رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 2 يناير، 2023 0 تعليق

شرح كتاب الطَّلاق من مختصر مسلم – الرضاع الذي

شرح كتاب الطَّلاق من مختصر مسلم - الرضاع الذي تثبت به الحرمة

عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ -رضي الله عنها- قَالَتْ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِي بَيْتِي، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي كَانَتْ لِي امْرَأَةٌ، فَتَزَوَّجْتُ عَلَيْها أُخْرَى، فَزَعَمَتْ امْرَأَتِي الْأُولَى أَنَّها أَرْضَعَتْ امْرَأَتِي الْحُدْثَى رَضْعَةً، أَوْ رَضْعَتَيْنِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ والْإِمْلَاجَتَانِ»، الحديث رواه مسلم في الرضاع (2/1074) باب: في المَصّة والمَصّتان.

     أمّ الفضل هي لُبَابَة ابنة الحارث بن حَزْن بن البُجير بن الهُزَم بن رُؤَيْبَة، وتسمّى أم الفضل الكُبْرى الهلالية، وهي زوجة العباس بن عبد المطلب ووالدة عبدالله بن عباس والفضل بن عباس. وتسمى الكبرى تمييزاً لها من أخت لها لأبيها تعرف بالصغرى، وهي أخت ميمونة بنت الحارث زوجة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأيضاً أخت أم المؤمنين زينب بنت خزيمة، وأخت الصحابية لبابة الصغرى والدة خالد بن الوليد، وأخت الصحابية المهاجرة أسماء بنت عميس لأمها، -رضي الله عنهن-، ويقال: إنّها أوّلُ امرأةٍ أسلمت بعد خديجة، وكان النّبي - صلى الله عليه وسلم - يزورها ويَقِيلُ عندها. وكانت من المُنْجِبات، ولدت للعباس ستة رجال، لم تلد امرأة مثلهم، وهي التي ضربت أبا لهب بعمودٍ فشجّته، حين رأته يضرب أبا رافع مولى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، في حجرة زمزم بمكة، على أثر وقعة بدر، وكان موتُ أبي لهبٍ بعد ضربة أم الفضل له بسبع ليال، وقد توفيت في خلافة عثمان -رضي الله عنه .

قولها: «دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِي بَيْتِي» أي: في بيت أمّ الفضل.

      و‏قَوْله: «اِمْرَأَتِي الْحُدْثَى»‏ ‏هُوَ بِضَمِّ الحَاء وإِسْكَان الدَّال، أَيْ: الجَدِيدَة، تأنيت أحدث، وأَمَّا «الْإِمْلَاجُة»‏ ‏فَبِكَسْرِ الْهَمْزَة والْجِيم الْمُخَفَّفَة وهيَ المَصَّة، يُقَال: مَلَجَ الصَّبِيّ أُمّه، وأَمْلَجَتْهُ.

قوله: «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ والْإِمْلَاجَتَانِ»

     يُخبِرُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحَديثِ عنِ المِقْدارِ الّذي لا يَثبُتُ بِه حُكمُ الرَّضاعِ المُحرِّمِ، فيَقولُ: «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ والْإِمْلَاجَتَانِ»، وفي الرواية الأخرى لمسلم: «لَا تُحرِّمُ الرَّضعةُ أوِ الرَّضْعتانِ، أوِ المَصَّةُ أوِ المصَّتانِ»، وهيَ المرَّةُ مِنَ المصِّ، كالرَّضعةِ مِنَ الرَّضاعِ، وهذا الكلامُ خرَجَ مخرَجَ جوابِ سائلٍ عنِ الرَّضعةِ والرَّضعَتَينِ، فأجابَه: لا يُحرِّمانِ، وسواءٌ كان هذا الرَّضاعُ دونَ السَّنَتينِ أم أكثَرَ، فالمِقدارُ المحرِّمُ هو خَمسُ رَضَعاتٍ كما سيأتي في حديث عائشة --رضي الله عنه-، وكان دونَ السَّنَتينِ.

     كما في حديث أُمِّ سَلَمةَ --رضي الله عنه- قالت: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُحرِّمُ منَ الرَّضاعةِ إلَّا ما فتَقَ الأمْعاءَ في الثَّديِ، وكان قبلَ الفِطامِ». رواه التِّرمذيُّ.

باب: في خمس رضعات

     عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ، الحديث رواه مسلم في الرضاع (2/1075) باب: التحريم بخمس رضعات.

     قَولها: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ» يُفيد أنّه كان ممّا يتلى من القرآن: «عشر رضعات معلومات يحرمن»، «ثمّ نسخن بخمس معلومات» فالتحريم بعشر رضعات نسخت تلاوته وحُكمه، والتَّحْريم بخمسِ رضعات نسخت تلاوته فقط، وبقي الحُكم.

قولها: «خمْسٍ مَعلوماتٍ»

     أي: مَعروفاتٍ مُشبِعاتٍ في سِنِّ الرَّضاعِ، وفي الحَولينِ، كما روى التِّرمذيِّ: عن أُمِّ سلَمَةَ --رضي الله عنه-ا- قالت: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُحَرِّمُ مِن الرَّضاعةِ إلَّا ما فَتَقَ الأمعاءَ في الثَّديِ، وكان قبْلَ الفِطامِ». فما كان بعدَ الحَولَينِ الكامِلينِ فإنَّه لا يُحَرِّمُ شيئًا؛ لأنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- قال: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} (البقرة: 233).

النَّسخ بخَمسِ رَضعاتٍ

     قَول عائشةَ -رضي الله عنها-: «فتُوُفِّيَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهُنَّ فيما يُقرَأُ مِنَ القُرآنِ» يعني: أنَّ النَّسخَ بخَمسِ رَضعاتٍ تَأخَّرَ إِنزالُه جدًّا، حتَّى إنَّه - صلى الله عليه وسلم - تُوفِّي وبعضُ النَّاسِ يَقرأُ خمْسَ رَضعاتٍ، ويَجعَلُها قُرآنًا مَتلوّاً؛ لكونِه لم يَبلغْه النَّسخُ لقُربِ عَهدِه، فلمَّا بَلغَهم النَّسخُ بعدَ ذلكَ رَجعوا عنه، وأَجمَعوا عَلى أنَّ هَذا لا يُتلَى.

     فمعنى قولها: «توفي وهي فيما يقرأ» أنّ النسخ كان متأخراً، ولمْ يَعْلم به كثير من الناس، فصاروا يقرؤون القرآن على أنّها مُحْكمة ثابتة فيه، ولمْ يَعْلموا بالنَّسخ، ثم بعد ذلك علم الناس.

      قال النووي في شرحه: «ومعناه أنَّ النَّسْخ بخَمس رضعاتٍ تأخّر إنْزاله جداً، حتى إنّه - صلى الله عليه وسلم - تُوفّي وبعض الناس يَقْرأ: «خَمْس رَضَعات» ويَجعلها قرآناً مَتْلواً، لكونه لمْ يَبْلغه النَّسخ، لقُرْب عهده، فلمَّا بلّغهم النَّسخ بعد ذلك، رجعوا عن ذلك، وأجْمَعوا على أنَّ هذا لا يُتْلى.

النَّسْخ ثَلَاثَة أَنْوَاع

     والنَّسْخ ثَلَاثَة أَنْوَاع أَحَدهَا: ما نُسِخَ حُكْمه وتِلَاوَته كَعَشْرِ رَضَعَات. والثَّانِي: مَا نُسِخَتْ تِلَاوَته دُون حُكْمه، كَخَمْسِ رَضَعَات، «والشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا». والثَّالِث: ما نُسِخَ حُكْمه وبَقِيَتْ تِلَاوَته، وهَذَا هُوَ الْأَكْثَر، ومِنْهُ قَوْله -تَعَالَى-: {وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ} الْآيَة، (البقرة: 240). واَللَّه أَعْلَم.انتهى.

     وقد ثبت في «الصحيحين» من حديث عمر - رضي الله عنه - أنه قال على المنبر: «كان فيما أنْزَل اللهُ مِنَ القُرآن آيةُ الرَّجْم، فقرآنَاها ووَعَيْناها وحَفِظْناها، ورَجَم النّبي -صلى الله عليه وسلم -، ورجَمْنا بعده».

      فالله -تعالى- هو الذي يَنْسخ ما يشاء، كما قال -سبحانه-: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} (الرعد: 39).  فلا إشْكال في نَسْخ اللفظ، لكن المُشْكل فيه أنّها قالت: «توفي وهي فيما يُقرأ من القرآن»، وقد علمنا معناه.

      ومع صحّة هذه الأحاديث، قد اخْتَلَفَ الفقهاء فِي القَدْر الَّذِي يَثْبُت بِهِ حُكْم الرَّضَاع: فَقَالَ الشَّافِعِيّ وأحمد وأَصْحَابهما: لَا يَثْبُت بِأَقَلّ مِنْ خَمْس رَضَعَات، وقَالَ جماعة من الْعُلَمَاء: يَثْبُت بِرَضْعَةٍ واحِدَة، وهو قول مالِك والْأَوْزَاعِيّ والثَّوْرِيّ وأَبِي حَنِيفَة، وقَال أَبُو ثَوْر وأَبُو عُبَيْد وابْن الْمُنْذِر ودَاوُد: يَثْبُت بِثَلَاثِ رَضَعَات، ولَا يَثْبُت بِأَقَلّ، وأحاديث الباب وغيرها حُجّة عليهم، وهي نُصوص واضحة صحيحةٌ صريحة، لا يجوز مُعَارضتها.

 

من فوائد الحديثين

- ‏وضَّح النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأُمَّتِه أُمورَ الحلالِ والحرامِ كلَّها، ومِنْ ذلك أنَّه بيَّن أحْكامَ الرَّضاعِ، وما يَنشَأُ عنه مِنْ أحكامٍ تَتعلَّقُ بالأنسابِ.

- جعَلَ الإسْلامُ الرَّضاعَ رابطًا كرابطِ النَّسبِ، فأثبَتَ الحُرْمةَ في النِّكاحِ مِنَ الرَّضاعةِ، كالحُرمةِ مِنَ النَّسَبِ، وسبق تقريره.

- أنَّ الرَّضاع الذي تَثْبتُ به الحُرْمة هو خمسُ رضعات مُشْبعات، فلا تحرم المَصّة، ولا المصتان، ولا الثلاث، ولا الأربع، فما نقص عن خَمْس مشبعات لا تُحرِّم.

- أنَّه لا يَجوزُ العمل بالمنسوخ.

- خفاءُ النَّسْخ على بعض الصحابة، وهذا لا يُؤثّر على حِفْظ القرآن الكريم، فقد قال الله -تعالى-: {إنَّا نَحنُ نزَّلنا الذِّكْر وإنَّا له لحَافظون} (الحجر: 9).

- إثبات علو الله -تعالى-؛ لأنَّ النُّزول لا يكون إلا مِنْ أعلى.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك