، ما وصفته «بـالاعتداءات الآثمة» التي نفّذتها ميليشيا (الحوثي) على مكة المكرمة، وقالت (المنظمة)، في بيان.  نُشر على حسابها بمنصة (إكس): «تُدين الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي الاعتداءات الآثمة التي شنّتها جماعة الحوثي على مدينة مكة المكرمة ومنطقة المدينة المنورة، واستمرار عدوانها على المملكة العربية السعودية».

الأزهر: الاعتداءات تهدد أمن المنطقة

      أدان الأزهر الشريف بأشد العبارات الاعتداءات التي تعرضت لها المملكة العربية السعودية ولا سيما مكة المكرمة، مؤكدًا أنها تمثل انتهاكًا صريحًا لمبادئ حسن الجوار الإسلامي وحقوق الجار، ومساسًا غير مقبول بسيادة المملكة وأمنها واستقرارها، وحذّر الأزهر، في بيان، من خطورة استمرار التصعيد وتداعياته على أمن المنطقة واستقرارها، وما قد يترتب عليه من تهديد لحياة المدنيين الأبرياء وتعميق حالة التوتر والصراع.

     وقد عبَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عظيم محبته لها حين وقف عند خروجه منها فقال: «والله إنكِ لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت»؛ رواه الترمذي وابن ماجه. فاجتمعت لمكّة محبة الله، ومحبة رسوله -صلى الله عليه وسلم -، ومحبة المؤمنين الذين تتطلع نفوسهم إلى رؤيتها، والطواف ببيتها، والصلاة في مسجدها الحرام.

مكّة.. حَرَمُ الله وقِبلةُ التوحيد

        ليست مكّة المكرمة مدينةً كسائر المدن؛ فهي خير أرض الله وأحبها إليه، والبلد الحرام، وموطن البيت العتيق، وقِبلة المسلمين، ومهد الرسالة الخاتمة، إليها تتجه الوجوه في الصلوات، وتهفو القلوب وإن باعدت بينها المسافات، وفي ربوعها تنزَّل الوحي، ومنها أشرقت دعوة التوحيد، فأنارت للإنسانية طريق الهداية.

أسماء وأوصاف تحمل معاني الشرف

       ورد ذكر مكّة في القرآن الكريم بأسماء وأوصاف متعددة، يكشف كل منها جانبًا من مكانتها وخصائصها، فقد سمّاها الله مكّة في قوله -تعالى-: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ} (الفتح: 24)، وسمّاها بكّة في قوله -سبحانه-: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} (آل عمران: 96).

      وسمّاها أم القرى؛ لما لها من المكانة والصدارة بين القرى، فقال -تعالى-: {وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} (الأنعام: 92). وأقسم بها تعظيمًا لشأنها فقال: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} (البلد: 1)، ووصفها بالأمن فقال: {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} (التين: 3).

       وليست هذه الأسماء والأوصاف مجرد دلالات جغرافية، بل تحمل معاني الاصطفاء والحرمة والبركة والأمن والهداية؛ فمكّة بلد عظَّمه الله، وربط ذكره بأشرف بيت، وأكرم رسالة، وأعظم عبادة جامعة.

حرمة باقية إلى قيام الساعة

        لم تنشأ حرمة مكّة بعرف بشري، ولم ترتبط بمرحلة تاريخية عابرة، وإنما هي حرمة ربانية ثابتة منذ خلق الله السماوات والأرض، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكّة: «إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة» متفق عليه.

       وتظهر هذه الحرمة في جملة من الأحكام التي اختص الله بها الحرم؛ فلا يحل فيه سفك الدم الحرام، ولا تنفير صيده، ولا قطع شجره، ولا عضد شوكه، ولا التقاط لُقطته إلا لمن أراد تعريفها، وهي أحكام تغرس في قلب المسلم تعظيم المكان، وتربيه على كف الأذى، وصيانة الحقوق، واحترام الإنسان وسائر المخلوقات.

     ولم يقتصر التحذير على ارتكاب الظلم في الحرم، بل جاء الوعيد الشديد لمن يهمّ فيه بالعدوان، قال -تعالى-: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} (الحج: 25)؛ فإذا كان الوعيد متعلقًا بإرادة الظلم فيه، فإن اقترافه أشد جرمًا وأعظم خطرًا؛ ما يؤكد أن صيانة أمن الحرم، وحفظ حقوق قاصديه، ومنع كل ما يروّعهم أو يؤذيهم، من أوجب الواجبات وأعظم المسؤوليات.

البيت الأول ومنارة التوحيد

       يقع البيت الحرام في قلب مكّة ، وهو أول بيت وُضع للناس لعبادة الله وتوحيده، قال -تعالى-: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} (آل عمران: 96). فهو بيت مبارك، تتنزل عنده الرحمات، وتقام حوله شعائر التوحيد والذكر والطاعة، ومنه يشع نور الهداية إلى العالمين.

      وقد رفع إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- قواعده ممتثلين أمر الله، وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (البقرة: 127). فكان بناؤه قائمًا على الإخلاص والافتقار إلى الله، وبقي شاهدًا على وحدة دعوة الأنبياء؛ إذ جاءت رسالاتهم جميعًا بأصل واحد: إفراد الله بالعبادة، ونبذ الشرك، والاستسلام لأمره.

قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها

       والكعبة قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، قال -تعالى-: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} (البقرة: 144). ففي كل لحظة تتجه إليها وجوه المصلين، على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأوطانهم؛ تجمعهم قبلة واحدة، وعبادة واحدة، ورب واحد، في مشهد يومي تتجسد فيه وحدة الأمة.

      ومن فضائل المسجد الحرام مضاعفة أجر الصلاة فيه، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه»؛ وهذه المضاعفة تفتح للمؤمن أبوابًا واسعة من الأجر، لكنها تذكّره أيضًا بأن شرف المكان يقتضي حضور القلب، وحسن الأدب، وإخلاص العبادة، واجتناب الخصومات والرياء وإيذاء الآخرين.

مهبط الوحي ومبعث الرسالة

      دازداد البلد الحرام شرفًا باختيار الله له موطنًا لبعثة خاتم الأنبياء محمد - صلى الله عليه وسلم-؛ ففي غار حراء تنزّلت أولى آيات الوحي: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (العلق: 1)، وعلى أرض مكّة بدأت دعوة الإسلام، وفي شعابها ثبت النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه أمام الأذى والحصار، وقدموا أروع أنواع الصبر واليقين والثبات على الحق.

       ومن مكّة انطلقت الرسالة التي أخرج الله بها الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ظلمات الشرك والجهل إلى نور الإيمان والعلم، ثم عاد إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- فاتحًا متواضعًا، فطهَّر البيت من الأصنام، وردَّه إلى الغاية التي أقيم من أجلها: بيت للتوحيد الخالص، ومثابة للناس وأمن.

        وهكذا تختزن مكّة ذاكرة الدعوة الأولى؛ ففي معالمها تتجدد مشاهد الوحي والثبات والتضحية، وترتبط أجيال الأمة بسيرة نبيها -صلى الله عليه وسلم-. ومن يقصدها لا ينتقل إلى مكان فحسب، بل يستحضر مسيرة إيمان صنعت أمة، وحررت الإنسان من عبودية المخلوق، وغيَّرت مجرى التاريخ.

دعاء إبراهيم ونعمتا الأمن والرزق

         ترتبط مكانة مكّة بدعاء خليل الله إبراهيم -عليه السلام-، حين قال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} (البقرة: 126). فجمع في دعائه بين نعمتي الأمن والرزق؛ إذ لا تستقيم حياة الناس، ولا تؤدَّى العبادات، ولا تزدهر المجتمعات من دون أمن تُصان به النفوس، ورزق تقوم به مصالح الحياة.

      وحين أسكن إبراهيم -عليه السلام- بعض ذريته في ذلك الوادي المقفر، لم يكن فيه زرع ولا ماء ولا عمران، لكنه كان واثقًا بوعد الله، فقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (إبراهيم: 37).

        وقد تجلت آثار هذا الدعاء عبر القرون؛ فتدفقت إلى مكّة الخيرات، وتعلقت بها قلوب المؤمنين، وصارت مقصدًا لا ينقطع قاصدوها. كما يكشف ترتيب الدعاء عن معنى تربوي عميق؛ فإقامة الصلاة هي الغاية، وميل الأفئدة وسعة الرزق نعمتان تعينان عليها، ثم تأتي الثمرة المنشودة: {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}؛ فالأمن والرزق ليسا غاية مستقلة، وإنما نعمتان تكتملان بالشكر والطاعة وعمارة الحياة بالإيمان.

مكّة في قلوب المسلمين

        يتجاوز تعلق المسلمين بمكّة حدود المكان؛ فهي حاضرة في حياتهم كل يوم، يستقبلونها في صلواتهم، وتتجه إليها أرواحهم وإن بعدت أجسادهم عنها، يشتاق إليها من زارها، ويتطلع إلى رؤيتها من لم يزرها، فإذا أبصر المؤمن الكعبة للمرة الأولى شعر أن رحلة الشوق الطويلة قد انتهت عند موطن السكينة، وأن القلب قد بلغ المكان الذي طالما توجَّه إليه في صلاته ودعائه.

       ومحبة مكّة من محبة ما عظَّمه الله، لكنها ليست عاطفة مجردة ولا دعوى تقال باللسان؛ بل عبادة ومسؤولية وسلوك. فمن صدق في محبتها عظَّم حرماتها، والتزم بآدابها، وحفظ حقوق قاصديها، واجتنب مزاحمتهم وإيذاءهم، واغتنم وجوده فيها في الصلاة والذكر والدعاء وتلاوة القرآن.

        كما أن شرف الإقامة في مكّة أو زيارتها لا يغني عن التقوى والعمل الصالح؛ فالمكان الشريف لا يرفع من أعرض عن أمر الله، بل يزيد المقيم والزائر مسؤولية ومحاسبة. ومن هنا وجب على المسلم أن يجمع بين الشوق إلى البلد الحرام وحسن الأدب فيه، وبين معرفة فضائله والخوف من انتهاك حرماته.

مسؤولية الحفظ والتعظيم

         إن حفظ أمن مكّة وصيانة الحرم من كل عدوان أو عبث مسؤولية شرعية عظيمة؛ تقع في المقام الأول على من ولاهم الله أمره، كما يجب على المسلمين جميعًا أن يكونوا عونًا لهم على أمنه وسلامته، كلٌّ بحسب موقعه وقدرته؛ فالاعتداء على مكّة ليس اعتداءً على مدينة فحسب، بل انتهاك لحرمة عظَّمها الله، وتهديد لأمن قاصديها، واستفزاز لمشاعر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

        وتعظيم الحرم لا يقتصر على حمايته من الاعتداءات الكبرى، بل يشمل احترام أنظمته، والمحافظة على مرافقه، وخفض الصوت فيه، وتجنب التدافع والإيذاء، وإعانة الضعيف، والرفق بالحجاج والمعتمرين، والتعاون على كل ما يحقق أمنهم وطمأنينتهم.

       وقد قال الله -تعالى-: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} (الحج: 30)، وقال -سبحانه-: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} (الحج: 32). فتعظيم مكّة وحرماتها ليس مظهرًا خارجيًّا فحسب، بل ثمرة لتقوى مستقرة في القلب، تظهر آثارها في القول والعمل والسلوك.

حرمٌ في الأرض ومقامٌ في القلوب

        ستبقى مكّة حرم الله الآمن، وقبلة التوحيد، ومهوى أفئدة المؤمنين؛ منها أشرقت الرسالة، وفيها ارتفعت قواعد البيت، وإليها تتجه الوجوه، وعندها تتجرد النفوس من فوارقها، معلنة عبوديتها لله وحده.

       ولئن جمع الله لمكّة شرف المكان، وبركة البيت، وذكريات النبوة، ووحدة القبلة، فقد جعل تعظيمها امتحانًا لما في القلوب من تقوى؛ فليست محبتها شوقًا إلى رؤيتها فحسب، بل وفاء بحرمتها، والتزامًا بهديها، وصيانة لأمنها، وإحسانًا إلى أهلها وقاصديها.

        فطوبى لمن وصل إلى البيت بقلبه قبل خطاه، وعاد منه وقد جدد توحيده، وأصلح عمله، وحمل من رحابه رسالة أمن ورحمة وهداية. وحفظ الله مكّة بلدًا آمنًا مطمئنًا، وصان بيتها الحرام، وأدام عليها نعمة الأمن والإيمان، وجعل أفئدة المؤمنين تهوي إليها إلى قيام الساعة.

إحياء التراث الإسلامي تؤكد تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية ودعمها لما تتخذه من إجراءات مشروعة لحماية الحرمين الشريفين

تُدين جمعية إحياء التراث الإسلامي في دولة الكويت بأشد عبارات الاستنكار والإدانة- أيَّ استهدافٍ أو محاولةٍ لاستهداف مكة المكرمة (البلد الحرام)، أو تعريض أمنها وسلامة قاصديها وضيوف الرحمن للخطر، وتؤكد أن مثل هذه الأعمال تمثل اعتداءً إجراميًّا بالغ الخطورة، وانتهاكًا لحرمة أقدس البقاع، وتهديدًا مباشرًا لأرواح الأبرياء، واستفزازًا لمشاعر المسلمين في العالم أجمع.

       إن مكة المكرمة البلد الحرام هي قبلة المسلمين، ومهوى أفئدتهم، وفيها بيت الله الحرام الكعبة المشرفة، وقد شرّفها الله -تعالى- وخصّها بالحرمة والأمن، قال -سبحانه وتعالى-: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} (الحج: 25)، وقال -جل وعلا-: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} (آل عمران: 97).

        والجمعية تؤكد تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية، ودعمها لما تتخذه من إجراءات مشروعة لحماية الحرمين الشريفين في مكة والمدينة، وتأمين ضيوف الرحمن، وصون أمنهم وسلامتهم، وحماية أراضي المملكة ومقدسات المسلمين فيها، وموقف الجمعية يستند إلى ثوابت شرعية وإنسانية راسخة، في مقدمتها تعظيم شعائر الله، ومكانة الحرمين الشريفين، وحرمة الدماء، وحفظ النفس، ورفض استهداف المدنيين، ودور العبادة والمقدسات الدينية، أياً كانت الجهة التي تقف وراء هذه الأعمال أو الذرائع التي تُساق لتبريرها.

        كما تؤكد الجمعية على انسجام موقفها مع الموقف الرسمي الثابت لدولة الكويت في احترام المقدسات الإسلامية، ووقوفها إلى جانب المملكة العربية السعودية في حماية أمنها وسلامة أراضيها، وأمن الحرمين الشريفين وسلامة ضيوف الرحمن.

         كما تدعو الجمعية الدول الإسلامية، والمنظمات والهيئات الدولية، وجميع الجهات المعنية، إلى اتخاذ مواقف واضحة ومسؤولة، تجاه أي اعتداء يستهدف الحرمين الشريفين أو يهدد أمن قاصديها، واحترام المقدسات الإسلامية، وتجنيبها الصراعات والأعمال العدائية، بما يكفل حماية الأرواح وصون حرمة هذه البقاع المباركة.

         وختاماً .. فإننا نتضرع إلى الله تعالى أن يحفظ المملكة العربية السعودية وأهلها، وأن يحفظ الحرمين الشريفين في مكة والمدينة، وسائر بلاد المسلمين من كل سوء وفتنة، وأن يديم على هذه البقاع المباركة نعمة الأمن والأمان والاستقرار، إنه سميع مجيب.

جمعية إحياء التراث الإسلامي

دولة الكويت في: 6/4/1448هـ. الموافق:17/9/2026م.

حرمة مكة فوق الصراعات

       إن المكانة الشرعية لمكة تجعل صيانة أمنها مسؤولية عظيمة؛ فحرمة البلد الحرام ليست خاضعة للخلافات السياسية أو العسكرية، ولا يجوز أن تصبح المقدسات أو المدنيون وسيلة ضغط في أي نزاع، ولهذا فإن محاولة إيصال السلاح إلى محيط مكة تمثل -وفق الرواية الرسمية السعودية- تطورًا بالغ الخطورة، يتجاوز في دلالته حدود المواجهة العسكرية؛ لأن ما يتعلق بالبلد الحرام يمس مشاعر المسلمين وحرمة مقدساتهم وأمن قاصديها، ويبقى المعنى الذي قرره القرآن أصلًا جامعًا في النظر إلى مكة ومكانتها: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} (العنكبوت: 67)؛ فالأمن في مكة نعمة عظيمة، والمحافظة عليه وصيانة الحرم من أسباب الخوف والعدوان من مقتضيات تعظيم ما عظمه الله.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك