رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 1 يونيو، 2010 0 تعليق

شرح كتاب”الإعتصام بالكتاب والسنة” من صحيح الإمام البخاري (39) : التحذير من التشبه بالأمم

 

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة.

 

- الباب الرابع عشر:
14 – باب قول النبي  صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم».
الحديث الأول:
7319 – حدثنا محمد بن يونس: حدثنا بن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة  رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرا بشر وذراعا بذراع» 0 فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: «ومن الناس إلا أولئك؟!».
الحديث الثاني:
7320 – حدثنا محمد بن عبدالعزيز: حدثنا أبو عمر الصنعاني – من اليمن – عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا شبرا وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم «قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى»؟ قال: «فمن؟!» (طرفه:3456 ).
- الشرح:
الباب الرابع عشر: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، والسنن: بفتح السين وضمها، والأكثر على الفتح، والمقصود بالسنن: الطرق والسبل.
ثم روى البخاري بسنده عن شيخه أحمد ابن يونس، وهو ابن عبدالله الكوفي التميمي اليربوعي، ثقة حافظ. قال: حدثنا ابن أبي ذئب، وهو عبدالرحمن بن أبي ذئب المدني، من الأئمة الأعلام المشهورين بالحفظ والإتقان، وكان قوالا بالحق. عن المقبري، وهو سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري، أبو سعد المدني، ثقة تغير قبل موته بأربع سنين، من الرواة المكثرين عن أبي هريرة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبراً بشبر، وذراعا بذراع، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك؟!».
في الحديث إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم باتباع هذه الأمة للقرون من قبلها كما سيأتي بيانه، والقرون: جمع قرن، وهم الأمة من الناس، وقيل: القرن ثمانون سنة، وقيل: القرن مائة سنة، وهو الأشهر.
 وفي الحديث الذي بعده، الذي رواه البخاري عن شيخه محمد بن عبدالعزيز وهو ابن محمد العمري، أبو عبدالله الرملي، صدوق يَهِمُ. قال: حدثنا أبو عمر الصنعاني، وهو حفص بن ميسرة العُقيلي، ثقة ربما وهم. وقول الراوي: من اليمن، يعني هو من أهل اليمن، والصنعاني نسبة إلى صنعاء اليمن، لا صنعاء الشام؛ لأن الشام كان بها أيضا بلد يسمى صنعاء، فأراد التنبيه.
عن زيد بن أسلم، وهو العدوي، أبوعبدالله وأبو أسامة، أحد الثقاة المشهورين بالحديث والتفسير. عن عطاء بن يسار التابعي الجليل المشهور، ومضى الكلام عليه.
قال: عن أبي سعيد الخدري، وهو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، أحد من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم فوق الألف كما مر معنا.
قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا شبرا، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟».
قوله: «لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم «أو» سُنن من كان قبلكم» فيه إخبار من المصطفى صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر الغيبي، والذي هو من دلائل النبوة وعلامات الساعة الواقعة في الأمة، وهي خصلة إتباع سبيل من سبقها من الأمم، وطرق من سبقها من القرون، وهي أمم ضلت عن سواء السبيل، وانحرفت عن الصراط المستقيم، فسيكون أناس من هذه الأمة يأخذون بأخذها، والأخذ: يعنى السير على سيرتها، يقال: أخذ فلان بأخذ فلان، يعني: عمل بسيرته، وفعل مثل فعله، وقصد مثل قصده.
قوله: «شبرا بشبر، وذراعا بذراع» هذا للتشبيه، فالشبر والذراع من المقاييس، وهذا كله للتشبيه والتمثيل، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: «حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم»، هذا للتمثيل أيضا، والضب هو الحيوان المعروف، وقد قال العلماء: إن جحره ضيق، ويضرب به المثل في الضيق والسوء.
فهذا يدل على أن هناك طوائف من هذه الأمة ستأخذ بسيرة من قبلها من القرون من اليهود والنصارى، وفارس والروم، كما في الرواية الثانية، وكان فيهم يهود ونصارى، ولو كان شيئا فيه ضيق وسوء كالجحور! ولو كان أمرا مستقبحا، أو خلاف الفطرة، فإنهم سيقلدونهم ويتابعونهم عليه كالعميان!
وورد في أحاديث أخرى أيضا التحذير من هذه الخصلة التي ستكون في هذه الأمة، وفي أواخر هذه الأمة، وهي التشبه بالأمم، وهي تزداد بابتعاد الناس عن العصر النبوي والعلم الشرعي.
فقد ورد في حديث المستورد بن شداد رضي الله عنه أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «لا تترك هذه الأمة شيئا من سنن الأولين حتى تأتيه» رواه الطبراني في (الأوسط)، يعني: كل الذنوب وكل الأفعال والأحوال والأقوال التي مضت فيمن سبق، سترتكبها طوائف ممن ينتسبون لهذه الأمة.
قال ابن بطال رحمه الله: أعلمَ صلى الله عليه وسلم  أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور، والبدع والأهواء، كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائما عند خاصة من الناس.
قال الحافظ ابن حجر: قلت: وقد وقع معظم ما أنذر به صلى الله عليه وسلم وسيقع بقية ذلك.
وقال صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه أحمد وغيره.
وقال صلى الله عليه وسلم: « ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى «رواه الترمذي عن ابن عمرو رضي الله عنه.
فقوله: «ليس منا» تبرؤ ممن يقع في هذا الفعل المحرم.
وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الباب: «كفارس والروم» لما سئل فقال: «ومن الناس إلا أولئك؟!».
وفي الحديث الثاني: قلنا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟» يعني: فمن الناس إلا هؤلاء، وذلك لأن فارس والروم كانوا أكبر ممكلتين في الدنيا، وأوسع أمتين في الأرض، وأكثرهم رعية، وأوسعهم بلادا.
 وفي الحديث الآخر قال: «اليهود والنصارى»؛ لأن اليهودية والنصرانية كانتا أعظم ديانتين يدين بهما الناس قبل الإسلام، فقال أهل العلم: إن طوائف من هذه الأمة ستتبع ما يتعلق بالدنيا والسياسات أعظم أمتين سابقتين فيها، وهما فارس والروم، وأما فيما يتعلق بالديانات، وأصولها، وفروعها فسيحصل التقليد والتشبه باليهود والنصارى، وهذا الحديث يدل على ذم التشبه باليهود والنصارى، وغيرهما من الأمم من باب أولى؛ لأن اليهود والنصارى أهل كتاب، فكيف بغيرهما ممن لا كتاب له ولا نبي؟! فهذا أقبح.
وهذا الفعل الواقع في الأمة، هو مذموم، كما ذكرنا.
وقد وردت آيات من كتاب ربنا سبحانه وتعالى في ذلك، وهي تؤيد الأحاديث النبوية الصحيحة السابقة في ذم اتباع الأمم، كقوله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} (الجاثية: 18).
أي: قد شرعنا لك شريعة كاملة، تدعو إلى كل خير، وتنهى عن كل شر، فاتبعها فإن فيها السعادة في الدنيا والآخرة، ولا تتبع أهواء الجهلة الذين لا علم لهم ولا كتاب، بل يمشون وراء أهوائهم الفاسدة وشهواتهم الدنية.
وكقوله عز وجل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (المائدة: 51).
فينهى الله عز وجل عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، أي: أحبابا وأنصارا وأصفياء مقربين، بعد أن بين صفاتهم غير الحسنة في ثنايا كتابه الكريم، وتوليهم عن طاعة ربهم ورسله الكرام.
وغير ذلك من الأحاديث والآيات في هذا الباب، والتي تدل على حرمة التشبه بالأمم قبلنا؛ لأن الله تبارك وتعالى قد جعلنا على شريعة واضحة، ودين كامل شامل رضيه لنا وأتمه علينا، كما قال عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة: 3 ).
وقد بدأ التشبه بالأمم الكافرة يسري إلى هذه الأمة لما دخل طوائف من اليهود والنصارى إلى الإسلام، ولما كثرت الفتوحات في الدولة المسلمة، فدخلت بعض العادات والتقاليد من البلاد المفتوحة إلى أبناء المسلمين الجهلة، ولا يزال هذا الأمر يعظم ويكثر كلما كثر الجهل بدين الله، واندثر العلم.
وقد كتب كثير من السلف والخلف في هذا الموضوع كتبا وبحوثا، يحذرون من الصفات الرديئة والعادات الطارئة التي دخلت على الأمة، وتبين خطرها على العقيدة والخلق والسلوك وعلى العبادة، بأن الله سبحانه وتعالى قد نهانا عن التشبه بغيرنا عقيدة وشريعة وخلقا وسلوكا، والتساهل في هذا الباب يضيع هوية المسلم وشخصيته، ولاسيما عند ضعف التقوى والأيمان.

وقد دخلت عادات الغربيين والشرقيين من الكفار والمشركين، في هذه الأيام إلى أبناء كثير من المسلمين عبر أجهزة الإعلام المختلفة، وخاصة الفضائيات التي تنقل الغث والسمين، وتنقل أحوال الكفار وملابسهم وعاداتهم، وتنقل عبرها احتفالاتهم واجتماعاتهم وأعيادهم الوثنية والشركية، فيراها أبناء وبنات المسلمين ويقلدونها، ويريدون أن يكون للمسلمين مثلها، ومعلوم أن الإنسان الجاهل والخالي الوفاض من العلم النبوي، يحب التقليد لغيره، أما إذا ذكر له سير الصالحين، وأحوال النبيين، وعلم أخبارهم، فإنه يحب أن يكون مثلهم، وإذا وضعت أمامه أحوالهم وأقوالهم وعاداتهم وذكرت له ملابسهم وزينهم، فإنه يحب أن يكون كذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك