رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 17 أغسطس، 2010 0 تعليق

شــــرح كتـــــــــاب«الاعتصـــــام بالكتــــاب والســــنة»مــــن صحيــــح الإمام البـــخاري (8)

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله.

ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، وتخسر أفراده، ويضيع سدى.

ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة.

 

• الحديث الرابع: من الباب الثاني: قال البخاري:

7278, 7279- حدثنا مسدد: حدثنا سفيان: حدثنا الزهري، عن عبيد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد قال: كنا عند النبي [ فقال: «لأقضين بينكما بكتاب الله» (طرفه في 2314).

الشرح:

الحديث الرابع من باب الاقتداء بسنن رسول الله [ من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، حديث أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما يرويه البخاري رحمه الله تعالى عن شيخه مسدد، وهو مسدد بن مسرهد بن مسربل أبو ماسك الأسدي أحد الثقاة الأعلام، وقال أهل الحديث مسدد كاسمه، عن شيخه سفيان وهو ابن عيينة الهلالي الإمام الثقة المشهور، قال: حدثنا الزهري وقد مضى معنا اسمه، عن عبيد الله وهو ابن عبدالله بن عتبة بن مسعود الثقة الفقيه المشهور الضرير.

يرويه عن أبي هريرة وزيد بن خالد قال: كنا عند النبي [ فقال: لأقضين بينكما بكتاب الله «هذا الاختصار يوهم أن الخطاب لهما، وليس الأمر كذلك! إنما الخطاب لوالد العسيف (الأجير) الذي استأجره رجل ثم زنى بامرأته، فتحاكما إلى النبي [، فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله، فقال الرسول [ لهما: «لأقضين بينكما بكتاب الله، المائة شاة والوليدة ردٌّ عليك» لأن والد الزاني كان قد اقترح أن يفدي ابنه بمائة شاة ووليدة (أي مملوكة)، فقال عليه الصلاة والسلام لوالد الرجل: «المائة شاة والوليدة رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت بالزنى فارجمها».

فهذا الحديث يبين أن «السنة النبوية» يطلق عليها كتاب الله، من حيث إنها وحي من عند الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه في كتابه {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى < إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3-4)، وذلك لأن الجلد للزاني مائة جلدة ليس في كتاب الله، والتغريب ليس في كتاب الله، وإنما هو شيء زادته السنة وفصلته وفعله الرسول [، وتابعه عليه الخلفاء الراشدون، وقد قال [ قبل: «لأقضين بينكما بكتاب الله». فهذا دال: على أن ما قال رسول الله [، هو في الحجية بمنزلة ما قاله الله تبارك وتعالى، لأن الكل وحي من عند الله، وقال حسان ابن عطية التابعي الجليل: كان جبريل ينزل بالوحي على النبي [ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن.

فالقرآن والسنة كلاهما وحي من السماء من عند الله عز وجل، وقال الله تعالى أيضا {وأنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما} النساء: 113)، والحكمة عند أهل العلم هي: السنة النبوية.

 

• الحديث الخامس:

7280- حدثنا محمد بن سنان: حدثنا فليح: حدثنا هلال بن علي، عن عطاء ابن يسار عن أبي هريرة: أن رسول الله [ قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى» قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى».

 

الشرح:

الحديث الخامس في هذا الباب - باب الاقتداء بسنن رسول الله [ - حديث أبي هريرة ] يرويه البخاري -رحمه الله تعالى- عن شيخه محمد بن سنان وهو الباهلي، أبو بكر البصري، وهو ثقة ثبت، قال: حدثنا فُليح وهو ابن سليمان الخزاعي المدني، وقد وثقه الدارقطني وضعفه غيره، وقال الحافظ: صدوق كثير الخطأ، والبخاري -رحمه الله- إنما انتقى من حديثه الأحاديث الحسنة الصالحة.

قال: حدثنا هلال بن علي، وهو ابن أبي ميمونة العامري المدني، ثقة، قال: عن عطاء بن يسار وهو الهلالي القاص، من كبار التابعين وعلمائهم، وصاحب عبادة ومواعظ.

يرويه عن الصحابي الجليل أبي هريرة ] أن رسول الله [ قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى» يعني: إلا من امتنع، فمن امتنع عن دخول الجنة لا يدخلها، لكن ليس هذا هو المراد، بل المراد أن من امتنع عن الاستجابة لرسول الله [، والامتثال لأوامره بالطاعة لم يدخل الجنة.

 وعدم دخوله الجنة إما أن يكون أبديا: بمعنى لا يدخل الجنة أبدا، وإما أن يكون عدم دخوله مؤقتا، لأنه يدخلها بعد ذلك، وهذا بحسب إبائه، فإن كان إباؤه امتناعا عن التصديق به رسولا نبيا من عند الله عز وجل، فهذا كافر والعياذ بالله، لا يدخل صاحبه الجنة، ومحروم منها أبدا، وإن كان امتناعه ومعصيته في بعض الأمور، وهو مسلم مؤمن بالله وبرسوله [، فإنه قد لا يدخلها مع أول الداخلين، بل يؤخر في النار ثم بعد ذلك يخرج من النار ويدخل الجنة.

فإذا قال قائل: كيف يكون كافرا، وقد قال [ «كل أمتي» فكيف نسبه النبي [ إلى أمته؟

فالجواب: أن أمة النبي [ قسمان: أمة الدعوة هذا هو القسم الأول، والقسم الثاني: أمة الإجابة.

أما أمة الدعوة: فيراد بها كل من بلغته دعوة النبي فهو من أمة محمد [ سواء أسلم أم لم يسلم، والقسم الثاني: أمة الإجابة وهم من استجاب له [ بالإيمان والتصديق والطاعة فهذا مسلم.

 ومن الأدلة على القسم الأول - وهم أمة الدعوة - قوله [: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، لا يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» رواه مسلم.

فإذن اليهود الذين بلغتهم دعوته [، وعرفوا مبعثه وخروجه ثم لم يؤمنوا به هم من أمته لأنهم بلغتهم دعوته، وكذلك النصارى، فكل من بلغته دعوته [ من العالمين، من الإنس والجن، فهو مأمور بالإيمان به [ لأنه خاتم النبيين، ولا نبي بعده، وإذا امتنع عن الإيمان به فقد أبى دخول الجنة كما في الحديث «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى».

وقد روى الإمام أحمد -رحمه الله- هذا الحديث بلفظ آخر وطريق آخر، فقد رواه (5 / 258) عن أبي أمامة ]، مرفوعا بلفظ: «ألا كلكم يدخل الجنة، إلا من شرد على الله، شراد البعير على أهله» وسنده حسن.

فهذا وصف نبوي عجيب، لبعض المعرضين عن رسالته، أنهم يشردون على الله والعياذ بالله، كما يشرد البعير ويهرب عن أهله ويتيه، ضلالا وبعدا عن النجاة، ولاحظ وصف النبي [ لمن أعرض عن الامتثال والطاعة له [، أنه كما يشرد البعير على أهله، والشراد كما تعلمون فيه وصف السرعة والخفة، وعدم العقل والفهم، وهذا منطبق على من أعرض عن السنة النبوية الشريفة المباركة، المشتملة على كل خير، وخلفها وراءه، وولاها ظهره، نسأل الله تعالى المعافاة من ذلك.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك