شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم – باب: النَّهْيُ عن بَيْعِ الطَّعَامِ قبل أنْ يُسْتَوْفَى
- بيَّن رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ مَنِ اشتَرَى طَعامًا وأرَادَ أن يَبِيعَه فلا يَبِعْه حتَّى يَأخُذَه بالكَيْلِ والمِيزانِ وهو كِنايةٌ عن قَبْضِه لَه وأنَّه أصبَحَ في حَوْزةِ المُشْتَرِي
- نظَّمَ الشَّرعُ الإسلاميُّ الحَنيفُ أُمورَ التَّعامُلِ بيْن النَّاسِ في البَيعِ والشِّراءِ وأَوضَحَ أُموراً لا بدَّ منها حتى لا يَتنازَعَ النَّاسُ فيما بيْنهم
- شرَعَ اللهُ سُبحانَه وتعالَى في البَيْعِ ما يَحفَظُ حُقوقَ النَّاسِ ويُجنِّبُهمُ التَّنازُعَ والخِصامَ ويَدفَعُ عنهمُ الضَّرَرَ
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ»، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الرِّبَا؟! فَقَالَ مَرْوَانُ: مَا فَعَلْتُ؛ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى. قَالَ فَخَطَبَ مَرْوَانُ النَّاسَ؛ فَنَهَى عَنْ بَيْعِها، قَال سُلَيْمَانُ: فَنَظَرْتُ إِلَى حَرَسٍ يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ.
- في الباب حديثان: الأول: أخرجه مسلم في البيوع (2/1159) باب: بُطلان بيع المبيع قبل القبض، وأخرجه البخاري في البيوع (2135) باب: بيع الطعام قبل أنْ يُقبض، وبيع ما ليسَ عندك، قد رواه البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-، كما روى البخاري (2137) ومسلم (2/1162) من حديثه قال: «رأيتُ الذين يَشْترُون الطّعام مَجَازفة، يُضرَبُون على عَهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَبيِعُوه حتّى يُؤْوه إلى رحالهم».
من اشترى شيئًا مما يؤكل
- قَولُهُ: «مَنْ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» يُبيِّنُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم - أنَّ مَن اشترَى شَيئًا ممَّا يُؤكَلُ، فلا يَبِعه حتَّى يَستوفيَه، وفي لفظ: «حتَّى يَقْبِضَهُ» أي: فلا يتَّخِذْ أيَّ تَصرُّفٍ بالبيعِ مرَّةً أخرى، إلَّا إذا قَبَضَه وافياً؛ بأنْ يَأخُذَ ما اشتراهُ أولًا، ويُصبِحَ في حَوزتِه، فهنا يُمكِنُه أنْ يُعيدَ بيعَه, وفي روايةٍ لمسلم (2/1160): سأَلَ طَاوُسُ بنُ كَيْسانَ- مِنَ التَّابِعينَ- ابنَ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: لِمَ؟» أي: لِمَ شرَطَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - هذا الشَّرْطَ؟ فقال ابنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: «ألَا تَراهم يتَبايَعونَ بالذَّهَبِ، والطَّعامُ مُرْجَأٌ؟» أي: أنَّ البَائعَ كان يَقبِضُ الثَّمَنَ بدَنانيرِ الذَّهبِ، ثمَّ يُؤجِّلُ تَسليمَ الطَّعامِ للمُشتَرِي، فشَرَطَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم - على المُشترِي ألَّا يَبيعَه حتَّى يَقبِضَه، ويكونَ في حوْزَتِه.
وقدْ أوضَحَ حَديث ابن عمر -رضي الله عنهما- في الصَّحيحَينِ: أنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ علَى عَهْدِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم -، فَيَبْعَثُ عليهم مَن يَمْنَعُهُمْ أنْ يَبِيعُوهُ حَيْثُ اشْتَرَوْهُ، حتَّى يَنْقُلُوهُ حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ.
أي: إنَّه أرادَ بذلك أنْ يَقبِضوه أولاً؛ لأنَّ القَبضَ شَرْطٌ، ثمّ أنْ يَنقُلَ الطَّعامَ إلى مَكانٍ آخَرَ، أو إلى الأَسْواقِ الَّتي يُباعُ فيها، حتَّى لا يُحتكَرَ أو يُتلاعَبَ بسِعْرِه، وبالنَّقلِ المذكورِ يَحصُلُ القبْضُ.
فالنَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهى أنْ يُباعَ الطَّعامُ إذا اشْتراهُ المشتري حتَّى يَستوفِيَه، أي: فلا يَتَّخِذُ أيَّ إجراءٍ أو تَصرُّفٍ بالبيعِ مرَّةً أُخرى، إلَّا إذا أخَذَ ما اشْتراهُ أوَّلًا، وأصبَحَ في. حَوْزتِه، وأنَّه يَعلَمُ مِقْدارَه عِلماً نافياً للجَهالةِ، وهذا يكونُ فيما بِيعَ بكَيْلٍ؛ فإنَّه لا بُدَّ أنْ يَكِيلَه أوَّلًا حتَّى يَستَوفِيَه تامّاً، ثُمَّ يَبِيعَه بعدَ ذلك، ولا يَحِلُّ له أنْ يَبِيعَه قبْلَ أنْ يَكْتَالَه؛ لأنَّه رُبَّما تَقَعُ فيه زِيادةٌ أو نُقصانٌ، ويكونُ في هذا غَبْنٌ وضَرَرٌ إمَّا على البائِعِ أو المُشتَرِي. فبعد أنْ يقبضه؛ هنا يُمكِنُه أنْ يُعيدَ بَيعَه، وفي هذا منعٌ لما قد يَضُرُّ بالبائعِ أوِ المُشتَري، أو أهْلِ البَلدِ، فيقَعُ الخِلافُ والتَّشاحُنُ بينَ النَّاسِ، ويقَعُ عليهمُ الضَّررُ.
القبضُ يتفاوتُ بتفاوت المَبيع
والقبضُ يتفاوتُ بتفاوت المَبيع: فما يتناولُ باليد كالدّراهم والدّنانير ونحوهما، فقبضه بالتّناول، وما لا يُنقل كالعَقار، والثّمَر على الشّجر، فقبضه بالتَّخْلية، وما ينقل في العادة؛ كالأخْشاب والحُبوب والحيوان، فقبضه بالنّقل إلى مكان لا اختصاصَ للبائع به، وما يُشترى كيلاً لا يُباع إلا بالكيل، وما يشترى وزْناً لا يُباع إلا بالوَزن، وأنّه لا يجوز أنْ يكتفي فيه بالكيل الأول، ولا بالوزن الأول، وقد انعقد إجْماع عُلماء هذه الأمة على جواز بيع الصّبرة جُزافاً؛ أي بلا كيلٍ ولا وزن.
قال ابن قدامة في (المغني): «ومَنْ اشْتَرى ما يَحتاجُ إلى القَبْض؛ لمْ يَجُز بيعه حتّى يَقبضه، ولا أرى بين أهل العلم فيه خلافاً؛ إلا ما حُكي عن عثمان البتي، وأمّا غير ذلك؛ فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر الروايتين- أي عن أحمد- ونحوه قول مالك بن المنذر. اهـ, وقال عطاء بن أبي رباح والثوري وابن عيينة وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، والشافعي في الجديد، ومالك في رواية، وأحمد في رواية، وأبو ثور وداود: النهي الذي وَرَد في البيع قبل القبض؛ قد وقع على الطّعام وغيره، وهو مذهب ابن عباس أيضاً، ولكن أبا حنيفة قال: لا بأسَ ببيع الدُّور والأرْضين قبل القَبْض؛ لأنّها لا تُنْقل ولا تُحوّل. لكن الشافعي وموافقيه يقولون: إنّ قبضَ كلّ شيءٍ بحَسْبه.
من فوائد الحديث:
- الحثُّ على إتمامِ الصَّفقاتِ، وحِيازةِ البائعِ لِمَا اشتراهُ حتى يَتصرَّفَ فيه كَيْفما شاء.
- وفي هذا الحَدِيثِ يُرشدُنا رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ مَنِ اشتَرَى طَعامًا وأرَادَ أن يَبِيعَه، فلا يَبِعْه حتَّى يَأخُذَه بالكَيْلِ والمِيزانِ، وهو كِنايةٌ عن قَبْضِه لَه وأنَّه أصبَحَ في حَوْزةِ المُشْتَرِي.
- وأنَّ الإمامَ ووَلِيَّ الأمرِ يُرشِدُ النَّاسَ في أعمالِ بُيوعِهم وشِرائِهِم.
- بَيانُ حِرصِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على كلِّ ما هو خيرٌ لأُمَّتِه، ورِفقِهِ بها، حتَّى في المصالحِ الدُّنيويَّةِ.
- وأنّ اللهُ -سُبحانَه- وتعالَى شرَعَ في البَيْعِ ما يَحفَظُ حُقوقَ النَّاسِ، ويُجنِّبُهمُ التَّنازُعَ والخِصامَ، ويَدفَعُ عنهمُ الضَّرَرَ.
- وفيه: النَّهيُ عنِ اتِّباعِ طُرقِ البَيعِ والشِّراءِ الَّتي تُؤدِّي إلى احْتكارِ السِّلعِ، وغَلاءِ الأسْعارِ، أو تؤدِّي إلى وُقوعِ الضَّررِ بينَ أطْرافِ البَيعِ.
- وأنّ الشَّرع الإسلاميّ الحَنيف نظَّمَ أُمورَ التَّعامُلِ بيْن النَّاسِ في البَيعِ والشِّراءِ، وأَوضَحَ أُموراً لا بدَّ منها؛ حتى لا يَتنازَعَ النَّاسُ فيما بيْنهم، وحتى تَتِمَّ الصَّفقاتُ بيْنهم وهي خاليةٌ مِن المُشكِلاتِ أو الحُرْمةِ.
الحديث الثاني
- قَولُهُ: قَال أَبُو هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - لِمَرْوَانَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكَ، وقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حتَّى يُسْتَوْفَى. والصِّكَاكُ: جَمْعُ صَكٍّ، وهُوَ الوَرَقَةُ المَكْتُوبَةُ بِدَيْنٍ، ويُجْمَعُ أَيْضاً عَلَى صُكُوكٍ، والمُرَادُ هُنَا الوَرَقَةُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ بِالرِّزْقِ لِمُسْتَحِقِّهِ، بِأَنْ يَكْتُبَ فِيها لِلْإِنْسَانِ كَذَا وكَذَا مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَيَبِيعُ صَاحِبُهَا ذَلِكَ لِإِنْسَانٍ قبلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، واستدلّ بهذه الرواية على مَنع بيع الصُّكوك.
قال النووي: «وقد اختلفَ العُلماء في ذلك، والأصحّ عند أصحابنا وغيرهم: جوازُ بيعها، والثاني: مَنْعها، فمَنْ أخذ بظاهر قول أبي هُريرة وبحُجّته مَنَعها، ومَنْ أجازها تأوّل قضية أبي هريرة على أنّ المُشْتري، ممّن خَرَج له الصّك؛ باعه لثالث قبل أنْ يقبضه المُشْتري، فكان النّهي عن البيع الثاني، لا عن الأول، لأنّ الذي خَرَجتْ له؛ مالكٌ لذلك مُلْكاً مُسْتقراً، وليس هو بمُشترٍ، فلا يمنع بيعه قبل القَبْض، كما لا يَمتنع بيعه ما وَرثه قبل قبضه.
قال القاضي عياض- بعد أنْ تأوّله على هذا النحو- وكانوا يَتَبايعونها، ثمَّ يَبيعها المشترون قبل قبضها، فنُهوا عن ذلك، قال: فبلغ ذلك عُمر بن الخطاب، فردّه عليه، وقال: لا تَبِع طَعاماً ابتعته حتّى تستوفيه. اهـ.
قال النووي: وكذا جاء الحديث مفسّراً في الموطأ: أنّ صُكوكاً خَرَجت للناس في زمن مروان بطَعام، فتبايع الناس تلك الصّكوك قبل أنْ يَسْتوفوها. وكَذَا جاءَ الحدِيثُ مُفَسَّراً في المُوطَّأ: أَنَّ صُكُوكًا خَرَجَتْ لِلنَّاسِ في زَمَنِ مَرْوانَ بِطَعَامٍ، فَتَبَايَعَ النَّاسُ تِلْكَ الصُّكُوكَ؛ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفُوهَا.
وفِي المُوَطَّأِ: ما هُوَ أَبَيْنُ مِنْ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ حَكِيمَ بنَ حِزَامٍ ابْتَاعَ طَعَاماً أَمَرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -]-، فَبَاعَ حَكِيمٌ الطَّعَامَ الَّذِي اشْتَرَاهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
من فوائد الحديث:
- وجُوبُ النّصيحة لأئمة المسلمين: فالنَّصِيحةُ لوُلاة الأمْر مِنْ أعظم القُرُبات، وهي مِنْ صِفات المُؤمنين الصالحين، وكان أبو هريرة - رضي الله عنه - قُدْوة في ذلك، حيث نصح مروان وهو والٍ، ولم يَسْكُت عن المُنْكر.
- قَبُول الحقّ والاسْتجابة له؛ فمروان -رحمه الله مع كونه والياً- قَبِلَ النّصيحة مِنْ أبي هريرة، وتراجع عمّا كان عليه، وهذا مِنْ علامة قوّة الإيمان، وحُبّ الخير.
- الحِكْمة في الدّعوة والنّصيحة: حيثُ اسْتعمل أبو هريرة الأسْلُوب الحكيم في النّصيحة، فبدأ بإثارة الانتباه بقوله: «أحْلَلّت بيع الرّبا؟»، ثمّ بيَّن له الحُكْم بالدليل منْ سُنّة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
- مسؤولية الولاة في تطبيق شرع الله: فمَروان بعدما عَرَف الحُكم، لمْ يَتردّد في تطبيقه، ومَنَع الناس مِنْ هذا البيع، بل أرسْل حُرّاسه ليمنعوه بالقُوّة إذا لزم الأمر.
- وفيه: تحريم بيوع الرّبا، والبُيوع التي تؤدّي إليه: ومنه: بيع «الصِّكاك» التي لمْ يُقبض بعد، هو مِنَ البُيوع التي تؤدي إلى الرّبا، فيجب منعها.
- وفيه إقامة الإمام على الناس مَنْ يُراعي أحوالهم في ذلك.
- قوله: «كانوا يضربون» أنّ ولي الأمر له أنْ يُعزّرَ مَنْ تَعَاطى بيعاً فاسداً، بالضرب وغيره ممّا يراه من العقوبات في البدن والمال، على ما تقرّر في الشرع.
لاتوجد تعليقات