شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: فَضْلُ الصّلاةِ بمَسْجِدي الحَرَمَين الشّريفين
- حمل بعض المتأخرين القول بمضاعفة السيئات على الكيفية لا الكمية إذْ ليس مَنْ عَصَى الملك على بساط ملكه كمَنْ عَصاه في طرف من أطراف بلده
- روى البزار أن رمضان بمكة أفضل من ألف رمضان بغير مكة وذهب جماعة من العلماء إلى أن السيئات تضاعف بمكة كالحسنات
- مضاعفة الحسنات لا تختص بالصلاة بل تعمّ سائر الطاعات وبه صرّح الحسن البصري فقال: صوم يوم بمكة بمائة ألف وصدقة درهم بمائة ألف وكل حسنة بمائة ألف
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا؛ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ مِنْ المَسَاجِدِ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/1012) باب: فضلُ الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، وأخْرجه البخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (1190). في هذا الحديث ذَكَر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَضْلَ الصَّلاةِ في مَسجدِه الشريف، وأنَّها أفضلُ مِنْ ألفِ صلاةٍ فيما سِواه مِن المساجدِ إلَّا المسجِدَ الحرامَ، والمعنى: أنَّ صلاةً في مسجدِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أفضلُ ثواباً مِنْ ثوابِ ألفِ صَلاةٍ فيما سِواه مِن المساجدِ، إلَّا المسجِدَ الحرامَ؛ فإنَّ الصَّلاةَ في المسجدِ الحرامِ أفضَلُ مِن الصَّلاةِ في مسجدِه - صلى الله عليه وسلم -.
سبب تفضيل الصلاة في المسجدين
وقد علَّل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذا التَّفضيلَ، كما في حديث عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنا خاتمُ الأنبياءِ، ومسجدي خاتمُ مساجدِ الأنبياءِ، أحقُّ المساجدِ أن يُزارَ وتُشدَّ إليه الرَّواحِلُ: المسجدُ الحرامُ، ومسجدي، وصلاةٌ في مسجدي؛ أفضلُ من ألفِ صلاةٍ فيما سواه من المساجدِ إلَّا المسجدَ الحرامَ». أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (1193) وقال الألباني في «الترغيب والترهيب» (2/204): إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما.فإنِّي آخِرُ الأنبياءِ
- فقولِه: «فإنِّي آخِرُ الأنبياءِ»، كما قال اللهُ -تعالى-: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} (الأحزاب: 40)، وقوله: «ومَسْجدي آخِرُ المساجِدِ» أي: آخِرُ المساجدِ للأنبياءِ، لا أنَّ مَسجِدَ المدينةِ آخِرُ مسجدٍ بُني في هذه الدُّنيا، وقيل: أيْ: آخِرُ المساجدِ الثَّلاثةِ المشهودِ لها بالفَضلِ، أو أنَّه يَبقى آخِرَ المساجدِ، ويتَأخَّرُ عن المساجدِ الأُخَرِ في الفَناءِ، والمعنى: أنَّه -تعالى- كما شرَّف آخِرَ الأنبياءِ، شرَّف كذلك مَسجِدَه الَّذي هو آخِرُ المساجدِ، بأنْ جعَل الصَّلاةَ فيه كألْفِ صلاةٍ فيما سِواه، إلَّا المسجِدَ الحرامَ.
خلاصة ما ذكره ابن حجر
قال القاري في «المرقاة»: قد وافق النووي السُّبكي وغيره، واعترضه ابن تيمية وأطالَ فيه، والمُحبّ الطبري وأورداً آثاراً استدلا بها وبأنّه سَلّم في مَسجد مكة، أنّ المُضَاعفة لا تختصّ بما كانَ مَوجُوداً في زمنه - صلى الله عليه وسلم -، وبأنّ الإشارة في الحديث إنّما هي لإخْراج غيره مِنَ المَسَاجد المنسوبة إليه صلى الله عليه وسلم ، وبأنّ الإمام مالكاً سُئل عن ذلك؟ فأجابَ بعدَم الخُصُوصية، وقال: لأنّه عليه السّلام أخبر بما يكونُ بعده، وزُويت له الأرْض، فعَلمَ بما يَحدثُ بعده، ولولا هذا ما استجاز الخُلفاء الراشدون أنْ يَستزيدوا فيه بحَضْرة الصّحابة، ولمْ ينكر ذلك عليهم، وبما في تاريخ المدينة: عن عُمر - رضي الله عنه -: أنّه لمّا فَرَغَ من الزيادة قال: لو انتهى إلى الجبانة- وفي رواية: إلى ذي الحليفة- لكانَ الكلُّ مَسجدَ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، هذا خلاصة ما ذكره ابن حجر في (الجَوهر المنظم) في زيارة القبر المكرم. انتهى ما في المرقاة.خيرٌ مِنْ ألْفِ صَلاةٍ فيما سِوَاه
- قوله: «خيرٌ مِنْ ألْفِ صَلاةٍ فيما سِوَاه» أي: مِنَ المساجد، «إلا المَسْجد الحرام» قيل: الاستثناء يحتمل أنّ الصلاة في مسجده؛ لا تفضلُ الصّلاة في المسجد الحرام بألفِ، بل بدونها، ويحتمل أنّ الصلاة في المسجد الحرام أفضل، قيل: ويحتمل المساواة أيضا.

أفضل من ألف صلاة
ومنها: حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «صَلاةٌ في مَسْجدي هذا؛ أفْضلُ مِنْ ألفِ صَلاة فيما سِواه؛ إلا المَسْجدَ الحَرَام». أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة، ومنها: حديث أبي ذر - رضي الله عنه -: أنّه سأل رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في بيتِ المَقْدس أفضل؛ أو في مَسْجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «صَلاةٌ في مَسْجدي هذا؛ أفْضلُ مِنْ أرْبعِ صَلَواتٍ فيه، ولَنِعْمَ المُصَلّى هو، أرْض المَحْشر والمَنْشر، وليَأتينّ على الناسِ زَمانٌ ولَقيدُ سَوطٍ- أو قال: قوس الرجل-؛ حيثُ يرى منه بيتَ المقدس؛ خَيرٌ له، أو أحَبُّ إليه مِنَ الدُّنيا جَميعاً». قال المنذري: رواه البيهقي بإسناد لا بأس به. وقال ابن عبد البر وابن حزم: «فهذان صحابيان جليلان يقولان بفضل المسجد الحرام على مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم -، ولا مُخالفَ لهما من الصّحابة، فصار كالإجماع منهم في ذلك». اهـ. فتبلغ صلاةٌ واحدة في المسجد الحرام؛ عُمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، وصلاة خمس صلوات فيه تبلغ مائتي سنة، وسبعاً وسبعين سنة، وسبعة أشهر، وعشر ليال. وتلخّص مِنْ هذا: أنّ صلاةً واحدة في المسجد الحرام جماعة، يفضل ثوابها على ثواب مَنْ صلى في بلده فرادى، حتى بلغ عُمر نوح بنحو الضعف.مَحلّ هذه المضاعفة
قال في المرقاة: واختلفوا في مَحلّ هذه المضاعفة على أربعة أقوال:- الأول: أنّه الحَرَم
- والثاني: أنّه مسجد الجماعة وهو ظاهر من كلام أصحابنا، واختاره بعض الشافعية؛ لأنّ أصحابنا قالوا: التفضيل مختص بالفرائض دون النوافل فإنها في البيوت أفضل، فجعلوا حُكم البيت غير حكم المسجد. قال العسقلاني: ويمكن إبقاء حديث: «أفضل صلاة المرء»، على عُمُومه، فتكون النافلة في بيت مكة أو المدينة، تضاعف على الصلاة في البيت بغيرهما، وإن كانت في البيوت أفضل مطلقاً.
- والثالث: أنّه مكة؛ واختاره بعضهم لخبر ابن ماجة: «صلاة بمكة بمائة ألف». والرابع: أنه الكعبة، وهو أبعدها.
المضاعفة لا تختص بالفرض فقط
قال ابن حجر: ثمّ المضاعفة لا تختص بالفرض، بل تعمّ النّفلَ، أي: تعم النفل أيضاً، خلافاً لبعض الحنفية والمالكية وغيرهم، وإنْ كان دُون الفرض لزيادته عليه بسبعين درجة، ولا يُنافي عُموم التضعيف للنفل كونه في البيت أفضل حتى في الكعبة للخبر الصحيح: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»؛ وذلك لأنّ في فضيلة الاتباع ما يربو على المضاعفة، ومِنْ ثم قال السبكي: صلاة الظهر بمنى يوم النّحر؛ أفضل منها بمكة بالمسجد الحرام، وإنْ جعلنا المضاعفة مختصةً به، لمَا تقرّر أنّ في فضيلة الاتباع؛ ما يربو على فضيلة العمل. والمضاعفة غير مختصة بزمنه - صلى الله عليه وسلم - على المختار، ثم المراد بالتضعيف السابق إنما هو في الأجر دون الإجزاء باتفاق العلماء؛ فالصلاة في أحد المساجد الثلاثة لا تجزئ عن أكثر من واحدة إجماعاً، وما اشتهر على ألسنة العوام أنّ مَنْ صلّى داخل الكعبة أربع ركعات تكون قضاء الدهر باطل لا أصل له.المُضاعفة لا تختص بالصلاة فقط
وقيل: إنّ المُضاعفة لا تختص بالصلاة؛ بل تعمّ سائر الطاعات، وبه صرّح الحسن البصري فقال: صوم يوم بمكة بمائة ألف، وصدقة درهم بمائة ألف، وكل حسنة بمائة ألف، وورد فيه حديث بسند حسن خلافا لمن ضعف: إن حسنات الحرم كل حسنة بمائة ألف حسنة. وروى ابن ماجه خبر: من أدرك شهر رمضان بمكة فصامه وقام فيه ما تيسر كتب له مائة ألف شهر رمضان فيما سواه، وكتب له بكل يوم وليلة عتق رقبة، وفي كل يوم حمل فرسين في سبيل الله. وروى البزار خبر: رمضان بمكة أفضل من ألف رمضان بغير مكة، وذهب جماعة من العلماء إلى أن السيئات تضاعف بمكة كالحسنات منهم: ابن عباس، وابن مسعود، ومجاهد، وأحمد بن حنبل وغيرهم لتعظيم البلد، ثم قيل: تضعيفها كمضاعفة الحسنات بالحرم، وقيل: بل كخارجه، وأخذ الجمهور بالعُمُومات، كقوله -تعالى-: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}.مضاعفة الكيفية لا الكمية
وحمل بعض المتأخرين القول بالمضاعفة: على أن المراد بها مضاعفة الكيفية، لا الكمية؛ فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن السيئات متفاوتة؛ إذْ ليس مَنْ عَصَى الملك على بساط ملكه، كمَنْ عَصاه في طرف من أطراف بلده، قيل: يرجع النزاع في ذلك الحمل أيضا؛ إذ أي فرق بين سيئة معظمة تقدر بمائة ألف سيئة وهي واحدة، وبين سيئة بمائة ألف سيئة عددا، وأجيب بأنه ورد: من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أهل الأعراف.تعظيم الحرم
وممّا يدل على تعظيم الحرم: المقتضي لتعظيم السيئة: قوله -تعالى-: {وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} الحج. فقد أخذ منه جماعة كابن مسعود أن من خصوصياته أنه يعاقب على الهم فيه بالسيئة وإنْ لمْ يفعلها، وخبر: «اللهم اجعلْ بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة». يدل على الفضيلة لا الأفضلية، وقد صح في فضيلة مكة أحاديث أيضا منها خبر: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله»، وخبر: «ما أطيبك وأحبك إلي! ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك». ومنها: خبر أنه -عليه السلام- قال لهم في حجة الوداع: «أي بلدٍ تعلمونه أعظم حُرْمة؟» قالوا: لا، إلا بلدنا الحديث، وفي رواية: أن ابن عمر وجابرا يشهدان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل الناس: «أي بلد أعظم حرمة؟» فأجابوا بأنه مكة. وهذا إجماع من الصحابة أنها أفضل البلاد، وأقرهم - صلى الله عليه وسلم -.فوائد الحديث
- فَضَّل اللهُ -سبحانه وتعالى- بَعضَ الأماكِنِ وبَعضَ الأزمِنَةِ في الأجرِ والثَّوابِ، وقد أخبَرَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بهذه الأماكنِ كما في هذا الحديثِ.
- بيانُ فَضلِ المسجدِ النَّبويِّ والصَّلاةِ فيه.
- فضل المسجد الحرام.
لاتوجد تعليقات