رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 16 ديسمبر، 2014 0 تعليق

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 115 ) باب: في الجلسة بين الخطبتين في الجمعة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 وبعد:

 فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.

419.عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه : أَنَّ رسولَ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم كان يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كانَ يَخْطُبُ جَالِسًا، فَقَدْ كَذَبَ! فَقَدْ واللَّهِ صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ.

الشرح: قال المنذري: باب: في الجلسة بين الخطبتين في الجمعة.

والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/589) باب: ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من الجلسة.

ورواه مسلم عنه بلفظ: كانت للنبي  صلى الله عليه وسلم خُطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويُذَكِّر الناس.

ورواه البخاري في كتاب الجمعة (920) باب الخطبة قائما، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: كان النبي صلى الله عليه وسلم يَخطُب خُطبتين، يقعد بينهما.

ورواه مسلم عن ابن عمر بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يخطب يوم الجمعة قائماً، ثم يجلس ثم يقوم. قال: كما يفعلون اليوم.

ورواه أبو داود بلفظ: كان يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب.

قوله: «إَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا» الْخُطْبَة: بِضمّ الخاء: خُطبة الجمعة وغيرها، وبِكسرها: خِطبة النساء.

ومن الثاني قوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيْمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} (البقرة: 235).

وفيه: أنه صلى الله عليه وسلم كان يَخطب خُطبتين يوم الجمعة، وأكثر العلماء على اشتراط الخُطبتين لصحّة الصلاة، ولم يُنقل عنه أنه صلاّها بلا خُطبة.

قوله «فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا، فَقَدْ كَذَبَ» قال النووي: وفي هذه الرواية دليل لمذهب الشافعي والأكثرين، أنّ خُطبة الجمعة لا تَصِحّ من القادر على القيام إلاَّ قائما في الخُطبتين، ولا يصح حتى يجلس بينهما، وأنّ الجمعة لا تصح إلاّ بخطبتين. اهـ شرح مسلم (6/150).

وقال القاضي: ذهب عامة العلماء إلى اشتراط الخطبتين لِصِحّة الجمعة.

وقال القرطبي في تفسيره: والخطبة شَرطٌ في انعقاد الجمعة، لا تَصِحّ إلاَّ بها، وهو قول جمهور العلماء.

وأكثر العلماء على اشتراط القيام للخُطبة، إلاّ في حال الْعُذر كالصلاة، قال ابن المنذر: الذي حمل عليه جُل أهل العلم من علماء الأمصار ذلك. أي القيام. وحَكى ابن عبد البر الإجماع على ذلك، فقال: وأجمعوا أنّ الخطبة لا تكون إلاَّ قائماً، لمن قَدر على القيام، فإنْ أعْيَا وجلس للراحة، لم يتكلم حتى يعود قائما. اهـ

وفي مسند الإمام أحمد: مِن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب قائماً على رِجْلَيه. وإسناده صحيح.

وقد أنْكر الصحابي كعب بن عُجرة رضي الله عنهعلى عبد الرحمن ابن أم الحكم حين خَطب قاعدًا، فقال كعب رضي الله عنه: انظروا إلى هذا الخبيث! يخطب قاعِدًا، وقال الله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) الجمعة: 11. رواه مسلم.

وفي رواية ابن خزيمة قال: «ما رأيتُ كاليوم قط، إماماً يؤم المسلمين يخطب وهو جالس، يقول ذلك مرتين».

     قال النووي: هذا الكلام يتضمّن إنكارَ المنكر، والإنكار على ولاة الأمور إذا خالفوا السُنة، ووجه استدلاله بالآية: أنّ الله تعالى أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَخطب قائما، وقد قال تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (الأحزاب: 21). مع قوله تعالى (فاتَّبعوه) وقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (الحشر: 7). مع قوله  صلى الله عليه وسلم : «صلوا كما رأيتموني أصلي». اهـ (الشرح 6/152).

وقوله «فَقَدْ واللَّهِ صلَّيتُ معه أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صلاةٍ» صريح في مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على القيام في الخطبة والجلوس بين السجدتين.

     قال الحافظ ابن حجر: واستدل للأول - أي أنّ القيام سُنة - بحديث أبي سعيد الآتي في المناقب: «أن النبي صلى الله عليه وسلم جلسَ ذات يومٍ على المنبر، وجلسنا حوله» وبحديث سهل الماضي قبل: «مُرِي غلامك يعمل لي أعواداً أجلس عليها». قال: وأُجيب عن الأول: أنه كان في غير خطبة الجمعة، وعن الثاني: باحتمال أن تكون الإشارة إلى الجلوس، أولَ ما يصعد، وبين الخطبتين، واستدل للجمهور بحديث جابر بن سمرة المذكور، وبحديث كعب بن عجرة.

     ثم قال: وأخرج ابن أبي شيبة: عن طاوس «خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما، وأبو بكر وعمر وعثمان، وأول من جلس على المنبر معاوية». وبمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على القيام، وبمشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلو كان القعود مشروعاً في الخطبتين، ما احتيج إلى الفصل بالجلوس، ولأنّ الذي نُقل عنه القعود كان معذوراً، فعند بن أبي شيبة: من طريق الشعبي: أن معاوية إنما خطب قاعداً لما كثر شحم بطنه ولحمه (أي كبُر سِنّه وثقل).

     وأما من احتج بأنه لو كان شرطاً ما صلى مَنْ أنكر ذلك مع القاعد، فجوابه: أنه محمولٌ على أنّ مَن صنع ذلك، خَشِي الفتنة، أو أنّ الذي قعدَ، قعد باجتهاد، كما قالوا في إتمام عثمان الصلاة في السفر، وقد أنكر ذلك ابن مسعود، ثم إنه صلى خلفه فأتم معه، واعتذر بأن: الخلاف شر اهـ.

أما حُكم الجلوس بين الخطبتين، فقال ابن عبد البر: واختلف الفقهاء في الجلوس بين الخطبتين؛ هل هو فرضٌ أم سُنة؟

فقال مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه: الجلوس بين الخطبتين في الجمعة سُـنّة، فإنْ لم يجلس بينهما فقد أساء، ولا شيء عليه.

     وقال الشافعي: يجلس حين يظهر على المنبر قبل أن يخطب؛ لأنه ينتظر الأذان، ولا يفعل ذلك في العيدين لأنه لا ينتظر أذانًا، فإن ترك الجلوس الأول كرهته ولا إعادة عليه؛ لأنه ليس من الخطبتين ولا فَصل بينهما، وأما الجلوس بين الخطبتين فلا بُدّ منه، فإنْ خَطَب خُطبتين لم َيفصل بينهما، أعاد ظهراً أربعا!

واستدل الشافعي على وجوبه: لمواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك، من قوله: «صَلُوا كما رأيتموني أصلي». قال ابن دقيق العيد: يتوقف ذلك على ثبوت أنّ إقامة الخُطبتين، داخلٌ تحت كيفية الصلاة، وإلا فهو استدلالٌ بمجرد الفعل، كذا في فتح الباري.

وقال أبو محمد ابن قدامة: يُستحبُّ أَنْ يَجلسَ بين الْخُطبتينِ جَلْسةً خفيفةً؛ لأَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَفعلُ ذلك، كَما رَوَيْنا في حديث ابن عمرَ، وجابرِ بن سَمُرةَ، وليست واجبةً في قولِ أَكثرِ أَهلِ الْعلمِ.

وقال الشَّافعيُّ: هي واجبةٌ؛ لأَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَجْلِسُها، ولنا: أَنَّها جلْسةٌ ليس فيها ذِكْرٌ مشروعٌ، فلم تكنْ واجبةً كالأُولى، وقدْ سَرَدَ الْخُطْبةَ جماعةٌ، منهم: الْمُغيرةُ بنُ شُعْبةَ، وأُبَيُّ بنُ كعبٍ. قاله أَحمدُ.

ورُويَ عن أَبي إِسحاقَ قال: رأَيْتُ عليًّا يَخطُبُ على الْمِنبرِ، فلَم يَجلِس حتى فَرَغَ.

وجلوسُ النَبيِّ صلى الله عليه وسلم كان للاسْتراحةِ، فلمْ تكن واجبةً، كالأُولى، ولكنْ يُستحبُّ، فإِنْ خطَبَ جالسًا لعُذْرٍ، فصَلَ بين الْخُطبتينِ بِسَكْتَةٍ، وكذلك إنْ خَطَبَ قائما فلم يَجلس.

قال ابنُ عبدِ الْبَرِّ: ذَهَبَ مالكٌ، والعراقيُّونَ، وسائرُ فُقهاءِ الأَمصارِ إلاَّ الشَّافِعِيَّ: أَنَّ الْجُلُوسَ بين الْخُطْبَتَيْنِ لا شيءَ على مَنْ تَرَكه. اهـ.

- أما مقدار الجلوس بين الخطبتين: فلم يرد تصريحٌ بمقدار الجلوس بين الخطبتين في حديث الباب، ولم يرد في حديث غيره. وذكر ابن التين أن مقداره: كالجلسة بين السجدتين، وعزاه لابن القاسم، وجزم الرافعي وغيره، أنْ يكون بقدر: سورة الإخلاص.

ويرى الشّافعيّة وهو رواية عن أحمد: أنّ الجلوس بينهما بطمأنينة، شرطٌ من شروط الخطبة، لخبر الصّحيحين «أنّه صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة خُطبتين، يجلس بينهما»‏.‏ 

فلا خلاف بين الفقهاء أنّ صفة هذه الجلسة أنْ تكون خفيفة، وأمّا مقدارها، ففيها أربعة أقوال:

1- قَدْر قراءة سورة الإخلاص.

2 - قَدْر قراءة ثلاث آيات.

3 - بِقَدْر تَمَكّن الخطيب في موضع جلوسه، واستقرار كل عضو منه في موضعه.

4 - قَدْر الجلسة بين السجدتين.

وهذه بعض أقوالهم: فقال ابن عبد البر: يفصل بينهما بجلسة خفيفة، قَدْر ما يقرأ: (قل هو الله أحد).

وقال الباجي: ومِقدارُ الجلْسةِ بين الخُطبتينِ، مقدارُ الجلْسة بين السَّجدتَيْنِ. رواهُ يحيى بنُ يحيى عن ابن الْقاسم؛ لأَنَّه فَصْلٌ بين مُشتَبهين، كالجلوسِ بين السَّجدتَيْنِ.

وقال ابن قدامة: يُستحبُّ أَنْ يجلسَ بين الخُطبتينِ جَلسةً خَفيفةً.

     أما ما يقال في الخطبتين: فقد جاء في الرواية الأخرى  لمسلم: «كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خُطبتان، يَجلس بينهما، يَقرأ القُرآن، ويُذكّر الناسَ». قال النووي: فيه دليلٌ للشافعي في أنه يُشترط في الخطبة: الوعظ والقرآن، قال الشافعي: لا يصح الخطبتان إلا بحمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما، والوعظ، وهذه الثلاث واجباتٌ في الخطبتين، وتجب قراءة آية من القرآن في إحداهما على الأصح، ويجب الدعاء للمؤمنين في الثانية على الأصح اهـ.

- أما شروط الخطبة: فقد قال النووي: شروط الخطبة سبعة: وقت الظهر، وتقديمها على الصلاة، والقيام والقعود بينهما، وطهارة الْحَدَث، والنجس، وسَتر العورة على الأصح في الخطبتين... قال: والسابع: رفع الصوت بحيث يسمعه أربعون من أهل الكمال. اهـ.

وفي بعضها خلاف عند  الفقهاء، والصحيح: أنه لا يُشترط لها الطهارة، ولا وقت الظهر، فقد سبق ما يتعلق بوقت الجمعة في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه .

وقال ابن قدامة: والسُّنَّةُ أَنْ يَخْطبَ مُتَطَهِّرًا. اهـ. فلم يعتبره شرطًا. وكذلك قال الجدّ بن تيمية.

وقال ابن دقيق العيد: وقد عَدَّ بعضُ الفُقهاءِ مِنْ أَركان الْخُطبةِ الواجبة:

الأَمرُ بتقوى اللَّهِ، وبعضُهم جَعَلَ الْواجبَ: ما يُسمَّى خُطبةً عند الْعربِ.

- لا يُشترط أن يتولّى الخطابة، مَنْ يتولّى الإمامة.

قال ابن قدامة: والسُّنَّةُ أَنْ يَتولى الصَّلاةَ مَنْ يَتولَّى الْخُطبةَ؛ لأَنَّ النَّبيَّ صلى اللَّهُ عليه وسلم كان يَتَولاّهما بنفسهِ، وكَذلك خُلَفاؤُه من بعده. اهـ.

- والسُنة أنْ تكون الخطبة قصيرة بليغة، كما سبق، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن طولَ صلاة الرجل، وقِصر خطبته، مَئِنّةٌ مِن فِقهه؛ فأطِيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة، وإن مِن البيان سِحْرًا». رواه مسلم.

- تنبيه: ليس من السُنة: الْتِزام ذكر قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً‏} في كل خُطبة؛ لأنّ ذلك لم يكنْ من هديه صلى الله عليه وسلم ، ولا فَعَله أصحابه رضي الله عنهم من بعده.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك