شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: النَهي عَنْ بَيْعِ الثَّمَر حتّى يَبدُو صَلاحُه
- نَهَى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَعضِ البُيُوعِ التي تُؤدِّي إلى وُقوعِ الغِشِّ والخِدَاعِ ويَترتَّبُ عليها الخُصومةُ بيْن البائعِ والمُشتَرِي
- من حرص الإسلام على حفظ أموال الناس وصيانتها وعدم أكلها بالباطل نهى عن بيع الثمرة قبل بُدُو صلاحها
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-: «نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ، وَعَنْ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ، وَيَأْمَنَ العَاهَةَ، نَهَى البَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ»، الحديث رواه مسلم في البيوع (2/1165) باب: النَهي عَنْ بَيْعِ الثَّمَار قبل بدُو صَلاحُها بغير شَرط القَطع.
قوله: «نهى عنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ» يَزهو: أي يَظهر فيه الزَهو، وهو الاحْمِرار أو الاصْفرار الذي يدُلُّ على بداية نضج الثمرة، وفي لفظ للبخاري ومسلم: من حديث أنس - رضي الله عنه -: أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن بيع ثَمَر التَّمْر حتّى تَزْهُو، فقلنا لأنس: ما زَهْوها؟ قال: تَحْمَرَ وتَصْفرّ، أرأيتَ إنْ مَنَعَ الله الثَّمَرةَ؛ بِمَ تسْتحل مَالَ أخيك؟». قوله: «وَعَنْ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ» والسُّنبل: هو ما عليه الحبّ مِنَ الزّرع، كالقمح والشعير، ويبيض: أي يُصبح لُونه أبيض، وهو علامةُ نضجه، قوله: «ويأمنَ العَاهة» أي: يخلو مِنَ الآفات والأمْراض التي قد تُفسده، وفي لفظ للبخاري ومسلم: عن جابر - رضي الله عنه - قال: نَهى رسُول الله - صلى الله عليه وسلم- عن بَيع الثّمرِ حتّى يطيب، وفي لفظ: عن أنس - رضي الله عنه -: أنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أنْ تُباعَ ثَمرةَ النّخل حتّى تَزْهو. قال أبو عبدالله: يعني حتّى تَحْمرّ، وفي لفظ: عن أنس - رضي الله عنه -: عن النّبي - صلى الله عليه وسلم- أنّه نَهى عن بيع الثَّمرة حتّى يَبْدُو صَلاحها، وعن النَّخْل حتّى يَزْهُو. قيل: وما يزْهُو؟ قال: «يحْمارّ أو يصفار».نَهَى النبي - صلى الله عليه وسلم- عن بيع الثمار حتّى تَزهى
وفي لفظ: عن أنس - رضي الله عنه -: أنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن بيع الثمار حتّى تَزهى، فقيل له: وما تزهى؟ قال: حتى تحْمّر، فقال: أريتَ إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدُكم مال أخيه؟ وفي لفظ للبخاري ومسلم: من حديث جابر - رضي الله عنه - قال: نهى النّبيّ - صلى الله عليه وسلم- أنْ تُباع الثّمرة حتّى تَشْقح، فقيل: ما تَشْقح؟ قال: «تحمارّ وتصفارّ، ويُؤكل منْها». وقد أخرج مسلم: عن ابن عمر - رضي الله عنه -: أن رسُول الله - صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن بيع النَّخْل حتّى يَزْهُو، وعن السُّنْبل حتّى يَبْيض، ويَأمن العاهة، نهى البائع والمُشْترى، وفي لفظ عنه - رضي الله عنه -: لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة، قال: يبدو صلاحه حمرته وصفرته.النهي عن بَيْعِ الثِّمارِ الَّتي على الشَّجرِ
ففي هذه الأحاديثِ: نَهَى - صلى الله عليه وسلم - عن بَيْعِ الثِّمارِ الَّتي على الشَّجرِ، أو على رُؤوسِ النَّخلِ مُنفرِدةً وحْدَها، حتَّى تَنضَجَ، ويَظهَرَ صَلاحُها، بظُهورِ مَبادئِ الحَلاوةِ؛ بأنْ يَتلوَّنَ ويَلِينَ أو نحْوِ ذلك؛ لأنَّه إذا احمَرَّتْ أو اصفَرَّتْ كان ذلك عَلامةً على تَمامِ نُضوجِها؛ فإنَّه حينئذٍ يَأمَنُ مِن العاهةِ، التي هي الآفةُ التي قدْ تُذهِبُ بالثَّمَرِ أو تُقلِّلُه. قوله: «نَهَى البَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ» أي: البائع والمُشْتري، كلاهما منْهيٌّ عن ذلك.الفائدةُ مِنَ النَّهْيِ عن هذا البَيْعِ
فالفائدةُ مِنَ النَّهْيِ عن هذا البَيْعِ، تَعُودُ على البائعِ والمُشترِي معًا؛ فأمَّا البائعُ فلِأَنَّ ثَمَنَ الثَّمَرةِ قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ قَلِيلٌ، فإذا تَرَكَها حتى يَظْهَرَ صَلاحُها زاد ثَمنُها، وفي تَعجُّلِه القليلَ نَوْعُ تَضيِيعٍ للمالِ، وكذا قدْ يَتلَفُ الثَّمَرُ قبْلَ أنْ يَنضَجَ، فيكونُ قد أكَلَ مالَ أخيه المسلمِ بغيرِ حقٍّ، وأمَّا المُشترِي فإنَّه إذا اشترَى الثَّمَرَ قبْلَ نُضْجِه؛ فإنَّه قد يَفقِدُ مالَه إذا لم يَخرُجِ الثَّمَرَ على النَّحْوِ المَطلوبِ، فيكونُ قد خاطَرَ بمالِه، بالإضافةِ إلى فائدةٍ أُخرى تَعودُ على الطَّرَفينِ، وهي: إنَّ النَّهيَ عن هذا البَيْعِ؛ يَقْطَعُ التَّشاحُنَ والتّخاصم، والإثمَ الَّذي قد يَقَعُ بيْنهما عندَ فَسادِ الثَّمَرةِ.فوائد الحديث
- النّهي عن بيع الثمار قبل بُدوِّ صلاحها.
- أنّ هذا النّهي يشمل البائع والمشترى.
- أنّ بُدو صلاح ثمرة النخيل باحْمرارها أو باصْفرارها.
- وبدو صلاح العِنب بأنْ يبيض أو يسود ويطيب.
- وأن بدو صلاح الحب بأنْ يشتدّ ويطعم.
- حرص الشريعة على صيانة أموال الناس وعدم أكلها بالباطل.
- لا يحل لمسلم أنْ يمكِّن أحداً من أكل ماله بالباطل.
- حرص الشريعة على القضاء على أسْباب المخاصمات والمنازعات فمَنعت الغِشِّ في البُيوعِ، ونَهَى النَّبيُّ -[- عن بَعضِ البُيُوعِ التي تُؤدِّي إلى وُقوعِ الغِشِّ والخِدَاعِ، ويَترتَّبُ عليها الخُصومةُ بيْن البائعِ والمُشتَرِي.
- ومن حرص الإسلام على حفظ أموال الناس وصيانتها وعدم أكلها بالباطل، نهى عن بيع الثمرة قبل بُدُو صلاحها، فإنّه يحفظ البائع مِنْ أكلِ مال أخيه بالباطل، ويحفظ المشتري فلا يضيع ماله.
العقل نعمة الفِكر والتدَّبُر
جعل الله تعالى العقل مناط التكليف، وبه يميز الإنسان الصحيح من الخطأ والنافع من الضار، فمن استخدم عقله لنيل رضى الله نال مبتغاه وسلم من مهاوي الردى، ومن استخدمه لغير ذلك ندم حيث لا ينفع الندم، فمن المعلوم أنّ العقل هو آلة الإدراك والتمييز عند بني البشر، وبهذه الآلة فضّله الله تعالى على كثير ممّن خلق، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) الإسراء / 70. ولقد وجّهنا الله تعالى إلى توظيف نعمة العقل في التأمّل والتفكّر والتدبّر والنظر في السماوات والأرض وما فيهما، قال تعالى: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) يونس / 101. وقال:(أفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج / 46. وقد ذمّ الله تعالى الّذين عطلوا عقولهم عن التفكّر والتدبّر، فلم يعتبروا بمخلوقات الله تعالى الدالّة على عظمته وإبداعه، فقال سبحانه: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) يوسف/105. والآيات الدالّة على الله ووحدانيته وقدرته كثيرة مبثوثة في تضاعيف الكون، معروضة للأبصار والبصائر، في السماوات والأرض، يمرون عليها صباح مساء، آناء الليل وأطراف النهار، وهي ناطقة تكاد تدعو الناس إليها، بارزة تواجه العيون والمشاعر، موحية تخايل للقلوب والعقول، ولكنهم لا يرونها ولا يسمعون دعاءها ولا يحسّون إيقاعها العميق. ومن هنا فإن العقل لا ينفع صاحبه إن لم يُطِع الله، وينعَم بفضله في الحياة الدنيا، فالذين لم يعبُدوا الله عبادة حقيقية بعيدة عن الشرك وأوثان الهوى والبدع، فهؤلاء لا تنفعُهم عقولهم في تحقيق السعادة في الدنيا، والنجاة من عذاب الله في الآخرة، على الرغم من كونهم أصحاب ذكاءٌ وفطنة، فهذا الذكاء وتلك الفطنة لا توجِب السعادة والنجاة من العذاب إلا بعبادة الله وحده لا شريك له، والإيمان برسله وكتبه واليوم الآخر.
لاتوجد تعليقات