رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: أحمد قبلان العازمي 5 أكتوبر، 2026 0 تعليق

إثبات صفات الله ..بلا تشبيه ولا تعطيل – الوقفة الرابعة –

  • اشتهر عن الجهمية نفي الأسماء والصفات ثم جاءت المعتزلة فأثبتوا الأسماء ونفوا الصفات كما أثبتت طوائف أخرى بعض الصفات ونفت غيرها
  • منهج السلف ثابت راسخ قائم على إثبات ما جاء في الكتاب والسُنَّة من غير خوض في الكيفية مع تنزيه الله تعالى عن مماثلة خلقه
   

نواصل ما بدأناه من شرح أبيات حائية ابن أبي داود -رحمه الله-، ونقف اليوم مع قوله:

وقد يُنكر الجهمي أيضًا يمينَهُ                وكلتــا يديه بالفواضل تنفحُ

وقل ينزل الجبار في كل ليلـةٍ                بلا كيف جلَّ الواحد المتمدِّحُ

إلى طبـق الدنيا يمنُّ بفضلــه                فتُـفـرَج أبواب السمـاء وتُفتحُ

ألا مسـتغــفـرٌ يـلـقـى غـفــورًا                ألا مستمنحٌ خيرًا ورزقًا فيُمنحُ

روى ذاك قـومٌ لا يُرَدُّ حديثُهـم                  ألا خاب قومٌ كذَّبوهم وقُبِّحوا

        يتناول الناظم في هذه الأبيات بعض صفات الله -سبحانه وتعالى-، ومنها صفة اليدين وصفة النزول، على أصل أهل السنة والجماعة في إثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله - صلى الله عليه وسلم -، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، والقاعدة الجامعة في هذا الباب قول الله -تعالى-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: 11)؛ ففي أول الآية نفي المماثلة عن الله، وفي آخرها إثبات صفتي السمع والبصر. فكما أن لله سمعًا وبصرًا يليقان بجلاله، ولا يشبهان سمع المخلوق وبصره، فكذلك سائر صفاته -سبحانه- تثبت له على الوجه اللائق بكماله وعظمته.

موقف الفرق من صفات الله

        وقول الناظم: «وقد ينكر الجهمي أيضًا يمينه» لا يعني أن إنكار الصفات اقتصر على الجهمية وحدهم؛ فقد ظهرت بعدهم فرق وافقتهم في بعض أصول هذا الباب بدرجات متفاوتة، فالجهمية اشتهر عنهم نفي الأسماء والصفات، ثم جاءت المعتزلة فأثبتوا الأسماء ونفوا الصفات، كما أثبتت طوائف أخرى بعض الصفات ونفت غيرها، وكان منهج السلف ثابتًا راسخًا قائمًا على إثبات ما جاء في الكتاب والسنة من غير خوض في الكيفية، مع تنزيه الله -تعالى- عن مماثلة خلقه.

إثبات صفة اليدين لله -تعالى-

يقول الناظم:

وقد ينكر الجهمي أيضًا يمينَهُ

                                  وكلتا يديه بالفواضل تنفحُ

        أي: تجود وتعطي؛ فالله -سبحانه- كريم واسع الفضل. وصفة اليدين ثابتة في نصوص الكتاب والسنة، ومن أوضح أدلتها قوله -تعالى- لإبليس: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} (ص: 75)، وجاء في السنة ما يدل على سعة فضل الله وعطائه، ففي الحديث: «يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحَّاء الليل والنهار».

عظمة الخالق لا تقاس بالمخلوق

         قال الله -تعالى-: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} (الزمر: 67)، وهذه الآية تفتح للقلب بابًا عظيمًا في معرفة جلال الله -سبحانه-؛ فهذه الأرض والسماوات وما فيها من مخلوقات هائلة لا يجوز أن تكون مقياسًا نقيس به صفات الخالق -جل وعلا. ومن هنا كان الأصل أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، مع القطع بأنه -سبحانه- لا يماثل خلقه في ذاته ولا في صفاته، وقد وردت النصوص في ذكر يدي الله -تعالى-، وجاء في الحديث: «وكلتا يديه يمين»، والمقصود نفي النقص عن صفاته -سبحانه-؛ فإن صفاته كلها صفات كمال، لا يلحقها ما يلحق صفات المخلوقين من ضعف أو نقص.

النزول الإلهي كما يليق بجلاله

ثم ينتقل الناظم إلى صفة أخرى فيقول:

وقل ينزل الجبار في كل ليلةٍ

                                 بلا كيف جلَّ الواحد المتمدِّحُ

ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الله -تبارك وتعالى- ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل نزولًا يليق بجلاله، فيقول: «من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟». وهذا الحديث من أعظم النصوص الدالة على كرم الله ورحمته بعباده؛ إذ يفتح لهم أبواب الدعاء والاستغفار والرجاء في هذا الوقت المبارك، ونحن نثبت هذا النزول كما جاء، ولا نشبهه بنزول المخلوق، ولا نخوض في كيفيته؛ لأن كيفية صفات الله لا يعلمها إلا الله.

السؤال عن الكيفية

         قد يعترض بعض الناس على صفة النزول بقياسها على أحوال المخلوقين، فيقال: إن هذا القياس من أصله غير صحيح؛ لأن الحديث عن الخالق -سبحانه- لا يُقاس فيه على المخلوق، فإذا ثبت النص أثبتنا ما دل عليه، أما الكيفية فلا نعلمها. وهذا أصل مطرد في صفات الله -تعالى-؛ فنؤمن بقوله -سبحانه-: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (طه: 5)، ونثبت الاستواء على الوجه اللائق بالله، من غير أن نخوض في كيفيته. ومن القواعد المهمة في هذا الباب: أن القول في الصفات كالقول في الذات، والقول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر؛ فمن أثبت لله السمع والبصر من غير تشبيه، أمكنه أن يثبت سائر ما ثبت من الصفات بالطريقة نفسها، من غير تمثيل ولا تعطيل.

من كرم الله وتودده إلى عباده

يقول الناظم:

إلى طبق الدنيا يمنُّ بفضله

                                     فتُفرَج أبواب السماء وتُفتحُ

ثم يقول:

ألا مستغفرٌ يلقى غفورًا

                                    ألا مستمنحٌ خيرًا ورزقًا فيُمنحُ

         وهنا يظهر المعنى الإيماني العظيم في أحاديث النزول؛ فهي ليست بابًا للجدل النظري، وإنما باب لمعرفة الله وتعظيمه وحسن الظن به والإقبال عليه، فإذا علم المؤمن أن ربه يدعوه إلى الاستغفار والدعاء والسؤال في الثلث الأخير من الليل، كان ذلك باعثًا له على القيام والمناجاة والتوبة وطلب الفضل والرزق والمغفرة. ومن هنا تظهر الثمرة التعبدية للإيمان بصفات الله؛ فمعرفة الله بأسمائه وصفاته تزيد القلب محبةً وخشيةً ورجاءً وتعلقًا به -سبحانه-.

التسليم لما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

ويختم الناظم بقوله:

روى ذاك قومٌ لا يُرَدُّ حديثُهم

                                     ألا خاب قومٌ كذَّبوهم وقُبِّحوا  

       يشير بذلك إلى أن أحاديث النزول وغيرها من أحاديث الصفات نقلها الأئمة الثقات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومنهج أهل السنة قبول ما صح عنه -صلى الله عليه وسلم - والإيمان بما دل عليه، فكما تُقبل عنه -صلى الله عليه وسلم - أحاديث الصلاة والصيام والحج، فكذلك نقبل عنه بقية أحكام الدين ومنها أمور الغيب كأحاديث الصفات واليوم الآخر، ولم يكن منهج الصحابة -رضي الله عنهم- عند سماع نصوص الصفات أن يضربوا بعضها ببعض أو يقيسوها على صفات البشر، وإنما تلقوها بالإيمان والتسليم مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين.

معرفة الصفات تزيد الإيمان

         والحديث عن صفات الله له أثر عظيم في حياة المؤمن؛ فإذا علم أن الله يغفر، أكثر من الاستغفار، وإذا علم أنه كريم يعطي، أحسن سؤاله ورجاءه، وإذا علم أنه يفرح بتوبة عبده، أقبل على التوبة ولم يقنط من رحمته، وفي الحديث أن الله أشد فرحًا بتوبة عبده من الرجل الذي يفقد راحلته في أرض مهلكة ثم يجدها؛ وهذا يفتح للمذنب أبواب الرجاء، ويعرِّفه بسعة رحمة الله وفضله، وهكذا يكون المنهج الصحيح في باب الأسماء والصفات: إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، وتسليم لما جاء في الكتاب وصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ تحقيقًا لقوله -تعالى-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك