العبيد: الأمر بالمعروف والنــهي عن المنكر هو قوام الداعي إلى الله
لا يصلح أمر الدعوة إلا بمعروف يعلم أو بمنكر يزاح
قصة القرآن من أوله إلى آخره شكل من أشكال الكمال والمحبة من الله -سبحانه وتعالى- لهذه الأمة
من صفات المنافقين أنهم لا يدعون إلى الله تبارك تعالى وهذا من أقبح صفاتهم
متى ما غابت البصيرة والحكمة عن الدعوة أدخل الداعي الفشل والدمار والوهن على دعوته
استقبل رئيس جمعية إحياء التراث الإسلامي طارق العيسى الشيخ عبد الله بن صالح العبيد -رئيس المناهج في وزارة التربية والتعليم بالمملكة العربية السعودية-، وقد حضر اللقاء عدد من أعضاء مجلس الإدارة ومشايخ الجمعية وعلمائها.
في بداية اللقاء شكر الشيخ العبيد جمعية إحياء التراث والقائمين عليها على ما يبذلونه في خدمة العمل الخيري والدعوي، ثم بدأ الشيخ محاضرته قائلا: إن الله -تبارك وتعالى- حينما أراد أن يذكر صفة هذه الأمة، وأراد أن يبين الهوية التي عليها هذه الأمة، ذكرها في آية مختصرة وطيبة وجميلة، قال -تعالى-: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}، هذه الأمة أحبها الله -تبارك وتعالى- لأجل ذلك بعث إليها أعظم رسول، وفضلها على الخلق جميعًا، وجعلها أكرم أمة، وأنزل إليها أعظم كتبه وأحبها إليه، وجعل إنزاله شامة في تاريخ العالم، سواء في طريقة إنزاله على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ، أم إنزاله إلى السماء الدنيا. قصة القرآن من أوله إلى آخره هي نوع من أنواع الكمال والمحبة منه -سبحانه وتعالى- لهذه الأمة.
لما أراد الله -تبارك وتعالى- أن يذكر هويتنا قال: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}.
ثم قال: {وتؤمنون بالله}، كان التقدير في الآية أن يقال تؤمنون بالله وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، إلا أن الله له في كتابه أسرار وحكم وجماليات، فقدم الهوية على حقيقة الإيمان فقال: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}، فالسبب أن هذه الأمة أمة دعوة، لما كانت أمة دعوة كان التنبيه إلى ذلك مقدماً على الإيمان بالله -تبارك وتعالى- فقال: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما قوام الداعي إلى الله؛ فلا يصلح أمر الدعوة إلا بمعروف يعلم أو بمنكر يزاح أو يحذر منه.
لو تأملنا الآيات التي أشارت إلى الدعوة إلى الله في كتابه لوجدناها تشير إلى الشرف وأيما شرف! ومن ألطف ما حكى الله -تبارك وتعالى- عن الداعية وشرفه في كتابه -سبحانه وتعالى- أنك تدعو أيها الداعي والله يدعو، فقال الله -تعالى-: {والله يدعو إلى دار السلام}، وأنت أيضًا تدعو إلى الله، وفي هذا الشرف وتقتدي بالرب -جل وعلا- في دعوتك إليه.
وقال -تبارك وتعالى- عن رسوله صلى الله عليه وسلم كذلك: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}، فجاء بهذا الفعل لرسوله صلى الله عليه وسلم .

فالله -تبارك وتعالى- يدعو، ورسوله صلى الله عليه وسلم يدعو، وأنت تدعو، إذاً هذا الفعل العظيم من أعظم ما يحب الله -تبارك وتعالى- لعبده؛ حيث يجعله يدعو، وإذا كره الله لإنسان أبعده عن هذه الدعوة؛ ولهذا أخبر الله -تعالى- أن من صفات المنافقين أنهم لا يدعون إلى الله -تبارك تعالى- وأخبر بأن هذا من أقبح صفات المنافقين؛ فقال -تبارك وتعالى- عن صفاتهم {يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم، إن المنافقين هم الفاسقون}، خرجوا عن محبوب الله فجعلهم من الفاسقين، وأبطنوا ما لا يحب فجعلهم منافقين، لبغض الله لهم جعلهم لا يدعون إلى الخير، فإذا كان الإنسان الداعية مقلا من ذلك أو بعيدًا عن ذلك، فقد يصيبه بعض النفاق الذي أصاب هؤلاء الناس، هذا نفاق عظيم بلا شك، ولكن هذا أيضا نوع من النفاق، وقد أشار ابن القيم -رحمه الله- في (مدارج السالكين) إلى أن كل آية في كتاب الله تذكر في المنافقين أو تذكر في أعداء الدين، فكل مسلم متلبس بهذه الصفة قلت أو كثرت له نصيب مما حكى الله عن أعدائه.
فلاشك أن هذا الدين هو أمانة في قلب كل من أحب الله وعرف الهداية، ومتى ما قصر الإنسان في الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- يبعد عن محبوبه، ويقع في صفات لا يحبها الله من صفات أعدائه، هذه نقطة حقيقة أحب أن أعلق عليها في هذه الآية.
الحكمة والبصيرة
نقطة أخرى وهي أن وجود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصفة الدعوة والداعية إلى آخره من هذه الأعمال الصالحة التي يحبها الله تبارك وتعالى، هي مقيدة بركن من أركانها، ومتى ما انفك هذا الركن أفسد الإنسان أكثر مما يصلح، وهي البصيرة التي تترتب عليها الحكمة، التي إذا قصر الإنسان فيها أدخل الفشل والوهن على دعوته، وأدخل الدمار عليها، ومكن لأعداء الله من دين الله، والتصرفات التي يتصرفها بعض إخواننا من الدعاة في العالم الإسلامي، ربما جرَّت عليهم ويلات سببها قلة البصيرة التي ترتبت عليها قلة الحكمة، التي نتج عنها الفوضى والمشكلات التي لا يغلق بابها، ويفتح الإنسان عليه في الدعوة بابا من الويلات، بسبب هو حماقته في الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى.
فلذلك أيها الإخوة كل ما أصاب الأمة ويصيبها في تاريخ الإسلام هو نتيجة لذلك، قد قال الله -تبارك وتعالى-: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}، هذا السبيل هو البصيرة، فإذا كان التابع مقصراً في البصيرة ترتب عليه هذه الأشياء، بل في المشكلات التي حصلت في الصدر الأول في تاريخ الإسلام في آخر زمن الصحابة وما بعده كان من أعظم أسبابها قلة البصيرة، ولأجل ذلك لما سئل سفيان الثوري عن الفتن التي تحصل في زمانه قال: الفتنة إذا أقبلت عرفها العالم وخفيت على الجاهل، فإذا أدبرت عرفها العالم والجاهل.
إذا ماالذي يميزك -أيها العالم- إذا كنت مثل العامي تجهل هذه الفتنة التي أقبلت على الناس لولا أنك على بصيرة؟ متى ما كان الإنسان عنده قلة بصيرة فليستمسك بأهل البصيرة، وإذا كان عنده تعجل فليمسك بأهل الحكمة، وإن كان عنده قلة علم فليتمسك بأهل العلم، وإن كان عنده قلة تعبد فليتمسك بأكثر الناس تعبدًا؛ لأن الله لا يضيع أولياءه، وأن الله عنده سنة أن العبد كلما أقبل عليه بالعلم والحكمة والتعبد وفقه الله لكل خير وجعله من أحبابه، انظروا أهل القرآن لما كانوا أكثر الناس إغراقًا في كتابه كانوا أهل الله وخاصته.
قال النووي -رحمه الله- وختم فلان القرآن في سبعة أيام، وفلان في ثلاثة وفلان في يومين وعدَّدَّ الناس الذين حدث منهم ختم القرآن، ثم قال أما الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يحصون من السلف منهم: عثمان بن عفان وتميم الداري إلى آخر كلامه رحمه الله.
هؤلاء هم الأولياء إن كنت لا تستطيع أولا تميز مثل هذه الفتن التي تحصل فعليك أن تتمسك بأذيال هؤلاء؛ لأن الكف عن دماء الناس، وعن أعراضهم، والكف عن أن تفتح بابا لا يغلق من الشر؛ كل ذلك أصل العبودية لله تبارك وتعالى.
وقد يصبح الإنسان حيران لا يدري من أين يأتيه الشر؛ لأنك -أيها الداعي- قليل البصيرة، قليل الحكمة، انفردت برأيك، ولم تكن مع جماعة المسلمين، فكم من القتل وكم من الدمار حدث في بلاد المسلمين بسبب تلك الاجتهادات الفردية الخطـأ، وهذه الاجتهادات الخطأ سيسألون عنها يوم القيامة، قال -تعالى-: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين}.
الداعية الحق الصحيح هو من كان قريبا من الله، وكان داعيا إلى الله بحق، وكان كافًا عن حرمات الناس وأعراضهم ودمائهم، وكل هذه إن لم يكن الداعية فيها على بصيرة وهداية، وأن يكف عن كل شيء يدخل عليه من الشرور ما لا ينتهي فهو ليس بداعية.

الشيخ عبدالله بن صالح بن محمد العبيد في سطور
الشيخ عبدالله بن صالح بن محمد العبيد ولدفي 3 أغسطس، 1966، يرجع نسبه إلى بني العنبر ابن عمرو بن تميم.
درس في معهد إمام الدعوة العلمي، ثم في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وتخرج سنة 1410 هـ، ثم درس الماجستير: في الجامعة الأمريكية المفتوحة كلية الدراسات الإسلامية: في واشنطن DC بقسم الفقه وأصوله، وعنوان الأطروحة: (الدلالات عند الأصوليين: دراسة مقارنة بين منهج الفقهاء والمتكلمين)،
ثم حصل على الدكتوراه في جامعة صنعاء في كلية الآداب، قسم الدراسات الإسلامية شعبة الفقه وأصوله، وعنوان الأطروحة: (تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام) تحقيق ودراسة للإمام الفقيه بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني الشافعي (ت733هـ)،
وأما مشايخه فقد قرأ على علماء كثيرين -رحمهم الله- مابين قراءة مطوّلة وموجزة وهم قسمان: شيوخ القراءة وهم كثيرون مثل:سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وسماحة الشيخ عبد الله بن حميد، والعلامة الشيخ محمد بن عثيمين، والعلامة الشيخ عبدالله بن جبرين، والشيخ الفقيه حسن بن مانع، وقد قرأ عليهم كتباً كثيرة كالأمهات الست، وفي التوحيد والسيرة النبوية والفقه والمصطلح والتفسير والأصول وغيرها
لاتوجد تعليقات