رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 5 يوليو، 2022 0 تعليق

من أرشيـف علماء الدعوة السلفية في الكويت – الشيخ عبد الله السبت- رحمه الله (13) – معالم في الفرقة ال

هذه محاضرات ألقاها الشيخ عبدالله السبت -رحمه الله- في أوقات متفرقة ومجالس متنوعـة، دارت حول إيضاح مفهـوم المنهج السلفي الصافي، وكشف عُوار الدعوات المشوهة له، وأثراها بالأمثلة الحية التي تُلامس الواقع، بأسلوبٍ موجز لا حشو فيه، وسهل ميسّر، بقوة حجة، واطلاعٍ تام بحال الجماعات الإسلامية المعاصرة، موجَّهٌ إلى أفهام عُموم الناس، غير مختَصٍ بنخبةٍ معينة، قام بجمعها وترتيبها الأخ بدر أنور العنجري، في كتاب (ملامح أهل الحديث) المطبوع حديثاً، ومنه استقينا مادة هذه السلسلة.

      ذكرنا فيما سبق أن الركيزتين اللتين يرتكز عليهما معنى الفرقة الناجية هما: (حديث الافتراق، وحديث الطائفة المنصورة)، والطائفة الناجية المنصورة هي التي بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها ظاهرة، والظهور قد یكون ظهور قوة، كما كان في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم-، (عهد دولة الخلفاء الراشدين، ثم في عهد بني أمية)، فكان الحق ظاهرا ظهور قوة مع ظهور حجة، وكان أهل البدع قلة ضائعة خائفة متوجسة، ثم دارت الدنيا فأصبح ظهور أهل السنة ظهور حجة وبيان، وإن كانت الدولة عند غيرهم كما حصل في منتصف دولة بني العباس، ثم ما جرى بعد ذلك في دول المماليك، وسارت في الدنيا، حتى جاءت في دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله-، فعادت مرة ثانية ظهور القوة مع ظهور الحجة والبيان.

الطائفة المنصورة ظاهرة بينة

     فإذا هذه الطائفة موجودة في الدنيا ظاهرة بينة لا يضرها أحد أبدا، وهذا الظهور والبيان في أقطار الدنيا كلها، فلا يخلو منهاعصر ولا مصر مطلقا؛ لأنه لو خلا منها زمان لخلا ذلك الزمان من الحق، وهذا لا يمكن، لكنها قد تكون قليلة في بلد، كثيرة في بلد آخر، وقد تكون ظاهرة بالقوة والحجة في بلد، وظاهرة بالحجة وضعيفة في بلد آخر؛ لأن الإنسان في أي وقت من الأوقات يرید راية يعرف أنها راية أهل الحق، ومن يتتبع التاريخ في جميع مراحله يظهر له ظهورا واضحا بينا أن علياء الأمة وأتباع السلف كانوا يُعرفون، وكان لهم المرجعية.

الفرق بين معصية الضلال ومعصية الشهوة

ومما ذكرناه أيضا بأنه ليس معنى ذلك ألا يعذب أحد من هذه الطائفة في النار أبدا، بل إنهم يعاقبون في النار لمعاص وقعوا فيها، وهذا قد يحصل في عصور الإسلام، فهم ليسوا بمعصومين من الوقوع في الخطأ مطلقا، ولكنهم معصومون أن يقعوا في الضلال، من هنا لابد أن نفرق بين معصية الضلال ومعصية الشهوة؛ فإن أتباع هذا المنهج قد يقعون لبشريتهم في أخطاء الشهوات، وأخطاء الشهوات معروفة، ولكنه يمتنع أن يقعوا في أخطاء الشبهات والأهواء، فأصحاب هذا المنهج ظاهرون واضحون بينون، سالكون الدرب من ناحية صحة المعتقد وسلامة المنهج، ولكن في ناحية الشهوات وما يعتري البشر، من ضعف في التدين والقوة، فهم يعتريهم مايعتري غيرهم من الناس.

الطائفة المنصورة قد تقع في الشهوات

     فإذا كون هذه الطائفة ناجية، وظاهرة، ومنصورة، وبينة، لا يعني أنها لا تقع في خطأ الشهوات، وأما الشبهات فالمنهج عصمها منه؛ فلذلك من وقع في خطأ الشهوات لا يخرج من السلفية، أو من منهج أهل الحديث، ومن وقع في الشبهة فهو إما أن يكون ناتج تقصير وقلة فهم وهذا يعذر، مع أن فعله مردود، وإما أن يقع ناتج منهج، فهذا خارج عن منهج أهل السنة والجماعة (سلف الأمة -رضوان الله عليهم).

الافتراق لا يدخل فيه الجانب التعبدي

      إذا الافتراق الذي أخبر عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المشهور لا يدخل فيه الجانب التعبدي، وإنما البحث في الجانب العقائدي المنهجي، ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ربط الافتراق في التشابه مع اليهود والنصارى، وهذه الأمة افترقت بخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو من علم الغيب الذي أطلعه الله -سبحانه وتعالى- عليه، نعلم يقينا بأن وحدة الأمة لازمة، ويجب أن نسعى إليها، وأن التفرق ضلال وانحراف وضعف؛ ولذلك الله -سبحانه وتعالى- يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} (الأنعام:159).

نحن نحارب الفرقة والاختلاف

     فكوننا نردد دائما حديث الافتراق، لا يعني أننا نشجع الافتراق والخلاف والفرقة، هذا لا يفهم أبدا، وإنما نحارب الفرقة والاختلاف، ونرى بأن التجميع واجب، وأن يد الله مع الجماعة، ونرى أن الفرقة تؤدي إلى ضياع هذه الأمة {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال:46)، لكن نری - كما یری علماؤنا- بأن التجمع يكون على القواعد مطلوب لكن الصحيحة، هذا الذي ندندن عليه ليلا ونهارا، الذي نفهمه من حديث الافتراق بأنه أمر قدر كائن لا نستطيع أن نوقفه، لكننا نستطيع أن نجمع الأمة العدد الأكبر والسواد الأعظم على الجادة.

     ولذلك -وهذه مهمة - يظن كثير من إخواننا أن الكثرة على الحق غیر مطلوبة وغير مرغوبة، ويفهمون النصوص الأخرى خطأ، صحيح أن غالبية من في الأرض ضالون، وصحيح أن الكثرة ليست دليلا على أنها على الحق، لكن ليس معنى هذا أننا لا نبحث عن الكثرة، فلابد أن نفهم هذا الأمر، فالتجميع والتكثير لأهل الحق لازم، وهذا الذي سعى إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - واجتهد عليه، وإلا لو كان لا يريد هذا لما سعى لفتح الدنيا.

الخيرية لمن سار على العقيدة الصحيحة

      هذه الأمة أمة خيرية، يعني أن الله -عز وجل- اختارها بأن تكون أحسن الأمم، والذي يظهر لي -من غير عصبية- أن المراد بذلك هم المهتدون على التوحيد، هم الذي أعطوا الأفضلية، فإذا علينا أن نعتقد أن خيرية هذه الأمة لمن سار على العقيدة الصحيحة، وإن قصر في جانب الشهوات، وأما أن نعتقد أن هذه الخيرية يشترك فيها: الذي يعتقد بأن الله في كل مكان! ومن يعتقد أن الكلب والخنزير إله! والذي يعتقد أن زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - زانية! ومن يسأل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة الكرام فيقول هم شر الناس! هذه صفة أسوأ من صفة اليهود والنصارى.

الخيرية التي نعني

     فالخيرية التي نعني هي خيرية المنهج، وخيرية العقيدة الصحيحة، وعليها يفهم قول الله -سبحانه وتعالى-: {إن هذه أمتكم أمة واحدة} أي دينكم هذا وعقیدتكم {وأنا ربكم فاعبدون} (الأنبياء:92)، فإذا كانت هذه الأمة دينها أديان وهي شتات، لم تتحقق لها هذه الفضيلة التي يقول الله -عز وجل- فيها: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} نسمع من الوعاظ هذه الآية لكن لو أكملها: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران:110)، أي أن هذه الخيرية أعطيت لكم لأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.

الذين جعلهم الله تعالى وسطا

      لكن هؤلاء الناس الذين جعلهم الله -عز وجل- وسطا، ليسوا قبوريين، ولا ممن يسب الصحابة -رضوان الله عليهم-، ويطعن في شرف النبي - صلى الله عليه وسلم -، هؤلاء الذين يقول الله -عز وجل-: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} (النساء: 41)، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يشهد على أتباع الأمم والموحدون يشهدون، وأما المفسدون في الأرض -وإن بقوا في دائرة الإسلام العام- فليسوا من هؤلاء الطائفة المفضلة عند الله -عز وجل- الناجية المنصورة أبدا.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك