رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: forqan 17 مارس، 2026 0 تعليق

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بيع الْمُزَابَنَةِ

  • نهى الإسلام عن البُيوعِ الَّتي فيها جَهالةٌ وغَررٌ كالمزابنةِ وما شابَهها لِمَا يُورِثُ ذلِك من التخاصم والخلاف والشَّحناءِ والبَغضاءِ
  • نظَّمَ الإسلامُ المُعاملاتِ بين النَّاسِ ولا سيما في الأموالِ فنَهى عن الغَررِ والجَهالةِ في البُيوعِ كلّها
 

عن بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ: أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ حَدَّثَاهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ المُزَابَنَةِ؛ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، إِلَّا أَصْحَابَ العَرَايَا؛ فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ»، الحديث رواه مسلم في البيوع (2/1170-1171) باب: تحريم بيع الرُّطب بالتّمر إلا في العَرايا، ورواه البخاري بنحوه عن ابن عمر -رضي الله عنهما- في البيوع (2185) باب: بيع المزابنة.

        بُشَيْرِ بن يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ، الأنْصاري مولاهم المَدني، وكنيته يسار أبو كيسان، تابعيٌ ثقة. قال محمد بن سعد: كان شيخاً كبيراً فقيهاً، وكان قد أدْرك عامّة أصحاب رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان قليل الحديث، ورَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ هو الحارثي الأنْصاري، صحابي جليل. وسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ، هو الأنصاري الخَزْرجي، صحابيٌ صغير.

النهي عَنْ المُزَابَنَةِ

        قولهما: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ المُزَابَنَةِ، الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ» أي: نَهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن أنْ يَبيعَ الرجل ثمَرَ حائطِه، أي: ثَمَرَ بُستانِه أو مَزرعتِه، بتمرٍ كيلاً. وفي حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «نهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُزابَنَةِ، والمُزابَنَةُ بيعُ ثمرَ النّخل بالتمرٍ كيلاً، وبيعُ الزّبيبِ بالعِنَب كيلاً، وعن كلّ ثَمَرٍ بخَرْصِه». متفق عليه. أي: إنْ كان نخْلاً؛ أنْ يبيع ثمرةَ النخْلٍ، وهو الرُّطبُ على رُؤوسِ النَّخلِ، أنْ يَبِيعُه بتمْرٍ يابسٍ كَيلاً، أي: بكذا وسْقٍ من تمْرٍ، وإنْ كان عِنباً، أنْ يَبيعَه بزَبيبٍ كَيلًا، أي: يأخُذَ زَبيباً بكيلٍ مُحدَّدٍ مُقابلَ العنبِ غيرِ النَّاضجِ وغيرِ المعروفِ مِقدارُه، والزَّبيبُ: هو العِنبُ المُجفَّفُ، وفي لفظٍ: «وإنْ كان زرعاً؛ أنْ يَبيعَه بكَيلِ طعامٍ»، أي: وكذلك لا يَبيعُ الزَّرعِ في سُنبلِه، بحِنْطةٍ صافيةٍ كَيلاً؛ قال: «نَهى عن ذلك كلِّه».

النهى عن بَيعِ الثَّمرِ في رُؤوسِ النَّخلِ والشَّجرِ

       والمَقصودُ: أنَّه نهى عن بَيعِ الثَّمرِ أيّاً كان في رُؤوسِ النَّخلِ والشَّجرِ، وعن بَيعِ الزُّروعِ جُزافاً قبْلَ أنْ تنضُجَ دونَ كَيلٍ، وأنْ يأخُذَ مُقابلَ ثمَرِه غيرِ النَّاضجِ قدْرًا معلوماً مِنَ الثِّمارِ القديمةِ المَخزُونةِ، ولكنْ عليه أنْ ينتظِرَ حتَّى ينضُجَ الثَّمرُ، ويجمَعَه ويَكيلَه، ويعرِفَ مِقدارَه، ثمَّ يَبيعَه كيف شاء، بما أحَلَّ اللهُ من البُيوعِ؛ حتَّى لا يقَعَ في الغَررِ والجَهالةِ، فربَّما فسَدَ أو تلِفَ، وربَّما زاد قدْرُه أو نقَصَ عمَّا تَمَّ الاتِّفاقُ عليه. قال ابنُ عبدالبر: «ولا خلافَ في أنّ بيعَ الرُّطَب على النّخلِ بالتَّمْر كيلاً، وبيع العِنَب على الكرم بالزبيب كيلاً مُزابنة، والخلاف بين العلماء في إلحاق غيرهما مِنَ الثمار بهما، فقيل: تختصُّ المزابنة بهما، والجُمهور على الإلْحاق، أمّا الشافعي فيلحق بذلك كلّ بيع مجهولٍ بمَجهول، وكل بيع مجهولٍ بمَعْلوم؛ مِنْ جِنسٍ يجري الرّبا في نقده.

سبب النهي

قال: وسببُ النّهْي عنده ما يدخله مِنَ القمار والغَرَر، فنظر مالك إلى معنى المُزابنة لغة، وهي المُدافعة، ويدخل فيها القِمَار والمُخَاطرة، وكلّ ما يُباع مثلاً بمثل؛ لا يجوز فيه كيلٌ بجُزَاف، ولا جُزَاف بجُزَاف.

مسائل متفرعة

       وتفرع عن هذه المسألة مسائل: منْها بيعُ الرُّطب على رُؤوس النّخل؛ برطبٍ على الأرض، أو على رُؤوس نخلٍ أخرى، فأجازه ابن خيران من الشافعية، ومنعه الاصْطرخي، وصحّحه جماعة، وقيل: إن كانا نوعاً واحداً لمْ يجز، إذْ لا حاجة إليه، وإن كانا نوعين جاز، وهو رأي أبي إسحاق. ومنها: بيع العِنب على الكرم خرصاً، بالتّمر على الأرض كيلاً، وهو جائز. وبيع الرطب والعنب على أصولهما خرصاً؛ بالدَّرهم والدينار، وهو جائز أيضاً. انتهى.

فوائد الحديث

  • النَّهيُ عن البُيوعِ الَّتي فيها جَهالةٌ وغَررٌ، كالمزابنةِ وما شابَهها مِن البُيوعِ؛ لِمَا يُورِثُ ذلِك من التخاصم والخلاف، والشَّحناءِ والبَغضاءِ، والحِقدِ والحسدِ.
  • جاء الإسلامُ فنظَّمَ المُعاملاتِ بين النَّاسِ، ولا سيما في الأموالِ؛ حتَّى يَنزِعَ أسبابَ الشِّقاقِ والاختلافِ، فنَهى عن الغَررِ والجَهالةِ في البُيوعِ كلّها.

باب: بَيْع العَرَايَا بِخَرْصِهَا

عن زَيْد بْن ثَابِتٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ، يَأْخُذُهَا أَهْلُ البَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْراً، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا، الحديث رواه مسلم في الباب السابق. وكذا البخاري. سبق في الحَديثِ الماضي أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بَيعِ الثَّمرِ في رُؤوسِ النَّخلِ قبْلَ جَنْيِه؛ تَقديراً بالتَّمْرِ على الأرْضِ، وهو المَعروفُ: ببَيعِ المُزابَنةِ، لكن قد اسَتْثنى - صلى الله عليه وسلم - مِن ذلك العَرِيَّةَ، وهي: أنْ يُشتَرى الرُّطَبُ بعْدَ بُدوِّ صَلاحِهِ على النَّخلِ؛ بتمرٍ على الأرْض، فيُعطِي ثَمرةَ النَّخلةِ للمُحتاجِ ليَأكُلَ مِن ثَمَرِها وَقْتَما يَشاءُ، ويُقدِّرَ ما على النَّخْلِ، ويَأخُذَ بدَلاً منه تَمْرًا؛ وذلك لأنَّ بعضَ النَّاسِ كانوا يُدرِكون مَوْسِمَ الرُّطَبِ، وهم لا يَملِكون نَخْلاً أو مالاً، ويُريدون أنْ يُطعِموا عِيالَهم من الرُّطب، فأراد النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الإرفاقَ بهم، فرخَّص في هذا النَّوعِ مِن البَيْعِ، إذا كان دُونَ خَمْسةِ أوْسُقٍ، كما سيأتي مِن حَديثِ أبي هُريرةَ - رضي الله عنه -، والوَسْقُ: وِعاءٌ يَسَعُ سِتِّينَ صاعًا.
  • فالعرايا: جمع عَريّة، بفتح العين وكسر الراء وتشديد الياء المفتوحة، كمطايا جمع مطيّة، وضحايا جمع ضَحيّة، مُشتقةٌ منَ التّعرّي، وهو التّجرّد، لأنّها عَرِيتْ عنْ حُكم باقي البُسْتان.
  • فالعرية: اسمٌ للنّخْلة المُعْطى ثمرها، فهي اسمٌ لعطيةٍ خاصّة.
  • وقوله: «ورخّصَ في العَريّة، بخَرْصِها تمراً يأكلها أهلُ البيت رُطَبا» الخَرص بكسر الخاء، هو: اسمٌ للمَخْرُوص، وبفتح الخاء هو: المَصْدر.
  • وأهل البيت: هم المُشْترون الذين يَشترُون الرُّطب بالتّمر، ليأكلوا الرُّطب.
فالعَريّة إنّما رُخّص فيها، لأنّها مِنْ باب المعروف والرِّفق، والتسهيل في فعل الخير، والمعونة عليه. فالمراد منَ العَريّة هنا: النَّخلة أو النَّخلات عليها رُطَب، يحتاج صاحبُها تمراً، أو يحتاج صاحب تمر رطبها، فيخرص ما عليها منْ رطب - أي يُخمّن ويُقدّر، فيقال: فيها الآن منَ الأوسق كذا، فإذا يبسَ كان مِنَ الأوْسق كذا وكذا، فيدفع صاحبُ التّمر تمره على الأرْض، ويُخلّي صاحبُ النّخلة بينه وبينها.

باب: في قَدْر ما يجوزُ بَيْعه مِنَ العَرَايا

        عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا بِخَرْصِهَا؛ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ، يَشُكُّ دَاوُدُ قَالَ: خَمْسَةٌ أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ، الحديث رواه مسلم في الباب السابق، وفي لفظٍ للصَّحيحَينِ: «أنَّ رسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ في بَيعِ العَرايا»، والعَرايا كما سبق جمْع عَريَّة، وهي النَّخلةُ، ومعناه: أنْ يَبيعَ الرُّطبَ على النَّخلِ بتَمرٍ على الأرْضِ، أو العِنبَ على الشَّجرِ بخَرْصِه- أي: بمِقدارِه - مِن الزَّبيبِ، على أنْ يكونَ ذلك خَمسةَ أَوسقٍ فما دُونَ ذلك.

قوله: «فيما دُون خَمْسة أوْسق، أو في خَمسة» شكٌ من الراوي. قوله: «أوْسُق» جمع وَسق بفتح الواو وضمها، ويقال بكسرها، والفتح أفصح، ويقال في الجمع أيضاً: أوسَاق ووسوق، والوسق في الأصل: ضَمّ الشيء بعضه إلى بعض، وقدْره سُتّونَ صاعاً، وكان كيلاً معروفاً، ووزنه يختلفُ منْ مَكيلٍ إلى مكيل مِنَ الحُبُوب والثمار، وكان كيل الصاع نحو أربع حَفنات، بحفنات رجلٍ معتدل. وهذا البيعُ مُستثنًى مِن بَيعِ المزابنةِ المنهيِّ عنه، رخّص به للحاجة، كما سبق.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك