أخلاق المؤمن وقت الشدائد
د. مصطفى العصفوري
تزخر نصوص القرآن الكريم والسُنَّة المطهرة بنماذج ناصعة لأصحاب الأخلاق الرفيعة، تجلّى نبلها في الشدائد، وسطع نورها في المحن، وكشفت الأزمات عن أصالتها وسموّها؛ لتبقى شواهد حيّة على أن معادن الأخلاق إنما تظهر عند الابتلاء، ونستعرض في هذه المقالة أهم هذه النماذج.
أولا: يوسف الصديق -عليه السلام- ومحنة السبع العجاف
لقد تيقن يوسف -عليه السلام- وهو في السجن مظلوما! أن أزمة طاحنة ستنزل بالمنطقة كلها؛ فلم يُخْفِ الأمرَ عن القوم، ولم يستغله في الانتقام منهم وقد سجنوه بضع سنين! بل بادر عن طيب نفس إلى تعبير رؤيا الملك، ولم يكتف بذلك -وكفاه لو فعل- بل قام بوضع خطة واضحة المعالم للإنقاذ والخروج من الأزمة {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} (يوسف). وزاد على ذلك أن تطوع بنفسه أن يباشر تنفيذ خطة الإنقاذ باذلًاً كل علمه وخبرته وجهده في إنقاذ العباد والبلاد من الأزمة االمقبلة {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (يوسف: 55)، فأيُّ كرمٍ نفسيٍّ وسُموٍّ أخلاقيٍّ، وأيُّ رحمةٍ يوسفيةٍ كشفت عنها تلك الأزمةُ الاقتصادية؟! لقد أحسن إلى من أساء، وأعطى من حَرم، وعفا عمن ظَلم! لقد تعالى على جراح نفسه في سبيل نفع أمته! لم يحمل حقدً ولا غلًا، على حد قول الشاعر:ولا أحْمِلُ الحِقْدَ القَديمَ عليْهِمُ... وليْسَ رَئيسُ القَوْمِ مَنْ يَحْملُ الِحِقْدا
وكذلك كان مع إخوته الذين ألجأتهم الأزمة الاقتصادية أن يقفوا بين يديه متوسلين صاغربن: {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} (يوسف: 88)، فكان معهم أيضًا بالإحسان، لا عقاب ولا عتاب بل دعاء بالمغفرة والمتاب! {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (يوسف: 92).ثانيًا: أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم غزوة العُسْرة (تبوك)
وافقت غزوة تبوك ظروفًا شديدةً قاسيةً: قال عنها ابن إسحاق: «أَمَرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه بالتَهيُّؤِ لغزوِ الرومِ، وذلك في زمانٍ من عُسرةِ الناس، وشدةٍ من الحَرِ، وجَدْبٍ من البلادِ، وحين طابت الثمارُ، والناسُ يحبون المُقامَ في ثِمارِهم وظِلالِهم، ويَكْرهون شُخُوصَهم على تلك الحالِ». ولذلك سميت بالعسرة لشدة ما لاقى المسلمون فيها من النصب، وقد كشفت هذه الأزمة معادن المؤمنين الأخيار، كما أظهرت دخائل المنافقين الفجار، أما المؤمنون: فحين حث النبي -صلى الله عليه وسلم - على تجهيز جيش العسرة تسابق المؤمنون تلبية لأمر نبيهم -صلى الله عليه وسلم -، فجاء ذا بماله كله، وجاء ذا بنصف ماله، وجاء ذا بثلاثمئة بعير بأحلاسها وأقتابها، وجاء الذين لا يجدون إلا جُهدهم بالقليل الذي لا يملكون غيره، وجاء من لا يجدون شيئا يطلبون من رسول الهدى -صلى الله عليه وسلم - أن يحملهم معه، قال: لا أجد ما أحملكم عليه {تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} (التوبة:92). وأما المنافقون: فجاؤوا يستأذنون في التخلف مدعين عدم الاستطاعة البدنية بالمرض، أو المالية لقلة ذات اليد، ويحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم والله يعلم إنهم لكاذبون. ومنهم من اعتذر بخوف الفتنة على دينه! (عجبا!) وقد سجل القرآن ذلك في قوله: {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} (التوبة: 49)، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وتعقيبا على كلا الموقفين: صدر الحكم الإلهي بحق المنافقين: {فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (التوبة: 95). وصدر بحق المؤمنين: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة:100).
لاتوجد تعليقات