رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 11 مارس، 2013 0 تعليق

لا تقابل أهل المعاصي بالصراخ والسباب

- مشكلتي أنني عندما أشاهد ما يغضب الله أصرخ وأثور وأغضب غضباً شديداً وأبيِّن أن هذا حرام ولكن بصوت مرتفع وتوتر شديد، ولاسيما إذا كان مَن هم أمامي لم يقتنعوا ولا يريدون أن يقتنعوا، وقرأت أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أوصى شخصاً سأله قال: «لا تغضب» ثلاث مرات، وقرأت حديثاً آخر فيما معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يغضب لنفسه ولكن يغضب إذا انتهكت محارم الله، أرجو سماحة الشيخ توضيح كيف كان غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انتهكت محارم الله؟ وما دورنا نحن؟ وكيف يجب أن يكون غضبنا؟ وما الغضب المنهي عنه؟

 

- الأخ السائل أشكل عليه موضوع الغضب، فأقول أولاً إن المؤمن يغضب لمحارم الله وحديث: «لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته» وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا انتهكت حرمات الله يغضب حتى لا يقوم لغضبه قائم، وأنه نهى عن الغضب لما سأله السائل فقال له: «لا تغضب» الحديث، فكيف الجمع؟ يا أخي كل مؤمن تمكَّن الإيمان من قلبه فهو يغضب إذا انتهكت محارم الله ويغار لله، ويظهر أثر الغضب عليه واضحاً لكن هذا الغضب لا يجوز فيه الطيش والتشنّج والتعصّب الزائد والخروج عن الأمور الشرعية، فلا تكن عصبياً متشنجاً ذا غضب شديد وصراخ وخروج عن المنطق السليم، ويجب أن تلزم التؤدة والأناة والسكينة وفي قلبك من بغض الشر وكراهيته ما  الله به عليم، لكن إذا قابلت أهل المعاصي بصراخ وسباب وشدة نفروا منك أو قابلوا شدتك بشدة أخرى أو فعلوا معصيةً ليغيظوك ويخرجوك عن نطاق قدرتك، فتحكم في نفسك وكن رابط الجأش قوي الإيمان وفي قلبك ما الله يعلمه من مكان الشر ومبتغي الشر وبغضك له وحبك للخير، فالتشنج والغضب والحماس الشديد هذا لا خير فيه؛ ولهذا قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران: 159)، ولو كنت فظاً شديداً غليظ القلب لانفضوا من حولك وكرهوك لكنك ذو حلم وأناة وصبر وتحمّل على كل ما ابتليت به. إن المسلم عندما يرى المحرَّمات تنتهك يغضب لله ويتأثر بها ولكنه يضبط نفسه فلا يقدم إلا على علم ولا يحجم إلا عن علم، وبعضهم إذا رأى المنكر يوشك أن يضرب صاحب المعصية أو يقتله أو نحو ذلك، إن مهمتك الإصلاح والتهذيب وتبيين الخطأ وإيصال المعلومة إلى ذلك العاصي بأدب لعل الله يقذف في قلبه الإيمان، وإن محمداً صلى الله عليه وسلم من تأمل سيرته وحسن تعامله مع الخلق وجد ذلك جلياً واضحاً، يأتي رجل يقول: ائذن لي في الزنى، قال له: «أترضاه لابنتك؟»، قال: لا، قال: «أترضاه لأمك؟»، قال: لا، قال: «أترضاه لأختك؟»، قال: لا، إلى آخره فقال: «لا ترضاه لنسائك فكيف ترضاه لنساء الآخرين»؟! ثم وضع يده صلى الله عليه وسلمعلى صدر الرجل  وقال: «اللهم حصّن فرجه”، ويأتي الأعرابي ليبول في المسجد، والبول في المسجد من الكبائر، الصحابة عندما رأوه يبول زجروه وقاموا ليبطشوا به فالنبي صلى الله عليه وسلمهدأهم وقال «دعوه»، فلما قضى بوله دعاه النبي صلى الله عليه وسلموأخبره أن المساجد بنيت لذكر الله والصلاة، ولم تبن لهذا، ومعاوية بن الحكم كان يصلي مع الجماعة، فلما عطس الرجل الصحابي شمّته فرموه بأبصارهم ثم صفقوا بأيديهم، فلما سلم دعاه النبي صلى الله عليه وسلمفقال: “إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ” قال معاوية: والله ما ضربني، والله ما كهرني، والله ما نهرني بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم، فالغيرة في قلب المسلم لكن يتحرَّى بأصول شرعية وضوابط شرعية حتى

     يؤدي الواجب ويغيِّر المنكر، أما الصراخ والغضب الشديد فهذا لا يؤثِّر ويضر وينفِّر عن الفرد، فإصلاح الشخص ليس مجرد تغيير معصية، التغيير سهل، قد يذهب عنك ويعمل عند غيرك لكن مهمتك أن تغيِّر المنكر وأن توضح الدليل على أنه منكر وأن يعلم من غيّرت المنكر عليه بقناعة أن هذا منكر وليس هذا بالمعروف حتى يكون الإنسان على بصيرة.

     فيا أخي الغضب منهي عنه والنبي صلى الله عليه وسلملما قال له الرجل: أوصني، قال: “لا تغضب” فردد مراراً فقال: “لا تغضب”، قال العلماء ذلك أن الغضب يجعل الغضبان بمعزل عن الناس لا يتفاهمون معه ولا يستمعون منه ولا ينصتون له ولا يصغون لقوله، إن كان ذا سلطة تركوه خوفاً منه، وإن كان ليس بذي سلطة تركوه احتقاراً له لأن غضبه يلجمه ولا يفهم كلامه ولا يستطيع أن يتعامل مع الناس، بل نغار على دين الله ونغضب إذا انتهكت حرمات الله ولكن بالضوابط الشرعية بالحلم والأناة والرفق؛ ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلملما قال له اليهود: السام عليك، قال لهم: وعليكم، وغضبت عائشة ولعنتهم وسبتهم، فقال: يا عائشة مهلاً إن الرفق ما وضع في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه ألم تري أني أجبت مثل ما قالوا، قالوا: السام عليك، قلت: وعليكم، فهذا مقابلة بالمثل لكن لم يلعنهم ولم يسبهم، فهو ليس باللعان ولا السباب ولا بالفاحش البذيء، هو صلى الله عليه وسلمأحسن الخلق قولاً وأهذبهم لساناً وأحسنهم تعاملاً وأشدهم صبراً على كل المصائب صلى الله عليه وسلم، قال له أبو الخوارج: اعدل فإنك لم تعدل، ويقول له: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، اتهام خطير للنبي وقول سيئ، فماذا قال النبي؟ قال: «ويلك من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله»، همَّ الصحابة أن يقتلوه فقال: «دعوه فإنه يخرج من هذا قوم تحقرون صلاتكم بصلاتهم وصيامكم بصيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».

     كل هذا الصبر والتحمل درءا للمفاسد، وأوصيك أخي بتقوى الله والغيرة على دين الله، لكن أوصيك بالرفق في الأمور كلها؛ فالرفق زينة للداعية، الحلم خلق الداعية فكن ذا حلم ورفق، وأسأل الله لي ولك التوفيق والسداد·

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك