رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي 24 نوفمبر، 2025 0 تعليق

شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: مَنْ أَرَادَ أَهْلَ الْمَدِينَة بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ

  • المدينةُ النَّبويَّةُ بُقعةٌ مِنَ الأرضِ مُبارَكةٌ طَهَّرَها اللهُ مِنَ الأدْناسِ واختارَها لتَكونَ مُهاجَرَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وحاضنةَ دَعوتِه وأساسَ دَولتِه
  • النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يَعلَمُ الغيبَ ولكن قد يُطلِعُه اللهُ على بَعضِ الغَيبِ
 

عن أَبيِ هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَرَادَ أَهْلَهَا بِسُوءٍ- يُرِيدُ الْمَدِينَةَ- أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ». (1386/493)، الحديث رواه مسلم في الحج (2/1007) وبوّب عليه بمثل تبويب المنذري، وراه البخاري في فضائل المدينة (1877) باب: إثم مَن كاد أهل المدينة، عن سعد - رضي الله عنه -، بلفظ: «لا يَكِيدُ أهْلَ المَدِينَةِ أحَدٌ، إلَّا انْمَاعَ كما يَنْمَاعُ المِلْحُ في المَاء»ِ.

        في هذا الحَديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ اللهَ -سُبحانَه وتعالى- يدافِعُ عن المدينةِ وأهلِها المؤمنِينَ الصَّالحينَ، ومِن ذلك: أنَّه لا يَمكُرُ أحَدٌ بأهلِ المدينةِ، ويُدبِّرُ لهم الأَذَى في العَلَنِ أو الخَفاءِ؛ إلَّا أهلَكَه اللهُ وأزالَه مِن الوُجودِ سَريعاً، كما يَذُوبُ المِلحُ في الماءِ؛ وفي رواية مسلم: «مَنْ أرادَ أهلها بسُوء أذابه الله، كما يذوبُ المِلح في الماء». وقوله: «إلا انْماع» أي: ذاب. فمَن أرادَ المَكرَ بهم لا يُمهِلُه اللهُ -تعالى-، ولا يُمكِّنُ له سُلطاناً عليهم، بل يُذهِبُه عن قَريبٍ، كما هو شأنُ كلّ مَنْ حارَبَها على مرّ الأيام في التاريخِ، وقيل: مَن أرادَها في حَياةِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بسُوءٍ اضمَحلَّ أمْرُه، والصواب: أنّ ذلك عام. وقيل: المُرادُ العَذابُ له في الآخِرةِ، كما في صَحيحِ مُسلمٍ: «لا يُريدُ أحَدٌ أهلَ المدينةِ بِشَرٍّ إلَّا أذابَه اللهُ في النَّارِ ذَوْبَ الرَّصاصِ»، فجَعَلَ العِقابَ له في نارِ جَهنَّمَ. قال عياض: هذه الزيادة تدفع إشكال الأحاديث الأخر، وتوضّح أنّ هذا حُكمه في الآخرة. قال: ويحتمل أنْ يكون المراد: لمَنْ أرادها في الدُّنيا بسوء، وأنّه لا يُمْهل بل يذهب سلطانه عن قرب، كما وقع لمسلم بن عقبة وغيره، فإنّه عُوجل عن قرب، وكذلك الذي أرسله. قال: ويحتمل أنْ يكون المراد من كادها اغتيالاً، وطلباً لغرّتها في غفلةٍ فلا يتمّ له أمْر، بخلاف مَنْ أتى ذلك جهاراً كما استباحها مسلم بن عقبة وغيره. وروى النسائي: من حديث السائب بن خلاد رفعه: «مَنْ أخَافَ أهلَ المدينةٍ ظَالماً لهم؛ أخافَه الله، وكانتْ عليه لعنةُ الله» الحديث. ولابن حبان نحوه من حديث جابر. (فتح الباري) (4/94).

فوائد الحديث

  • وعيدٌ شَديدٌ لِمَن كادَ أهْلَ المَدينةِ أو أرادَ بهم أيَّ أذًى.
  • المدينةُ النَّبويَّةُ بُقعةٌ مِنَ الأرضِ مُبارَكةٌ، طَهَّرَها اللهُ مِنَ الأدْناسِ، واختارَها لتَكونَ مُهاجَرَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وحاضنةَ دَعوتِه، وأساسَ دَولتِه، وهي حَرَمٌ آمن، لا يجُوز العُدوان عليها، أو ظُلم أهْلها.

باب: التّرْغيبُ في المقام بالمدينة عند فتح الأمصار

عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ - رضي الله عنه -: قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «يُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ ومَنْ أَطَاعَهُمْ، والْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ؛ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ يُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، والْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ يُفْتَحُ الْعِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ ومَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/1008) وبوب عليه بمثل تبويب المنذري.

        في هذا الحَديثِ يَرْوي الصَّحابيُّ سُفيانُ بنُ أبي زُهيرٍ وهو الأزديُّ - رضي الله عنه -، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أخبَرَ عن مُدُنٍ ستُفتَحُ للصحابة ومنْ بعدهم من الأمّة الإسلامية، وقد وَقَعَ ما أخبَرَ به -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- كما قال، وعلى التَّرتيبِ المذكورِ في الحديثِ.

فتح اليمن

       فأخبَر - صلى الله عليه وسلم - أولاً: أنَّه ستُفتَحُ اليمنُ، وسُمّيت يَمناً؛ لأنّها يمين الكعبة، أو الشّمس، أو باسم: يمن بن قحطان. قال: فيُعجِبُ قَوماً مِن الصحابة وغيرهم بِلادُها، وطيب عَيشُ أهْلِها، فيَحمِلُهم ذلك على المُهاجَرةِ إليها بأنفُسِهم وأهْلِيهم، حتَّى يَخرُجوا مِن المدينةِ؛ والحقيقة أنَّ الإقامةَ في المدينةِ خَيرٌ لهم؛ لأنَّها حرَمُ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم -، وجِوارُه، ومَهبِطُ الوحْيِ، ومَنزِلُ البَرَكاتِ، لو كانوا يَعلَمون ما في الإقامةِ بها؛ مِنَ الفَوائدِ والعوائدِ في الدِّينِ والدُّنيا، والتي يُحتقرُ دُونَها، كلّ ما يَجِدونه مِن الحُظوظِ الدُّنيويَّةِ الفانيةِ العاجلةِ، في الإقامةِ في غَيرِها منَ البُلدان. قال المناوي: وجواب «لو» محذوف، أي: لو كانُوا مِنَ العُلماء؛ لعلموا أنّ إقامتهم بالمدينة أولى، وقد تجعل للتمني فلا جواب لها، وكيفما كان؛ ففيه تجهيلٌ لمَن فارقها، لتَفْويته على نفسِه خيراً جَسيماً. انتهى. أو يكون معْنى: «لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» أي: لَيتَهم كانوا مِنْ أهلِ العِلمِ؛ تَغليظاً وتَشديداً عليهم، وذمّاً لهم, وقوله: «يُبِسُّونَ» أي: يسُوقُون دَوابَّهُم، والبَسُّ: هو سَوق بلين، تقولُ: بِسْ بِسْ، عند السَّوقِ وإرادةِ السُّرعةِ. قال الشّرّاح: والوصْفُ بـ«يُبِسُّون» وهو سَوقُ الدَّوابِّ، يُشعِرُ برَكاكةِ عُقولِهم، وأنَّهم ممَّن رَكَنَ إلى الحُظوظِ البَهيميَّةِ، وحُطامِ الدُّنيا الفانيةِ العاجِلةِ، وأعْرَضوا عن الإقامةِ في جِوارِ الرَّسولِ -[-، ولذلك كُرِّرَ «قَوماً»، ووُصِفَ في كلِّ قَرينةٍ بـ«يُبِسُّون»، استِحقاراً لتلك الهَيئةِ القَبيحةِ. - ثمَّ أخبَر - صلى الله عليه وسلم - عن فتْحِ الشَّامِ، وتَضُمُّ حاليًّا الأُردنَّ، وفِلسطينَ، وسُوريَّةَ، ولُبْنانَ، فذكر فيهم مثلَ ما سبق في اليمن. - ثمّ أخبر عن فتْحِ العِراقِ أيضًا، وأنَّ النَّاسَ يَزحَفون إليهما طَلَباً للرَّخاءِ، على نحْوِ ما ذَكَرَ في اليمَنِ، لكنَّ المدينةَ خَيرٌ لهم، لو كانوا يعلمون. وهذا كلّه: هو فيمَن خَرَجَ راغباً عن سُكنى المَدينةِ، وتحوّل لغيرها منَ البلاد لأجل طلب الدّنيا ومتاعها، أمَّا مَن خَرَجَ من المدينة لحاجةٍ؛ كجِهادٍ أو تِجارةٍ أو زيارة أو دعوة إلى الله، وتعليم العِلم للناس، فليس داخلًا في معْنى الحديثِ.  

فوائد الحديث

  • فضْلُ المَدينةِ النَّبويةِ، والسُّكنى فيها، على البلاد المذكورة، وهو إجماع العلماء.
  • وفيه: دَليلٌ على أنَّ بَعضَ البِقاعِ في الأرْض أفضَلُ مِن بَعضٍ.
  • وفيه معجزةٌ ظَاهرةٌ للمصطفى - صلى الله عليه وسلم -، لإخْباره بفتح هذه الأقاليم، وأنّ الناس سيتحولون إليها بأهليهم وما يَمْلكون، ويُفارقون المدينة النبوية، ولو لازموها وبقُوا فيها، لكانَ خيراً، وقد كان ذلك كلّه على التّرتيب المذكور.
  • وأمّا رواية: تقديم فتح الشّام على اليمن، فمعناها: أنّ اسْتيفاء فتح اليمن، إنّما كان بعد الشام.
  • النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَعلَمُ الغيبَ، ولكن قد يُطلِعُه اللهُ على بَعضِ الغَيبِ، ومنها التي أخبَرَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بها هاهنا، ووَقَعَت كما أخبَرَ - صلى الله عليه وسلم -، فكانت دَليلًا وعَلَماً مِنْ أعلام نُبوَّتِه - صلى الله عليه وسلم -.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك