رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: forqan 30 مارس، 2026 0 تعليق

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: في قَدْر ما يجوزُ بَيْعه مِنَ العَرَايا

  • حَرِصَ الإسْلامُ على حِفظِ الحقوقِ ورِعايتِها وحذر مِن أخْذِ حُقوقِ النَّاسِ بالباطلِ وتوعد من ينتهك تلك الحُرمةَ أو يَهتِكُها
  • حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على التَّعاون على البِرّ والتقوى ومُواساة المحتاج ومَنْ عليه دَين
 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا بِخَرْصِهَا؛ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ، (يَشُكُّ دَاوُدُ قَالَ: خَمْسَةٌ أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ)، الحديث رواه مسلم في الباب السابق، وأخرجه البخاري في البيوع (2190) باب: بيع الثّمر على رؤوس النخل بالذهب أو الفضة.

       وفي لفظٍ للصَّحيحَينِ: «أنَّ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ في بَيعِ العَرايا»، والعَرايا كما سبق جمْع عَريَّة، وهي النَّخلةُ، ومعناه: أنْ يَبيعَ الرُّطبَ على النَّخلِ بتَمرٍ على الأرْضِ، أو العِنبَ على الشَّجرِ بخَرْصِه- أي: بمِقدارِه- مِن الزَّبيبِ، على أنْ يكونَ ذلك خَمسةَ أَوسقٍ فما دُونَ ذلك.
  • قولُه: «فيما دُون خَمْسة أوْسق، أو في خَمسة» شكٌ من الراوي،
  • قولُه: «أوْسُق» جمع وَسق بفتح الواو وضمها، ويقال بكسرها، والفتح أفصح، ويقال في الجمع أيضاً: أوسَاق ووسوق، والوسق في الأصل: ضَمّ الشيء بعضه إلى بعض، وقدْره سُتّونَ صاعاً، وكان كيلاً معروفاً، ووزنه يختلفُ منْ مَكيلٍ إلى مكيل مِنَ الحُبُوب والثمار، وكان كيل الصّاع نحو أربع حَفنات، بحفنات رجلٍ معتدل؛ وهذا البيعُ مُستثنًى مِن بَيعِ المزابنةِ المَنْهيِّ عنه، رخّصَ به للحاجة، كما سبق.

جواز بَيعِ العَرايا

        في هذا الحَديثِ يُخبِرُ أبو هُرَيرةَ - رضي الله عنه - أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «رخَّصَ» أي: أَجازَ وأباحَ، «في بَيعِ العَرايا» وصُورتُه: أنْ يَشتريَ الرُّطَبُ بعْدَ بُدوِّ صَلاحِهِ على النَّخلِ؛ بتَمْرٍ على الأرضِ، فيُعطِيَ ثَمرةَ النَّخلةِ للمُحتاجِ ليَأكُلَ مِن ثَمَرِها وَقْتَما يَشاءُ، ويُقدِّرَ ما على النَّخْلِ ويَأخُذَ بدَلًا منه تَمْراً. وسُمِّيَ ببَيعِ العَرايا؛ لأنَّ النَّخلةَ يُعطيها مالِكُها لرجلٍ مُحتاجٍ، أي: يَعْرُوها لهُ. ولكنِ اشتَرَط الشَّرعُ أنْ يكونَ ذلك «بخَرْصِها» أي: بِنَفسِ مِقدارِ ثَمرِ النَّخلِ تمْراً؛ وذلك لأنَّ بعضَ النَّاسِ كانوا يُدرِكون مَوْسِمَ الرُّطَبِ، وهمْ لا يَملِكون نَخْلًا أو مالًا، ويُريدون أنْ يُطعِموا عِيالَهم منها، فأراد النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الإرفاقَ بهم، فأباح لهم ذلك، واشتَرَط أنْ يكونَ ذلك في مِكيالٍ أو وزْنٍ أقلَّ مِن «خَمسةِ أوسُقٍ» والوَسْقُ: مِكيالٌ يَسعُ ستِّينَ صاعاً. والمعنى: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رخَّصَ لهم في هذا النَّوعِ مِن البَيعِ؛ بهذا المِقدارِ فقطْ؛ لأنَّه قدْ يُتوهَّمُ فيه أنَّه رِباً؛ حيثُ إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهى عن بَيعِ الثِّمارِ بالثِّمارِ مِنْ نوعٍ واحدٍ، ويُسمَّى هذا البيعُ بَيعَ المُزابَنةِ، فكأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - استَثنى لهم بيعَ العَرايا مِن المُزابَنةِ، وحدَّده بمِقدارِ خَمسةِ أوسُقٍ؛ حتَّى لا يقَعَ في شُبهةِ الرِّبا.
  • قولُه: «أو في خَمسةِ» هذا الشَّكُّ وقَع مِن أحدِ رُواةِ الحديثِ، وهو داودُ بنُ الحُصينِ؛ فهو لا يَذكُرُ هلْ خَمسةُ أوْسقٍ، أو دُونَ خَمسةِ أوسُقٍ.

 فوائد الحديث

1- بَيانُ التَّرخيصِ في نوعٍ مِن أنواعِ البيوعِ تَخفيفاً وتَيسيراً على الأُمَّةِ. 2- وفيه: بيانُ مِقدارِ المُعاملاتِ في بَيعِ العَرَايا تَحديداً بخمسةِ أوسُقٍ.

باب: الجَائِحَة في بَيْع الثَّمَر

عن جَابِر بْن عبداللَّهِ -رضي الله عنهما- قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَراً، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ؛ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟»، الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1190) باب: وضْع الجوائح. قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو بعتَ مِنْ أخيك ثمراً فأصَابته جائحة، فلا يحل لك أنْ تأخذَ منه شيئاً، بم تأخذ مالَ أخيك بغيرِ حقّ؟». وفي رواية عن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بيعِ النَّخْل حتّى تَزْهُو». فقلنا لأنس: ما زَهْوها؟ قال: «تَحْمّر وتَصْفّر، أرأيتك إنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمرة؛ بِمَ تَستحلّ مالَ أخيك؟»، وفي رواية عن أنس: أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنْ لمْ يُثْمِرْها اللهُ، فبمَ يَسْتحلّ أحدُكمْ مالَ أخِيه؟».

       ففي هذه الأحَاديثِ يُبيِّنُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه لوِ اشْتَرى أحدُ النَّاسِ ثَمراً مِن أخيهِ المسلِمِ، بأنْ يَشتريَ الثَّمرَ وهو على الشَّجرِ، أو أنَّه لم يَزَلْ في قَبضةِ البائعِ ولم يَستَلِمْه المُشْتَري، ثمَّ أصابَتِ الثَّمرَ جائحةٌ، وهي مُصيبةٌ، أو آفةٌ تَجتاحُ الثَّمرَ وتُهلِكُه وتُفسِدُه، فلا يَحِلُّ للبائعِ صاحبِ الثَّمرِ أنْ يَأخُذَ شيئاً مِنَ المُشتَري، فبأيِّ حقٍّ يَأخُذُ مالَ أخيهِ، وقدْ فسَدَ الثَّمرُ وأصابَتْه آفةٌ أو جائحةٌ تمنَعُ مِنَ الِانتِفاعِ به؟! وفي هذه الحال لا يَجوز له أنْ يأخُذَ أحدٌ مالَ أخيهِ باطلًا؛ لأنَّه إذا تلِفَتِ الثَّمرةُ؛ لا يَبْقى للمُشتَري في مُقابَلةِ ما دفَعَه شيءٌ، ولهذا نَهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - -كما في الصَّحيحَينِ- عن بَيعِ الثَّمرِ قبلَ أنْ يَبدوَ صَلاحُه ويَنضَجَ، وهذا من إجْراءِ الحُكمِ على الغالِبِ. وفي رِوايةِ الصَّحيحَينِ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئلَ: «ما صَلاحُه؟ قال: «حتَّى تَذهَبَ عاهَتُه». أي: بأنْ يَصيرَ على الصِّفةِ المَطلوبةِ، من ظُهورِ النُّضْجِ فيه؛ فإنَّه حِينَئذٍ يَأمَنَ مِنَ العاهةِ، الَّتي هي الآفةُ. واختلف العلماء: في الثَّمَرة إذا بيعتْ بعد بُدو الصّلاح، وسلمها البائع إلى المشتري بالتخلية بينه وبينها، ثمّ تلفت قبل أوان الجذاذ بآفةٍ سماوية، هل تكون منْ ضمان البائع أو المشتري؟ فقال الشافعي في أصح قوليه، وأبو حنيفة والليث بن سعد وآخرون: هي في ضَمان المشتري، ولا يجبُ وضع الجائحة، لكن يستحب. وقال الشافعي في القديم وطائفة: هي في ضمان البائع، ويجب وضع الجائحة. وقال مالك: إنْ كانت دون الثلث لم يجبْ وضعها، وإنْ كانت الثلث فأكثر؛ وجب وضعها وكانت منْ ضمان البائع، واحتجّ القائلون بوضعها بقوله: «أمرَ بِوضْع الجَوائح». وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئاً». ولأنّها في معنى الباقية في يد البائع من حيثُ إنه يلزمه سقيها، فكأنّها تلفت قبل القبض فكانت من ضمان البائع.

باب: أَخْذُ الغرماء ما بقي

        عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «تَصَدَّقُوا عَلَيْه» فَتَصَدَّقَ النَّاسُ علَيْه، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِغُرَمَائِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، ولَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ»، الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1191) باب: استحباب الوَضْع منَ الدَّين. في هذا الحديثِ يُخبِرُ أبو سَعيدٍ الخُدْريُّ - رضي الله عنه - أنَّ رجلًا في عَهدِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أصابَتْ ثِمارَه آفَةٌ أدَّتْ إلى إتْلافِ ثِمارِه الَّتي اشْتراها ولم يَدفَعْ ثَمنَها، فازدادتْ عليه الدُّيونُ بسَببِ ذلك، فأمَرَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ أنْ يَتصدَّقوا عليه؛ حتَّى يَتمكَّن مِن سَدادِ الدَّينِ الَّذي عليه، فاستجاب الصَّحابةُ -رَضِي اللهُ عنهم- لأمرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وتَصدَّقوا عليه، فلم يَستوْفِ ما جَمَعه مِن النَّاسِ مَجموعَ دَينِه لكثْرتِه، وبَقِي عليه جزءٌ منه، فأمَرَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الغُرَماءَ -وهم أصْحابُ الدَّيْنِ عليه- أنْ يَأخُذوا ما وَجدوا عِندَه ممَّا بَقِيَ ويُنتفَعُ به مِن الثِّمارِ، وما حَصَلَ عليه مِن الصَّدَقةِ.
  • قولُه: «ولَيسَ لَكمْ إلَّا ذلِكَ» أي: ليسَ لَكمْ طلَبُ ما بَقِيَ لكُم مِن دَيْنٍ ممّا عجَزَ عن وَفائهِ. وقيلَ: ليسَ لَكمْ إلَّا ذلكَ لإفلاسِهِ الآنَ، وأنَّهُ يُنظَرُ إلى مَيْسرةٍ؛ لقولِ اللهِ -تعالى-: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (البقرة:280). والأول أقوى.

فوائد الحديث

  • أنَّ المفْلِسَ يُؤخَذُ ما بَقِي عندَه منْ مالٍ بقِيمتِه، ولا يترك للمفلس سوى حاجاته الضرورية، ولا يُحبَسُ ولا يُزجَرُ، ولكنَّه يُنظَرُ إلى مَيسرةٍ، ثمَّ يَرُدُّ دُيونَه لأهلِها.
  • وفيه: التَّعاون على البِرّ والتقوى، ومُواساة المحتاج ومَنْ عليه دَين، والحثّ على الصّدقة عليه، وفضْلُ مُواساةِ المُحتاجِ ومَنْ عليه دَينٌ.
  • وفيه: أنّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُقيمُ دَعائمَ المجتمعِ على التَّراحمِ والتَّكافلِ، وكان دائِماً ما يُحرِّضُ أصحابَ الدَّيون على الوَضْعِ مِن دَيونهم في حقِّ المَدينِين إذا أصابتْهم نَوائبُ الدَّهرِ واجتاحَتْهم أموالَهم؛ مِن ثمَرٍ أو نقْدٍ أو أصولٍ أو غيرِ ذلك، حتَّى أصبَحَ مِن شَأنِ المُسلِمِ أنْ يَسعى دائِماً في حاجةِ أخيهِ المسلِمِ، وخاصَّةً في المصائِبِ والنَّوازِلِ.
  • وفيه: حرَصَ الإسْلامُ على حِفظِ الحقوقِ ورِعايتِها، ويتَجلَّى هذا الحرصُ هنا: في تَحذيرِ الإسْلامِ مِن أخْذِ حُقوقِ النَّاسِ بالباطلِ، والوعيدِ الشَّديدِ لِمَن يَتَخطَّى تلك الحُرمةَ أو يَهتِكُها.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك