رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 11 أكتوبر، 2010 0 تعليق

شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (56) أجر العالم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع  كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة.

 

الباب الحادي والعشرون :

21 -  باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ . قال البخاري رحمه الله:

7352 –  حدثنا عبدالله بن يزيد المقري المكي: حدثنا حيوة: حدثني يزيد بن عبدالله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص  أنه سمع رسول الله[ يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر».

قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عمرو بن حزم فقال: هكذا حدثني أبو سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة .  وقال عبدالعزيز بن المطلب ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن أبي سلمة ، عن النبي[ مثله.

 الشرح:

الباب الحادي والعشرون: باب باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، وروى فيه البخاري حديثا واحدا عن عبدالله بن يزيد المقرئ المكي وهو من شيوخ البخاري المشهورين، ثقة فاضل، وسمي بالمقرئ لأته  أقرأ الناس القرآن نيفا وسبعين سنة، رحمه الله. قال: حدثنا حيوة بن شريح، وهو التجيبي أبو زرعة المصري، ثقة ثبت فقيه زاهد. قال: حدثني يزيد بن عبدالله بن الهاد، وهو الليثي أبو عبدالله المدني، ثقة مكثر. عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، هو التيمي أبو عبدالله المدني  ثقة له أفراد، ولأبيه صحبة. عن بسر بن سعيد، هو المدني العابد، مولى ابن الحضرمي، ثقة جليل. عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، واسمه عبدالرحمن بن ثابت، ثقة. وهؤلاء الأربعة كلهم من التابعين، وهذا من لطائف الإسناد، يزيد بن الهاد، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث، وبسر بن سعيد، وأبو قيس مولى عمر بن العاص، كلهم من التابعين، وقد روى بعضهم عن بعض.

كلهم قالوا: عن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله[ يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر».

أراد البخاري رحمه الله من هذا الباب والحديث: أنه لا يلزم من رد حكم القاضي، أو فتوى المفتي أو العالم، أو عمل العامل إذا خالف الشرع، لا يلزم من رد فتواهم أو حكمهم عليهم، أن يكونوا أثموا بما قالوا أو عملوا، بل إذا بذل العالم وسعه للوصول إلى الحق، وبذل الحاكم أو القاضي وسعه كذلك واجتهد فحكم أو أفتى وخالف بذلك الصواب والحق، فإنه يكون مأجورا ، ولو خالف الشرع في حقيقة الأمر، إذا كان ذلك بعد الاجتهاد وبذل الوسع وهو أهل للاجتهاد، فهو مأجور أجرا واحدا.

 ولكن متى يؤجر العالم أو متى يؤجر الحاكم؟ يؤجر إذا كان عالما قادرا على الاجتهاد ، وأما الجاهل فلا؟!

قال ابن المنذر رحمه الله : وإنما يؤجر الحاكم إذا أخطأ، إذا كان عالما بالاجتهاد فاجتهد، وأما إذا لم يكن عالما فلا.

أي: القاضي إذا كان عالما بالاجتهاد وقادرا على الوصول إلى معرفة الحكم الشرعي، ثم بذل وسعه واجتهد فأخطأ، فإنه يؤجر أجرا واحدا، لكن إن كان قد قضى على جهل فهو مأزور غير مأجور .

ثم استدل ابن المنذر في هذا الموضع بحديث: «أن القضاة ثلاثة : قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض عرف الحق فقضى بخلافه فهو في النار، وقاض قضى للناس على جهل فهو في النار».

وهذا الحديث أخرجه أصحاب السنن، ومروي من عدة طرق ، وهو حديث صحيح حسن .

وقال الخطابي: إنما يؤجر المجتهد إذا كان جامعا لآلة الاجتهاد، فهو الذي نعذره بالخطأ، بخلاف المتكلف فيخاف عليه، ثم إنما يؤجر اجتهاده في طلب الحق عبادة، هذا إذا أصاب، وأما إذا أخطأ فلا يؤجر على الخطأ، بل يوضع عنه الإثم فقط؛  فإذا قضى الحاكم على جهل، فهو في النار والعياذ بالله.

 وكذلك إذا سئل الإنسان فأفتى بغير علم فهو آثم، وقد قال[: «من أفتى بفتيا غير ثبت ، كان إثمه على مَن أفتاه ، ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه « رواه أبوداود.  فالإثم يرجع عليك إن تكلمت بغير علم، أو حصل منك تقديم بين يدي الله ورسوله[ وقد قال الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم} (الحجرات: 1).

إذاً إنما يؤجر المجتهد إذا كان جامعا لآلة الاجتهاد، وهو ما إذا كان حافظا للقرآن والسنة النبوية، وله معرفة وفهم لهما، وكذلك معرفة بأقوال الصحابة والمفتين والفقهاء ، مع العلم بالعربية وقواعدها، فهذا لا إثم عليه إذا اجتهد ثم أخطا .

أما إذا أفتى أو حكم وأخطأ، لأنه لا يعرف الأحكام ويجهل، ومع ذلك قضى وأفتى على جهل ، فإنه لا يؤجر على ذلك؛ لأنه معتد ومتطاول .

 ولماذا الذي يقضي ويخالف الحق له أجر؟! نقول: له أجر واحد على اجتهاده، وبذله لوسعه، وتعبه في الوصول إلى حكم الله تبارك وتعالى أو حكم رسوله[.

وأما قوله[: «إذا حكم الحاكم فاجتهد» هكذا وقع في الرواية ، بدأ بالحكم قبل الاجتهاد ، ومعلوم أنه إنما يحكم بعد الاجتهاد ، ولا يجوز له أن يحكم قبل الاجتهاد ؟! ولماذا لم يقل : إذا اجتهد الحاكم فحكم...؟

فالجواب: أن المعنى عند العلماء أنه: إذا اجتهد الحاكم فحكم، هذا معنى قول النبي[: «إذا حكم الحاكم فاجتهد»؛ لأن الحكم لا يكون إلا بعد الاجتهاد كما هو معلوم ، ولا يكون الحكم قبل الاجتهاد، والفاء هاهنا ليست تعقيبية، فيكون التقدير: إذا حكم بعد الاجتهاد.

 وقال بعض أهل العلم معنى: «إذا حكم الحاكم فاجتهد» أي: إذا أراد أن يحكم فاجتهد فأصاب فله أجران. وهذا أيضا معنى صحيح .

 ولهذا قال أهل الأصول: إنه يجب على العالم المجتهد أن يجدد النظر عند وقوع النازلة مرة أخرى، ولا يعتمد على الاجتهاد السابق؛ لإمكان أن يظهر له خلاف ما قضى أو حكم به أو أفتى سابقا .

 وقوله: «إذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» يعني: بان له الخطأ أو لم يتبين، فإن له أجرا على اجتهاده وتعبه في تحصيل الحكم، ولا يعني أن له أجرا على خطئه؟! ولكن يكون الإثم مرفوعا عنه، وهذا من لطف الله تعالى بعباده ورحمته بهم أنه لا يكلفهم ما لا يطيقون كما قال: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} (البقرة: 286).

 وهل يمكن أن يستدل بهذا الحديث على أن كل مجتهد مصيب؟!

والجواب: إذا كان المقصود بقول القائل: «كل مجتهد مصيب» أنهم كلهم على الحق في نفس الأمر، فهذا خطأ!! لأن الحق لا يتعدد، فالحق واحد، كما قال سبحانه: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} (يونس: 32).

إلا إذا كان الحق من باب الأمر المتنوع ، وهو أنه يجوز أن يكون كذلك، ويجوز أن يكون أيضا على وجه آخر، أي من الأمور التي تقبل أن يكون فيها العمل متنوعا .

أما إذا كان المقصود بقولهم: «كل مجتهد مصيب» بمعنى أنه إذا اجتهد وبذل وسعه فأخطأ فهو مصيب من هذه الجهة؛ لأنه لو اجتهد على جهل فهو آثم مخطئ، أما إذا اجتهد وهو يملك آلة الاجتهاد من العلوم الشرعية المطلوبة للاجتهاد، فأخطأ فإنه مصيب لبذله وسعه، واستفراغه وسعه، وليس مصيبا في تلك المسألة بعينها، فهذا واضح والحمد لله .

وأيضا ننبه على أن الاجتهاد والقياس إنما يكون عند عدم النص، وأما مع وجود النص فلا اجتهاد ولا قياس ولا عقل يعارض؛ فكما أنه لا تيمم مع وجود الماء، وأنه إذا حضر الماء بطل التيمم ، فكذلك إذا قال الله تعالى، أو قال رسوله[، فلا قول لأحد من الناس كائنا من كان، قال سبحانه وتعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} (الأحزاب: 36).

وقال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الحجرات: 1).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك