من أ الأحكام الفقهية من القصص القرآنية – بعض الأحكام المستفادة من قصة موسى عليه السلام – الألفاظ الت
قال -تعالى-: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} (سورة القصص:27) من المسائل الفقهية المستفادة من الآية الكريمة (مسألة الألفاظ التي ينعقد بها النكاح). فمن المعلوم أن الرضا شرط لصحة العقود والتصرفات كما قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} (النساء: 29)، وفي الحديث:»إنما البيع عن تراض» أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني، ومن ضمن ذلك عقد النكاح بل هو أولى بهذا الشرط لما فيه من استباحة الأعراض والاطلاع على العورات وما يتبعه من آثار خطيرة تتعلق بالأفراد والأسر، والرضا أمر قلبي يعبر عنه اللسان بما يعرف بصيغة العقد.
صيغة العقد
فصيغة العقد: هي ما صدر من المتعاقدين من قول أو فعل يدل على الرضا بالعقد. ولها حالان:
الحال الأولى
أن يكون الإيجاب والقبول بلفظ الإنكاح أو التزويج وما اشتق منهما: كأن يقول الولي: زوجتك ابنتي أو أنكحتك ابنتي، فيقول الخاطب قبلت، أو يقول الخاطب: تزوجت ابنتك أو نكحت ابنتك، فيقول الولي: قبلت، وهذه الصيغة ينعقد بها الزواج بالإجماع، قال ابن قدامة:» وَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُمَا إجْمَاعًا». وعلل ذلك بأنهما اللفظان اللَّذَانِ وَرَدَ بِهِمَا نَصُّ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} (الأحزاب: 37)، وَقَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} (النساء: 22).
الحال الثانية
أن يكون الإيجاب والقبول بلفظ غير هذين اللفظين: كأن يقول الولي: ملكتك ابنتي، أو وهبتك ابنتي، أو أعطيتك ابنتي ونحو ذلك من ألفاظ، وهنا اختلف الفقهاء في انعقاد الزواج بمثل هذه الألفاظ:
المذهب الأول
لَا يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ لَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ
وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَالشَّافِعِية والحنابلة، لخبر مُسْلِمٍ: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ»، قَال في مغني المحتاج: «وَ(كَلِمَةُ اللَّهِ) هِيَ التَّزْوِيجُ أَوْ الْإِنْكَاحُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ سِوَاهُمَا فَوَجَبَ الْوُقُوفُ مَعَهُمَا تَعَبُّدًا وَاحْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَنْزَعُ إلَى الْعِبَادَاتِ لِوُرُودِ النَّدْبِ فِيهِ، وَالْأَذْكَارُ فِي الْعِبَادَاتِ تُتَلَقَّى مِنْ الشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ إنَّمَا وَرَدَ بِلَفْظَيْ التَّزْوِيجِ وَالْإِنْكَاحِ».
لفظ الهبة في النكاح
وَذهب ابن قدامة إلى أن لفظ الهبة في النكاح خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - كما في قَوْله -تعالى-: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} (الأحزاب: 50). فَذَكَرَ ذَلِكَ خَالِصًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم .
وعلل بأَنَّ غير لفظ الإنكاح أو التزويج غير صريح في الدلالة على إرادة عقد النكاح ويحتمل غيره فلم ينعقد به، وَأيضا لِأَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِي النِّكَاحِ، وَالْكِنَايَةُ إنَّمَا تُعْلَمُ بِالنِّيَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ الشَّهَادَةُ عَلَى النِّيَّةِ، لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِمْ عَلَيْهَا، فَيَجِبُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ، وَبِهَذَا فَارَقَ بَقِيَّةَ الْعُقُودِ وَالطَّلَاقَ.
وذكر القرطبي أن أصحاب الشافعي استدلوا بقول الرجل الصالح لموسى -عليه السلام- في الآية:{إني أريد أن أنكحك} على أن النكاح موقوف على لفظ التزويج والإنكاح، ورد عليهم بأنه لا حجة لهم في الآية؛ لأنه شرع من قبلنا، وهم لا يرونه حجة في شيء في المشهور عندهم.
وقال ابن العربي في الرد عليهم:» هذه الآية فيها أن النكاح بلفظ الإنكاح وقع، وامتناعه بغير لفظ النكاح لا يؤخذ من هذه الآية ولا يقتضيه بظاهرها ولا ينظر منها، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال في الحديث:»قد ملكتكها بما معك من القرآن» وروي:»أمكناكها بما معك من القرآن» وكل منهما في البخاري، وهذا نص».
وأما دعوى الخصوصية فالجواب أن الذي خص به النبي - صلى الله عليه وسلم - خلو النكاح من العوض لا النكاح بلفظ الهبة.
المذهب الثاني
يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْبَيْعِ وَالتَّمْلِيكِ ما دام يقصد عقد النكاح الشرعي
وَبه قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَدَاوُد والحنفية والمالكية، قال القرطبي:» وقال علماؤنا أي المالكية في المشهور: ينعقد النكاح بكل لفظ، وقال أبو حنيفة: ينعقد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:»إنَّ أصَحَّ قولَيِ العلماء أنَّه (أي: النكاح) ينعقِدُ بكلِّ لَفظٍ دَلَّ عليه، لا يختَصُّ بلفظِ الإنكاحِ والتزويجِ، وهذا مذهَبُ جمهورِ العلماءِ، كأبي حنيفة، ومالك، وهو أحدُ القولينِ في مذهبِ أحمدَ». ومما استدلوا به:
1- أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً، وقَالَ:» قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وهو ظاهر الدلالة على المقصود حيث عقد النبي - صلى الله عليه وسلم - عقد النكاح بلفظ التمليك وهو غير لفظ الإنكاح والتزويج مما يدل على جواز ذلك.
2- وَلِأَنَّهُ أي التزويج بالهبة لَفْظٌ يَنْعَقِدُ بِهِ تَزْوِيجُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، كما دلت عليه الآية المتقدمة، فَانْعَقَدَ بِهِ نِكَاحُ أُمَّتِهِ، كَلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ.
3- واستدل ابن القيم بأن ألفاظ العقود ليست توقيفية كألفاظ بعض العبادات، فقال:»كذلك عقدُ النِّكاح، وليس ذلك من العباداتِ التي تعبَّدَنا الشارعُ فيها بألفاظ لا يقومُ غيرُها مقامَها، كالأذانِ، وقراءة الفاتحةِ في الصلاة، وألفاظِ التشهد، وتكبيرة الإحرام، وغيرها، بل هذه العقودُ تقع من البَرِّ والفاجر، والمسلِم والكافِرِ، ولم يتعبَّدْنا الشَّارعُ فيها بألفاظٍ معينة، فلا فرقَ أصلًا بين لفظِ الإنكاح والتزويج وبين كلِّ لفظٍ يدُلُّ على معناها».
وتمسك الشيخ ابن عثيمين بالإطلاق الوارد في النصوص الشرعية كقوله -تعالى-: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء}(النساء:3) قال الشيخ: «فأطلق النكاح، وعلى هذا فكل ما سمي نكاحا عرفا فهو نكاح، ولم يقل: فانكحوا ما طاب لكم من النساء بلفظ الإنكاح أو التزويج»، وضرب مثلا لذلك بالبيع في قوله -تعالى-: {وأحل الله البيع}(البقرة:275) فهو مطلق، وهم يجيزون البيع بكل لفظ دل عليه عرفا وبالمعاطاة ولم يقيدوا ذلك بلفظ البيع كما جاء بالآية الكريمة، فكذلك النكاح.
واستدل أيضا بالأصول المستقرة فقال: «ليس هناك دليلٌ، لا في القرآنِ، ولا في السُّنَّة أنَّه لا يصِحُّ النِّكاح إلا بهذا اللفظ» وقرر القاعدة الكلية وهي: أنَّ جميع العقود تنعَقِدُ بما دلَّ عليها عُرفًا، سواءٌ كانت باللفظ الوارد أو بغيرِ اللفظ الوارد، وسواءٌ كان ذلك في النِّكاحِ أو في غير النِّكاح، هذا هو القَولُ الصحيحُ».
لاتوجد تعليقات